قدم مدير الوكالة الدولية للطاقة النووية محمد البرادعي إلى مجلس الأمن أمس تقريره عن الوضع النووي الإيراني والذي حمل في طيات صفحاته الثماني احتمالات تصعيد، بتأكيده أن إيران لم تلتزم بالمهلة النهائية لوقف نشاطاتها لتخصيب اليورانيوم.
ولم تتعاون بشكل تام مع المفتشين الدوليين الذين حاولوا معرفة ما إذا كان برنامجها النووي لأغراض سلمية أو يهدف إلى إنتاج أسلحة، مع الإشارة إلى أنها تحدت المهلة التي منحها إياها مجلس الأمن وخصبت اليورانيوم إلى مستويات تشغيل مفاعلات الطاقة، مع تضمين التقرير مفاجأة بعدم استبعاده أن تكون إيران تمكنت من الحصول على بلوتونيوم من الخارج.
وبالتزامن مع التقرير عبرالرئيس الأميركي جورج بوش عن رغبته في حل الأزمة «دبلوماسياً وسلمياً»، رغم أنه لم يستبعد القوة في وقت سابق، رغم مشاورات تجري في مجلس الأمن لإعداد مشروع قرار جديد قد تستند سطوره إلى البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يجيز فرض عقوبات أو استخدام القوة. فيما هددت طهران بقطع العلاقات مع وكالة الطاقة الذرية ورفضت مضمون التقرير قبل صدوره لكنها اعتبرته بعد صدوره «غير سلبي».
وجاء في تقرير البرادعي أن إيران لم تتعاون بشكل كامل مع مفتشي الوكالة للتأكد من أن لا أهداف عسكرية لبرنامجها النووي، وأن التقرير لم يستبعد أن تكون إيران تلقت كمية من البلوتونيوم من الخارج.
وقال البرادعي في تقريره إنه لم يحدث تقدم كبير منذ التقييم السابق الذي قدمه «ولا تزال هناك ثغرات في معلومات الوكالة بشأن حجم ومحتوى برنامج إيران لأجهزة الطرد المركزي» مع تجاهل إيران مطالب مجلس الأمن بتعليق تخصيب اليورانيوم.
وتابع التقرير، الذي يأتي عقب مهلة استمرت 30 يوماً منحها مجلس الأمن إلى إيران للوفاء بمطالب الأمم المتحدة، أن الوكالة الذرية وجدت أن إيران لم تبذل جهداً يذكر للرد على الأسئلة المتعلقة بنواياها الخاصة بتخصيب اليورانيوم، وإن جاء في التقرير أن إيران عرضت وضع جدول زمني للتعاون مع المفتشين الدوليين إذا ما أشرفت الوكالة وليس مجلس الأمن على التزام إيران بالمطالب الدولية.
ويفيد التقرير أن إيران تجاهلت دعوة مجلس الأمن لتعليق كل عمليات تخصيب الوقود النووي وأنها أسرعت بالبرنامج، وأشار إلى أن اختبارات المفتشين والعينات التي أخذت في 13 إبريل الجاري من منشأة «نطنز» تؤكد ما أعلنته القيادة الإيرانية بشأن تخصيب اليورانيوم بسلسلة تضم 164 من أجهزة الطرد المركزي إلى المستوى المنخفض اللازم لتشغيل مفاعلات نووية لتوليد الطاقة.
ومع عدم استبعاد تقرير الوكالة أن تكون إيران قد تمكنت من الحصول على بلوتونيوم من الخارج ، كشفت أن إيران عرضت وضع جدول زمني للتعاون خلال ثلاثة أسابيع إذا ما بقي الملف الإيراني بأكمله في إطار الوكالة الدولية وتحت قوانينها.
وبعد قليل من تسرب محتويات التقرير، قال الرئيس جورج بوش إنه يريد حل المسألة النووية الإيرانية دبلوماسياً وسلمياً.
وأضاف في مؤتمر صحافي، عقده بعد محادثات مع الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، الذي تجاور بلاده إيران: «أكدت وطمأنت الرئيس إلهام على رغبتي في حل هذه المشكلة دبلوماسياً وسلمياً». وتابع أن المجتمع الدولي يريد إقناع إيران سلمياً بالتخلي عن طموحاتها النووية، لكنه شدد على أن تعنت الحكومة الإيرانية غير مقبول.
وقال إنه سيواصل التشاور مع الحلفاء بشأن المسألة حيال كيفية الإبقاء على جبهة موحدة من كل العالم لإقناع طهران بوجود رغبة دولية لوقف برنامجها.
وأكد على أن «رغبة إيران بامتلاك أسلحة نووية خطيرة» إلا إن الجهود الدبلوماسية ستبذل لإيجاد حل، وقال إنه «من الأهمية بمكان بالنسبة للإيرانيين أن يفهموا أن هناك رغبة مشتركة لدى كثير من الدول في هذا العالم لإقناعهم .. إقناعهم سلمياً.. بأنه يتعين عليهم التخلي عن طموحاتهم المتعلقة بالأسلحة.. العملية الدبلوماسية بدأت للتو».
