تواصلت الضغوط الدولية لنزع الصلاحيات المالية والأمنية عن الحكومة الفلسطينية بقيادة حركة «حماس»، ومنحها لسلطة دولية أو لمؤسسة الرئاسة الفلسطينية، حيث اقترح الرئيس الفرنسي جاك شيراك إنشاء صندوق يشرف عليه البنك الدولي لدفع رواتب الموظفين الفلسطينيين، ويوازي ذلك مسعى أميركي أوروبي لتوسيع صلاحيات الحرس الرئاسي ومنحه مهمات أمنية تشرف عليها الحكومة.
فيما كشفت الخطوط العريضة لبرنامج الحكومة الإسرائيلية المقبلة برئاسة إيهود أولمرت، عن إصراره على تنفيذ «خطة التجميع» لترسيم حدود إسرائيل الدائمة بشكل أحادي، لكن مقربين من أولمرت أكدوا على أنه سيتجه إلى تقليص الخطة، نظراً لعدم حصوله على الدعم الدولي.
إلى ذلك أعلن الرئيس الفرنسي أمس عن أن فرنسا ستقترح قريباً جداً على شركائها الدوليين إنشاء «صندوق ائتماني» يديره البنك الدولي لدفع رواتب الموظفين الفلسطينيين البالغ عددهم نحو 160 ألفاً، حسبما أعلنت الرئاسة الفرنسية. وبحث شيراك في هذا الاقتراح مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس «أبومازن » أمس.
وسيتقدم شيراك بهذا الاقتراح في إطار اجتماع اللجنة الرباعية الدولية في التاسع من مايو المقبل، بحسب ما أعلن الناطق باسم الرئاسة جيروم بونافون الذي أشار إلى أن اللقاء تناول بصورة خاصة مسألة المساعدات للفلسطينيين.
من جهته قال أبومازن: «درسنا سبل تقديم المساعدات واقترح الرئيس شيراك آلية البنك الدولي التي سيناقشها مع شركائه داخل اللجنة الرباعية الدولية وفي أوروبا». وأضاف «نأمل التوصل الى حلول سريعة لأن الوضع حرج ». وتابع «نريد آلية قانونية وفاعلة يمكن تطبيقها سريعاً قبل أن تتدهور الأوضاع أكثر».
وسيكون باستطاعة الرئيس الفلسطيني الوصول الى هذا الصندوق، لكنه ليس في وارد الحلول محل وزارة المال التي ستواصل عملية دفع الرواتب بفضل المساعدات كما أفاد عضو في الوفد الفلسطيني. وقال الناطق باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة «هذا الأمر يتطلب موافقة الدول المانحة، وخصوصا اللجنة الرباعية الدولية».
ورفضت حكومة حماس تجاوزها في عملية دفع الرواتب. وصرح وزير المالية الفلسطيني عمر عبد الرازق لوكالة« فرانس برس» في رام الله : «ليس لدينا من حيث المبدأ مشكلة في إنشاء هذا الصندوق، إنما يجب الحفاظ على صلاحيات وزارة المالية في اتخاذ الإجراءات المالية ومراقبتها».
أما الناطق باسم الحكومة غازي حمد فقال «يجب دفع الرواتب بالتنسيق مع الحكومة.. لا نريد ظهور حكومة موازية ».وأضاف أن «وظيفة الحكومة تتمثل في دفع الرواتب لكن بعض الدول تسعى الى منعها من القيام بذلك من خلال إنشاء صناديق »، متهما «بعض الدول بالعمل من وراء ظهر حكومة حماس، من دون أن يسميها».
وبموازاة ذلك، كشفت مصادر غربية عن أن الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي تسعي الى تعزيز ودعم نفوذ الحرس الرئاسي الموالي للرئيس محمود عباس ، لكن هذا التحرك يثير توترات مع حركة حماس وأجهزة أمنية أخرى.
وقال دبلوماسي غربي مشارك في مشاورات غربية : «هناك تحول.. فبعد
أعوام من تعزيز ما يسمى بجهاز الأمن الوقائي تحولت الولايات المتحدة وأوروبا إلى دعم الحرس الرئاسي ».
وخلافا للحرس الرئاسي الذي يخضع فقط لسيطرة أبومازن فإن جهاز الأمن
الوقائي يتبع وزارة الداخلية بقيادة حماس التي ترفض واشنطن التعامل معها.
