المصارحة والمصالحة هما البدايات الحقيقية لنهضة الأمة الإسلامية، واستعادة قدرتها على مواجهة التحديات. وبجانب القوة الإيمانية التي تحتاجها الأمة إلى تجديد شبابها، فهناك القوة المادية والعلمية المطلوبة لمواكبة التقدم التكنولوجي في الغرب.

وإذا كانت الأمة قد قطعت شوطاً لا بأس به في اتجاه الإحياء الروحي واستعادة وهج الإيمان، فإنه مطلوب على وجه السرعة إصلاح ذات البين، وحسن تخطيط وتنظيم الموارد الاقتصادية، وتحقيق التعاون المنشود، لنكون قادرين على مواجهة تحديات القرن المقبل. وعن الكيفية التي يمكن أن نتجاوز بها أوجه القصور وتحديات القرن المقبل، يدور هذا التحقيق:

يقول د. محمد عمارة: التخلف المادي الذي يخيم على المجتمعات المسلمة هو نتيجة طبيعية للتخلف الفكري، نحن بحاجة ماسة لإيمان عميق وإخلاص كامل مع وعي وبصيرة، ومتى تيسر ذلك يأتي التخطيط الدقيق والعلم النافع والعمل المستمر، وبالتكافل المنشود حينئذ نكسر طوق التخلف الذي يحيط بنا، ولكن، لن يتغير حالنا إلى أن نغير نحن ما بنا: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم»، فالتخلف الصحي هو صورة من التخلف العام، ومكافحته تكون بمكافحة التخلف على مستوياته كافة وفي سائر الميادين، فلن تتحسن السوية الصحية ما لم تتحسن السوية التربوية والغذائية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية في آن واحد معاً.

ويضيف د. عمارة: والجواب على تحدي الواقع هو في التنمية الشاملة، وهي في مفهومنا الإسلامي تستهدف الإنسان أولاً وأخيراً، فهي ليست تنمية غريبة، بل تنمية إسلامية الأسلوب والغاية، فالتنمية الرأسمالية تؤدي إلى مجتمعات استهلاكية فارغة الفؤاد، قلقة النفس، تجعل التكنولوجيا إلهها المعبود، وهي أنانية تعيش بحبوحتها المادية على حساب الآخرين وفقرهم، والتنمية والنمو على كل حال، ليس هدفاً وغاية بل وسيلة لحياة إنسانية أفضل، والتطلع إلى موقف إنساني غير خاضع للتكنولوجيا ليس رجعية ولا انهزامية بل موقف تقدمي وجهد بطولي، كما يقول «رينيه دوبو».

ويؤكد د. عمارة أننا نريد تنمية مدروسة واقعية توضح الأولويات وتبني النتائج على المقدمات، وتتمسك بالعدل بين الناس في المغنم والمغرم، في الإنتاج والتوزيع، نريد تنمية فيها الجميع حكاماً ومحكومين في التخطيط والتنفيذ والمال والجهد، فإقالة المسلمين من عثراتهم واجب على الفرد القادر، بعلمه وماله ووقته، مثلما هي واجب على أولى الأمر، ولا يكفي الطلب إلى أولي الأمر أن يعملوا بينما يقعد غيرهم متفرجين، إذا أفسح مجال العمل. «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون» صدق الله العظيم.

منطقة تجارب

ويوضح د.عبد الحليم عويس المفكر الإسلامي أن من أكبر مظاهر الانهيار في العالم العربي، تغريب المجتمع وفرض مناهج تربوية غريبة عنه تماماً، فقد تبلبلت أساليب التربية الصحيحة، وتم عبر هذا كله تحويل العالم العربي إلى منطقة تجارب للعمليات التغريبية، وإلى منطقة فراغ تتصارع فيها كل المناهج التربوية، والمذاهب الاجتماعية والأفكار الشاذة التي تظهر في بعض حواري وشوارع المجتمع الأوروبي.

ولم يستطع المجتمع العربي أن يرسو على حال صحيح كما أنه لم يهدأ لحظة واحدة من الصراع الذي ينهك قواه ويشل حركته، وكما لم يلتئم العرب تربوياً وفكرياً، فإنهم لم يلتئموا عسكرياً وسياسياً وعقائدياً، وتحولوا إلى شتات مبعثر يوالى بعضهم هذا المنهج أو تلك الفكرة، ويتبع بعضهم الآخر هذه المدرسة أو هذا المنهج.

ويضيف د. عويس: ووسط هذا التيه والحيرة والضياع، توالت على العرب نكبات من كل جانب، ووجد أعداؤهم الحضاريون الفرص سانحة لزرع كل بذور الشقاق بينهم، ولتحويلهم إلى أمم متفرقة بعد أن كانوا أمة واحدة وإلى عقائد وعناصر متصارعة بعد أن كانوا يخضعون لراية واحدة.

ويرى د.عويس أنه يجب أن نؤدي دورنا الحضاري بين الأمم، وذلك من خلال ديننا الإسلامي، فعلى امتداد أربعة عشر قرنا استطاع القرآن أن يخلف تراثاً هائلاً سيطرت روحه على العالم كله ردحاً من الزمن وأعطى الأمة الإسلامية والعربية وقودها الحضاري وفكرها المتميز، فالإسلام سيظل ديناً وارفاً يظلل العالم أجمع.

* مخططات جاهزة

ويؤكد نصر فريد واصل مفتي مصر: أن الإسلام ولد في قلب التحدي من خلال مخططات معدة، وقد أنذر القرآن الكريم المسلمين وحذرهم في أكثر من موضع من أن يأمنوا عدو الله وعدوهم في مواجهة التحديات أو من يتخذوا بطانة من دونهم، وفي أكثر من موقف خلال تاريخهم كان العدو، بسبب مخالفتهم ذلك، قادراً على اقتحام ثغورهم وتدمير قواتهم وتفريق وحدتهم.

ويضيف فضيلة المفتي: إن تصحيح أوضاع المسلمين في العالم الإسلامي اليوم، يدعونا إلى ضرورة العودة إلى العزائم والتماس أسباب التمكين، وامتلاك أدوات التقدم وتصحيح كثير من الأوضاع الاجتماعية التي دفعتهم إليها الحضارة الغربية مثل التطلع إلى المادة والترف والتماس مصادر الحرام والنزوع إلى الإسراف في المتعة المادية، وتجاهل الخطر المحدق الذي يعمل على احتواء المسلمين ومحاصرتهم، والحيلولة دون تمكنهم من امتلاك إرادتهم، وبناء مجتمعهم الرباني.

وتوجيه ثرواتهم نحو بناء قوة اقتصادية إسلامية تكفل لهم استغلال مواردهم، ولا يتأتى هذا إلا بالعمل على إقامة وحدة جامعة بين كل العناصر الإسلامية، فالمسلمون بحاجة إلى تزكية الهوية الإسلامية الجامعة بين الهويات القومية والوطنية داخل دائرتها الكبرى حتى لا يجد خصوم الإسلام ثغرة ينفذون منها وليأخذوا من التاريخ الطويل عبرة وعظة.

* تخلف اقتصادي

«ثمة فارق شاسع بين تخلفنا كمسلمين وبين الإسلام، نحن لا نقول إن الإسلام متخلف، وإنما نحن المسلمون، والسبب بعدنا عن الإسلام»، هكذا تحدث د. عبدالحميد الغزالي أستاذ الاقتصاد الإسلامي.

وقال: إن ظاهرة التخلف الاقتصادي واقعية ومسلم بها على المستويين العلمي والعملي، ونقصد بالتخلف الاقتصادي حالة الانخفاض النسبي في مستوى النشاط الاقتصادي للمجتمع الذي يعاني من هذه الظاهرة، وكلمة نسبي تعني بالنسبة لما يحققه المجتمع إذا ما استخدم موارده استخداماً كفؤاً.

وبالنسبة إلى الدول المسماة بالمتقدمة اقتصاديا نرمز إليها بالفقر الاقتصادي النسبي، ونعبر عنها كمياً بمعايير عدة منها متوسط نصيب الفرد الحقيقي من الناتج أي بعد استبعاد أثر الأسعار، فهذا المتوسط شديد الانخفاض نسبيا إذا ما قورن بالدول المسماة بالمتقدمة اقتصادياً.

والاستثناء لهذه القاعدة أو هذا المقياس النقدي هي الدول النفطية، وهنا نستخدم معايير أخرى تكمل المعيار مثل درجة التعقيد الصناعي أي مدى مساهمة قطاع الصناعة التمويلية في الناتج الكلى.

ويرى د. الغزالي أن المخرج من حالة التخلف لدينا يستدعي بالضرورة تعريف التخلف الاقتصادي من منظور الاقتصاد الإسلامي، ومن هنا فالاقتصاد الإسلامي هو اقتصاد سياسي يعني تزاوج السياسة مع الاقتصاد، ويوضح أستاذ الاقتصاد أن لدينا طاقات بشرية متنوعة، ولدينا موارد مالية كبيرة لابد من استغلالها لصالح الأمة الإسلامية.

تراث وتفاعل ويقول د. أحمد كمال أبو المجد المفكر الإسلامي: ترسبت بعض العادات والتقاليد ليتصور البعض من أنها من الإسلام، لذا وجب التصدي لها وتوعية المسلمين بضرورة التخلص منها حتى يتحقق الوعي والفهم السليم للدين، وينهض الإنسان المسلم ليقوم بعمله المنوط به سواء كان غنياً أو فقيراً.

إن الآفة الكبرى التي تواجه هذه الأمة هو أنها تردد تراثها من دون أن تتفاعل معه، حيث إن الحديث عن الإسلام في كثير من الأحيان يكون بعيداً عن واقع الناس وحياتهم مما جعل أمتنا كثيرة الهموم متعددة المشاكل تحيط بها قوى كثيرة وأصبح من الضروري أن تكون لهذه الأمة وقفة مسؤولة من الحاضر والمستقبل.

ويضيف د. أبو المجد: إن بناء الإنسان باعتباره الركيزة الأساسية التي تقوم عليها نهضة أبناء الأمة الإسلامية، واستعادة هذه المكانة تتطلب أن تكون هناك مشاريع للتنمية الشاملة لمواجهة الأزمات والتحديات وتحقيق المكانة المرموقة للأمة الإسلامية.

فإذا أردنا بناء الإنسان المسلم فلابد أن تكون لدينا قناعات بأن البناء يتوجب أن ينطلق من المبادئ الإسلامية الصحيحة التي تدعو إلى ضرورة الانتماء للأمة، والابتعاد عن الأنانية والإيثار النفسي كما ينبغي تربية الإنسان المسلم على قواعد الإيمان لأن الفرد المسلم صحيح الإيمان هو الذي يشغل نفسه بهموم الأمة، ولا تشغله خاصة نفسه عن هموم أمته.

ويؤكد د. أبو المجد على ضرورة أن تكون نظرتنا للمستقبل واضحة، فتأكيد هويتنا الإسلامية لا يقف على طريق الشعارات بل طريق تنفيذ المبادئ والالتزام بها.

أعظم رسالة وحول التوازن المنشود بين المادية والروحية في هذه الأمة يقول د. يوسف القرضاوي: إن الأمة الإسلامية تمتلك أعظم رسالة في الوجود، الرسالة التي تستطيع إنقاذ العالم من المادية التي غرق فيها وهي التي تستطيع أن تحقق رسالة التوازن بين المادية والروحية التي تصل الأرض بالسماء وتمزج الروح بالمادة، وتجمع بين الدنيا والآخرة، وتوفق بين العقل والقلب وتوازن حريةالفرد ومصلحة المجتمع.

ويشير العالم الإسلامي د. يوسف القرضاوي إلى أن رسالة التوازن هذه لا يملكها إلا نحن وحدنا نملك الوثيقة الإلهية والسماوية غير المحرفة وهي القرآن الكريم، عندنا القوة الروحية، والقوة المادية، والقوة البشرية، ونستطيع أن نكون شيئا إذا استفدنا من هذه القوي وإذا أردنا أن نستفيد فعلينا أن نعزم وأن نصمم وهذا لا يكون إلا بمزيد من التثقيف والتوعية والتوجيه حتى تقوى عزيمة الأمة.

ويرى د. القرضاوي أنه لا يمكن الخروج من حالة التخلف إذا دخلنا كما نحن متفرقون وكل دولة تفكر بمفردها كأنها بمعزل عن العالم، وإذا استمر ولاة الأمور في التضييق على العقول المبتكرة، وإذا أبقينا على أنظمتنا التعليمية التي تخرج موظفين حفظوا المناهج ولم يفهموها، وإذا تركنا العقول الإسلامية المهاجرة ينتفع بها الغرب، ولا ننتفع بها نحن فسوف نظل في دائرة التخلف إلى ما شاء الله، ولن نخرج من هذا الأسر.

وإذا صدق العزم على الخروج من حالة التخلف الذي تعيش فيه أمتنا، فالسبيل واضح ومطلوب النية الصادقة ثم البدء في تحقيق النهضة العلمية، ونحن نستطيع استعادة أمجاد أمتنا فلدينا الإمكانيات والقدرة.

أمتنا مازالت تملك إمكانية الريادة، والتفوق عندنا القوة البشرية، المسلمون في العالم ألف وثلاثمئة مليون والعالم الإسلامي يملك من الثروات والموارد الطبيعية ما يعينه على تحقيق النهضة العلمية، وللأسف كثير من الناس يعتبر أن القوة البشرية نكبة وأوهمنا اليهود والصليبيون بذلك، وأقنعونا بضرورة تحديد النسل لأن كثرة الأولاد مصيبة، لقد ثبت كذب هذا الكلام، فمثلاً الصين تعدادها كبير جداً إلا أنها استطاعت تحقيق نهضة اقتصادية تكنولوجية تغزو بها العالم الآن.

ويخلص د. القرضاوي إلى أن عالمنا الإسلامي مليء بالإمكانيات المادية والبشرية التي لو أحسن استغلالها لأمكننا تحقيق نهضة علمية صناعية وأمكننا الخروج من حال التخلف والدخول إلى القرن المقبل مزودين بنور العلم والإيمان.

القاهرة ـ وكالة الصحافة العربية