ولم يعرف ما إذا كان بوش قد اطلع على مضمون تقرير البرادعي قبل مؤتمره الصحافي، وعلى عكس نبرة بوش، كان موقف مندوب الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة جون بولتون الذي قال إنه من الواضح من تقرير الوكالة الذرية أن إيران لم تفعل شيئا للامتثال لمطالب مجلس الأمن، ما يعني ضرورة تفعيل المادة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة، مضيفاً أن واشنطن مستعدة للسعي للحصول على موافقة مجلس الأمن على قرار يجعل تلك المطالب إلزامية.
أما بريطانيا، فقالت على لسان وزير خارجيتها جاك سترو، إنها ستطلب من مجلس الأمن زيادة الضغوط على إيران، وجاء في بيان للخارجية البريطانية أن لندن ستطلب «من مجلس الأمن زيادة الضغوط حتى يتأكد المجتمع الدولي من أن برنامج إيراني النووي لا يمثل تهديداً للسلم والأمن».
وبينما اعتبر سترو أن «من الخطير جداً أن يفشل النظام الإيراني وبشكل كامل في التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومجلس الأمن الدولي والذي كان من المفترض أن يتحرك بشكل عاجل لاستعادة الثقة الدولية حول نواياه النووية عن طريق استئناف التعليق الكامل لنشاطاته المتعلقة بتخصيب اليورانيوم وتنفيذ بنود البروتوكول الإضافي».
أعلن السفير البريطاني لدى
الأمم المتحدة ايمير جونز بارى أن مفاوضات تدور بين ثلاث دول أوروبية (بريطانيا وألمانيا وفرنسا والتي تمثل الترويكا الأوروبية) حول صياغة مشروع قرار للرد على الرفض الإيراني لمطالب مجلس الأمن. وقال إن مشروع القرار سيكون جاهزاً خلال أيام من أجل بحثه في مجلس الأمن، ولكن لم يعرف إن كان سيصدر وفقاً لبنود الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وهو الفصل الذي يسمح باستخدام القوة العسكرية لدعم إرادة المجتمع الدولي.
وفي باريس، اعتبر وزير الخارجية الفرنسي فيليب دوست بلازي أن الوضع «مقلق» بعد إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية عدم تعاون إيران بشأن ملفها النووي، إلا أنه اعتبر أن «باب التفاوض لم يغلق».
أما موسكو فأعلنت عبر نائب وزير الخارجية سيرغي كيسلياك أنها ستقوم بدرس تقرير الوكالة الذرية بـ «تأنٍ» قبل أن تعلن موقفها منه. وأضاف أنه «من المبكر في الوقت الحاضر التعليق على التقرير، إنه وثيقة جدية جداً».
ومن جانبها، قالت الصين، التي ترأس مجلس الأمن لهذا الشهر، «إن كل أعضاء مجلس الأمن تقريبا يريدون حلاً دبلوماسياً.
وردا على سؤال حول ما إذا كانت بلاده تؤيد فرض عقوبات على إيران قال السفير الصيني لدى المنظمة الدولية وانغ جوانجيا هناك مشاكل كثيرة في المنطقة ولا يجب أن نفعل أي شيء من شأنه أن يزيد الوضع تعقيداً».
وبعد التقرير، اعتبرت إيران، على لسان نائب رئيس وكالة الطاقة الذرية الإيرانية محمد سعيدي، أن تقرير البرادعي «لا يحتوي على أي نقاط سلبية» وشددت على أن الملف النووي يجب الا يعالج في مجلس الأمن الدولي.
وصرح سعيدي للتلفزيون الرسمي «ان التقرير بأكمله لا يحتوي على نقاط سلبية».
وأضاف «ان هذا يظهر ان الوكالة الدولية للطاقة الذرية لديها القدرة على دراسة القضية الإيرانية. ان الطريق الآخر الذي ترغب دول أخرى في سلوكه بهدف دراسة القضية في مكان آخر، هو طريق سيئ» في إشارة إلى مجلس الأمن.
وقبل صدور التقرير رأى الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في التقرير محاولة لحرمان بلاده من حقها في الطاقة النووية موجهاً تهديداً مبطناً آخر بقطع العلاقات مع وكالة الطاقة الذرية، وهدد بـ «تغيير كامل لطريقته في التعاون».
ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية عنه قوله في خطاب ألقاه في إحدى المحافظات الإيرانية: «نحن لا نزال راغبين في العمل في إطار الوكالة، والحرص على قواعد عملها. إلا أنه في حال استخدام هذه القواعد ضدنا، مع انه من المفترض أن تضمن حقوقنا، فإننا عندها سنغير بشكل كامل طريقة تعاوننا»، مشدداً على أن «هؤلاء الذين يريدون حرمان الإيرانيين من الحصول على حقهم عليهم أن يدركوا أننا لا نأبه بمثل هذه القرارات».
وقال إن «الأعداء يعتقدون انه بتهديدنا وشن حرب نفسية أو فرض حظر يمكنهم إثناء أمتنا عن الحصول على التكنولوجيا النووية... تتمسك الأمة الإيرانية بحقها في التكنولوجيا النووية السلمية. لن نتراجع قيد أنملة».