ويقول دبلوماسيون أوروبيون وأميركيون انه يتعين أن يقود الحرس الرئاسي حراسة جميع المعابر في غزة وأن يتولى في نهاية المطاف الأمن عند جسر الملك حسين الذي يربط بين الضفة الغربية والأردن.
وذكر مسؤولون أن لجنة الوساطة الرباعية، المؤلفة من الولايات
المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وروسيا تبحث في تقديم تمويل لتوسيع الحرس الرئاسي المؤلف من 2500 فرد.
وفي إطار اقتراح مبدئي سيضيف الحرس الى أفراده بين 500 وألف فرد
ويستخدم التمويل الغربي لإجراء التدريبات وشراء المعدات.
وقال مسؤول أميركي مشارك في المحادثات: يريدون تعزيز القوات تحت قيادة أبومازن .وذكر مصدر آخر مطلع على المشاورات الأميركية أن الهدف هو تشكيل قوة يعتد بها لمحاربة الإرهاب في حال امتناع حماس عن ذلك وفي حال زاد عدد أفراد الحرس الرئاسي الى 3500 فإنه سيضاهي في الحجم قوة شرطة جديدة تشكلها «حماس».
ووصف مسؤول أوروبي الاهتمام الغربي المتزايد بالحرس الرئاسي بأنه زواج مصلحة.
إسرائيلياً، قال مسؤولان كبيران في حزب كاديما الذي يتزعمه أولمرت لصحيفة «معاريف » الإسرائيلية أمس إن«أولمرت سيضطر إلى تنفيذ خطة تجميع مقلصة». وأضافت الصحيفة أن المسؤولين هما من بين أعضاء الكنيست العشرة الأوائل في قائمة كاديما ومؤيدان لأولمرت وأحدهما يحمل أفكاراً سياسية معتدلة .
وعلل المسؤولان عدم تمكن أولمرت من تنفيذ «خطة التجميع» بالقول إنه «مع 29 عضو كنيست لحزب كاديما.
وفيما الجانب الآخر تحكمه حماس والدعم الدولي غير مؤكد فإن الاحتمال الأكبر أن يضطر أولمرت إلى التراجع عن أجزاء كبيرة من الخطة».
وأضافا أنه «في وضع كهذا سيواجه أولمرت صعوبة في إقناع الإدارة الأميركية بالاعتراف بالحدود الجديدة على أنها حدود دائمة وسيواجه صعوبة أكبر مقابل أوروبا، ولذلك سيضطر إلى التراجع والاكتفاء بإخلاء مقلص لمستوطنات صغيرة ومعزولة تتواجد خارج الجدار من أجل تقليص المدى والتخفيف من الجهود الأمنية».
الى ذلك ذكرت «معاريف» أيضًا أنه بموجب الاتفاق الائتلافي بين حزبي العمل وكاديما الذي تم توقيعه أول من أمس، فسوف تلتزم الحكومة الإسرائيلية المقبلة « بتقليص الاستيطان في الضفة الغربية»، إثر الانسحاب الأحادي الجانب من قطاع غزة في الصيف الماضي.
وبحسب البرنامج الذي يحدد الخطوط الكبرى للحكومة المقبلة فإن «الحكومة ستسعى الى تحديد الحدود النهائية لدولة إسرائيل كدولة ديمقراطية ذات غالبية يهودية». وأضاف البرنامج أنه لتحقيق هذا الهدف «لا بد من تقليص مساحة المستوطنات في «يهودا والسامرة» أي الضفة الغربية.
وكررت الوثيقة نية إسرائيل التوصل الى «اتفاق تفاوضي مع الفلسطينيين، على قاعدة الاعتراف المتبادل والاتفاقات الموقعة سابقاً ووقف العنف ونزع سلاح المجموعات الإرهابية». وأضاف النص أنه في حال «لم يعمل الفلسطينيون في هذا الاتجاه مستقبلاً» فان الحكومة «ستتحرك من دون التفاوض معهم»، في إشارة إلى خطة أولمرت.
وعلى الصعيد الأمني، عبرت الحكومة عن تصميمها على «محاربة الإرهاب في كل مكان ومن دون هوادة»، ملتزمة « بانجاز بناء جدار الفصل في الضفة الغربية الذي يثير جدلاً واسعاً »في أقرب وقت.
القدس ـ «البيان» والوكالات:
