طرحت طهران أمس صفقة لاحتواء الضغط بابداء استعدادها لاستئناف السماح بعمليات التفتيش المفاجئة إذا اسقط مجلس الأمن الدولي ملفها النووي وأعاده إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية فى فيينا.

في الوقت ذاته أكد وزير الخارجية التركي عبدالله غول رفض أنقرة السماح للقوات الأميركية باستخدام قاعدة انجرليك التركية لتوجيه ضربات الى ايران، رغم إغراء بلاده بمفاعل نووي، لكنه شكك في إقدام الولايات المتحدة على اعتماد الخيار العسكري لما تمتلكه طهران من أوراق استراتيجية، فضلا عن قرب الانتخابات الاميركية، التي رجح في مقابلة مع «البيان» خسارة الحزب الجمهوري فيها، وفوز تيار معارض للحروب.

وقال غول إن الجهود الأميركية لمحاصرة وربما لضرب إيران عسكرياً هي وهم، وان موقف الحكومة التركية الرافض لاستعمال أراضيها أو المشاركة في أي عملية عسكرية لدول الجوار موقف استراتيجي.

وعن سبب التوتر في العلاقات بين أنقرة وواشنطن، قال غول إن «هذه العلاقات لم تعرف يوماً استقراراً جيداً وتحديداً منذ وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة.

وما شكله من انفتاح مع دول الجوار، والتوتر المقصود له وجوه وأسباب عدة منها الافتراق في الموقف مع الإدارة الأميركية حول تواجد مسلحي حزب العمال الكردستاني في شمال العراق والمناورات الأميركية التي ترفض التعرض لهؤلاء والإخلال بوعودها في حل لمشكلة هؤلاء المسلحين.

والتسبب في تصاعد الاضطرابات في جنوب شرق البلاد والتصريحات المتتالية لمسؤولين أميركيين التي تصف فيها الأحداث في هذه المناطق بأنها مجرد نزاع اجتماعي، إضافة إلى دعمها الكامل للأكراد في محاولة إنشاء ما يسمى دولة كردية مستقلة لهم.

وأوضح غول إن موقف تركيا الداعم للقضية الفلسطينية وموقفها الأخير من وصول حركة حماس إلى السلطة الفلسطينية واستقبالها وفداً منها برئاسة خالد مشعل، لم يقابل بارتياح في واشنطن».

وردا على سؤال عما إذا كانت الأزمة الإيرانية تأخذ حيزاً مهماً من هذا التوتر، قال الوزير التركي « نعم، لأننا نرفض المشاركة كما ذكرت رغم كل المغريات الأميركية والإسرائيلية ولن نسمح باستخدام أراضينا ولا القواعد العسكرية.

ولا سيما قاعدة انجرليك منطلقاً لشن هجوم على إيران، ألم تقرأ السيناريوهات الأميركية والإسرائيلية التي يتم تسريبها عبر وسائل الإعلام في الغرب من إن الإدارة الأميركية تلحظ أهمية مركزية في مثل هذه الضربات لقاعدة انجرليك بشكل خاص ولتركيا بشكل عام بالنسبة لعدوانها المفترض على إيران، وهنا لا بد من التذكير إن احتلال العراق تم من دون أي مشاركة من قبلنا.

إلا إن الضغط الأميركي - الإسرائيلي يهدف إلى رؤية تركيا إلى جانب تل أبيب وواشنطن ولو سياسياً في الصراع مع إيران، أي ان الإدارة الأميركية تريدنا ان نسلك سياسة خارجية واضحة كجزء تابع من المعسكر الغربي بشقيه الأوروبي وحلف شمال الأطلسي».

وأضاف « لكننا لن نفعل رغم كل المغريات التي تعرض علينا ومنها إغراؤنا بإنشاء مفاعل نووي تركي لمواجهة إيران، ولن نسمح بأن نكون نموذجاً مماثلاً كالهند وباكستان».

وبشأن رؤيته لآفاق حل النزاع الخاص بالملف النووي الإيراني وان كانت تتضمن السيناريو العسكري رأى «إن أي ضربة عسكرية لإيران هي مغامرة مجهولة النتائج، أتوقع ان التصعيد الحاصل في المرحلة الراهنة سيتوقف عند نقطة معينة ولن يصل إلى حالة الحرب، وبخاصة انه لا يوجد أي دليل على إنتاج إيران أسلحة نووية، وكلها مجرد مخاوف كما حصل في العراق».

وعن محاذير الخيار العسكري، قال غول « هناك عوائق عدة تمنع حصول هذه الضربة، كقدرة إيران على ردع أي محاولة عسكرية واحتمالات ضربها لأهداف أميركية في منطقة الخليج وصولاً إلى تل أبيب وامتلاكها أوراقا استراتيجية في المنطقة كوجودها المعنوي والعسكري والمخابراتي في العراق وقوة حزب الله اللبناني على حدود إسرائيل الشمالية.

إضافة إلى سيطرة إيران على مضيق هرمز الحيوي وبالتالي إمكانية إغلاق الخليج العربي وتهديد مسارات النفط من الخليج إلى الغرب، وميدانياً صعوبة ضرب كل المنشآت الإيرانية بسبب توزيعها في مناطق مختلفة وهي حسب علمنا نحو 165 مركزاً للأبحاث.

إضافة إلى التعاون الاستراتيجي مع كل من روسيا والصين ودعم هاتين الدولتين لها واستمرارهما في المحاولة لحل هذه المسألة بالطرق الدبلوماسية ونبذ فكرة الحرب والعدوان، إضافة إلى تصريح الرئيس الفرنسي جاك شيراك خلال زيارته الأخيرة إلى مصر .

والذي قال فيه إن بلاده تدعو إلى لغة الحوار الهادئ في هذه المسألة، كل هذه المعطيات تؤشر لنا إن الحرب لن تقع وبرأينا إن من يحاول حتى التفكير فيها فإنه سيقدم على مغامرة مجهولة النتائج على الجميع والأمر ليس نزهة كما يعتقد البعض».

وأوضح الوزير التركي ما وراء موقف أنقرة غير القلق من الحل العسكري للازمة بالقول «من أسباب ارتياحنا اقتراب موعد الانتخابات في الكونغرس الأميركي في نوفمبر المقبل، وأتوقع خسارة الجمهوريين والمحافظين الجدد وصعود رافضي الحروب الأميركية في العالم، إضافة إلى أن الضغوط كثيفة مالياً وسياسياً على الإدارة الأميركية.

وعدم وجود دافع المنافسة الانتخابية لدى الرئيس جورج بوش، فضلاً عن ان خوض أي حرب أخرى قد يشعل المنطقة بكاملها ويهدد باستعمال أسلحة نووية تكتيكية للمرة الأولى في حالة رد الفعل الإيراني العنيف على أي قصف لمنشآتها بما يهدد إسرائيل والولايات المتحدة».

وفي طهران قال نائب رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية محمد سعيدي إن إيران ستقدم للوكالة الدولية للطاقة الذرية خلال الأسابيع الثلاثة المقبلة خطة جديدة لتسوية النزاع حول ملفها النووي.

وأضاف سعيدي في لقاء مع شبكة «خبر» الإخبارية أن الشرط الرئيسي لبدء الخطة الجديدة سيكون إبقاء الملف النووي الإيراني داخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية دون إحالته إلى مجلس الأمن الدولي.

وأوضح سعيدي أن الخطة ستنص على أن تستأنف إيران طوعاً تنفيذ البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية وتجدد عمليات التفتيش المفاجئة للمنشآت النووية الإيرانية ولكن مع مواصلة إيران لبرنامج تخصيب اليورانيوم من أجل أغراض بحثية.

من جانبه قال الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في بيان أن بلاده لن تتخلى «أبدا» عن برنامجها النووي، وأضاف في بيان تلقت وكالة فرانس برس نسخة منه أن الجمهورية الإسلامية «لن تتفاوض مع أحد حول حقها المطلق في استخدام التكنولوجيا النووية السلمية، هذا خط أحمر ولن نتخلى عنه أبدا» وشدد على أن بلاده تمنح مجلس الأمن فرصة للدفاع عن نفسه ومصداقيته وسمعته ضد الهيمنة الأميركية الغربية.

وفي موسكو طلب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أمس من نظيره الإيراني منوشهر متقي تعليق أنشطة تخصيب اليورانيوم وضمان تعاون كامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وقال لافروف في بيان «أكد الجانب الروسي مجدداً على أن هناك حاجة ملحة لأن تتخذ إيران خطوات ملموسة لاستعادة الثقة في برنامجها النووي». (وكالات)

أنقرة ـ محمد الشامي والوكالات