شدد خبراء و اختصاصيون نفسيون واجتماعيون على مدى الخطورة التي تخلفها ظاهرة الزواج من الأجنبيات (الظاهرة القديمة الجديدة) على أفراد المجتمع بصورة عامة وأثرها السلبي على الأولاد بخاصة .
حيث يعانون من العزلة وعدم الرغبة بالتواصل مع أقرانهم من أبناء المواطنين والمواطنات لشعورهم بأنهم أقل منهم درجة واتجاههم نحو العزلة والميل للتواصل مع أمثالهم من أبناء غير المواطنات.
ولكنهم أشاروا إلى أن هذه الظاهرة تتراجع بنسبة ملحوظة بعد توجه المواطنين الكبير للزواج من مواطنات وهذا ما أشارت إليه إحصائيات لدراسات أعدتها مراكز التنمية الأسرية بالشارقة.
نماذج حية
ومن خلال المدارس البيئة الحية التي تظهر فيها مثل هذه الاختلافات حيث يمتزج الطلاب بعاداتهم وتقاليدهم مع بعضهم البعض وتبرز عندها الاختلافات لتظهر المشكلات النفسية التي تواجه هذه الفئة.
والتي عبر عنها التربويون بأنها تتلخص في الانعزال وضعف اللغة، ومن هذه النماذج مشكلة طالب في الصف الثالث الابتدائي منعزل في المدرسة ولا يلعب مع زملائه ولا يتحاور معهم رغم أنه متميز دراسياً ومهذب .
وذو أخلاق عالية ولم يكن يتكلم عن السبب الذي يدفعه إلى الابتعاد عن زملائه إلى أن أحضر إلى الموجهة النفسية والتربوية هناك والتي حاولت الدخول إلى أعماقه لتعرف عندها بأنه في العام السابق كان زملاؤه ينادونه بابن (البشكارة) أي الخادمة كون أمه من الجنسية الإندونيسية ما خلق عنده ردة فعل نفسية قاسية دفعته إلى اعتزال المجتمع المدرسي والطلاب حتى لا يشعر بالإهانة.
نموذج آخر ينطق عن هذه الحالة وهو نموذج الطالب الذي يتفوق بمواد على حساب أخرى وهذا ما حصل مع أحد طلاب المدارس الحكومية فتحصيله العلمي في مواد الرياضيات والفيزياء وغيرها من المواد العلمية كان مرتفعاً إلا ان تحصيله في مادتي اللغة العربية والتربية الإسلامية كان ضعيفاً ووجهت إليه ملاحظات كثيرة .
ولم يتحسن تحصيله الدراسي في هاتين المادتين ، حتى ان البعض توقع إصابته بمرض ذهني يؤثر على إدراكه وفهمه لهاتين المادتين وكان السبب في النهاية هو أن والدته من دولة آسيوية ولا تستطيع تعليمه اللغة العربية والتربية الإسلامية.
ومن النماذج الغريبة أيضاً قصة الفتاة المواطنة من أم سويدية دخلت مدرسة حكومية لتتعلم اللغة العربية والمواد الإسلامية بعد مدة من دراستها في المدارس الخاصة .
وعندها بدأت مشكلات التعلم والتأقلم مع الجو الجديد الذي فرض عليها حيث ان عاداتها ولغتها تختلف عما يقدم لها في هذه المدرسة، وبدأت صعوبات تعلمها والمشكلات مع زميلاتها .
بالإضافة إلى عدم استيعاب اللغة التي يتم من خلالها التحاور مع زميلاتها ما تطلب جهداً خاصاً من معلمات المدرسة لتحسين حال هذه الطالبة ودفعها للتأقلم مع الجو المدرسي الذي وضعت فيه.
ظاهرة تتلاشى
وعن هذه الظاهرة وآثارها تقول فاطمة سجواني الاختصاصية النفسية والتربوية في منطقة الشارقة التعليمية إن الزواج يجب أن يبنى من أساسه على علاقة مقدسة أبدية وبالتالي فإن اختيار الزوج والزوجة لابد أن يكون وفق أسس ومعايير سليمة مئة في المئة وهذا يتوافق مع تعاليم الدين الإسلامي التي تنظم جميع جوانب حياتنا.
وأشارت إلى أن الزوجة الغريبة عن مجتمع الإمارات سوف تأتي بتقاليد وعادات مختلفة مهما حاولت بالإضافة إلى الاختلافات في موضوعات اللغة والديانة لأنها قد تنتمي إلى ديانة أخرى غير الإسلام .
وعندها تظهر مشكلات أكثر وبأنواع مختلفة لا تظهر عادة في فترة الزواج الأولى إلا أنها تظهر في السنوات اللاحقة حيث تبدأ تتجلى الاختلافات بين الزوجين بصورة أكبر.
وقالت :إن هذه المشكلة تظهر بصورة كبيرة عند انتقال الزوجة من بلدها إلى بلد الزوج كالطلاب الذين يدرسون خارج الدولة ثم يأتون بزوجاتهم ليعشن في مجتمع الإمارات المختلف عن عاداتهن وتقاليدهن.
ومن هنا تبدأ الفروقات التي يكون ضحيتها الأولاد وتترتب عليه آثار سلبية تظهر نتائجها مع دخولهم إلى المدارس لتواجههم مشكلات الثقافة واللغة والهوية وعدم الاستقرار النفسي والأسري.
وأوضحت أن السبب يعود أولاً وأخيراً في هذا للأم التي هي المدرسة الأولى التي تربي الأبناء والمكان الذي يلجأ إليه الأولاد ويميلون إليه ويستقون منه المعارف والمعلومات الأساسية في حياتهم، وقالت:
تلعب المؤسسات التربوية دوراً كبيراً في هذا المجال وذلك من خلال تربية النشء على الانتباه لهذه الظاهرة التي تهدد استقرار المجتمع وتخلف فيه حالات أمراض اجتماعية ونفسية خطيرة قد تؤدي إلى حدوث الانحراف السلوكي وارتكاب الجرائم المختلفة نتيجة نبذ المجتمع لهذه الفئة من أبناء الأجنبيات.
ولاسيما أولئك الذين تظهر عليهم ملامح بيئة الأم، وأشارت إلى أن نسبة الطلاب من أمهات أجنبيات في المرحلة الثانوية بارزة بصورة كبيرة إلا أنها تقل بشكل ملحوظ في الابتدائية نتيجة التوعية المجتمعية واتجاه الشباب للزواج من مواطنات.
آثار سلبية
أميمة العاني الباحثة الاجتماعية في مراكز التنمية الأسرية بالشارقة أكدت على تراجع هذه الظاهرة مقياساً بالسنوات السابقة حسب الإحصائيات المتوافرة لديهم من دراسات تم إجراؤها في أوقات مختلفة إلا أنها أكدت على الآثار السلبية لهذه الظاهرة في المجتمع الإماراتي والتي تتركز على موضوع اللغة ومستوى الطالب في التحصيل الدراسي وقدرته على التعامل مع الآخرين.
وقالت: إن الكثير من الحالات الأسرية التي تراجع تكون معاناتها بعد تأقلم الزوجة الأجنبية مع طبيعة هذا البلد وعدم تقبلها لبعض العادات والتقاليد الموجودة فيه ويقود إلى نشوب الخلافات بين عائلة الزوج والزوجة.
ويقود في بعض الأحيان إلى الطلاق وبالتالي تشرد الأطفال بين بلد الأب وبلد الأم بالإضافة إلى الآثار السلبية التي يخلفها هذا الزواج على الفتيات المواطنات من تأخر سن الزواج وتزايد ظاهرة العنوسة وغيرها من الآثار السلبية التي تؤثر على بنية المجتمع الإماراتي.
ونوهت بأن المشكلات الأكثر ظهوراً هي التي تظهر بالبيئة المدرسية حيث يعيش أبناء الأجنبيات بشيء من العزلة عن زملائهم لشعورهم بالنقص ما يؤدي إلى إصابتهم بأمراض نفسية وسلوكية تترك آثارها على تحصيلهم الدراسي ومستوى اندماجهم مع الأماكن التي يوجدون فيها.
خطر داهم
الدكتور سيد محمد سعيد منصور موجه الخدمة الاجتماعية أشار إلى أن الزواج من أجنبيات يترك آثاراً سلبية كبيرة تمتد لتصل إلى إحداث خلل في التركيبة السكانية بما يتركه من آثار مختلفة في عادات وتقاليد المجتمع بالإضافة لآثاره على اللغة وسلوكيات أفراده بصفة عامة وتظهر هذه الآثار السلبية بشكل أكبر في الزيجات من غير العربيات ومن غير المسلمات.
وما يترتب عليه من سوء التحصيل الدراسي لهؤلاء الأبناء، ما يؤثر على الصحة النفسية لهم لأن الطفل يميل إلى اكتساب ثقافة الأم مهما كانت ليشب وهو يأخذ من ثقافتها وينهل من تقاليدها في جميع السلوكيات المتعلقة في الطعام والشراب والملبس والعلاقات الاجتماعية.
وقال: إن أولاد الزوجات غير العربيات تظهر لديهم مشكلة اللغة كعامل أساسي في التواصل مع الآخرين والتعامل مع المواد الدراسية لأنهم لا يقدرون على التعبير عما يريدون ما يؤدي إلى تراجع مستواهم العلمي .
وسوء تحصيلهم الدراسي، بالإضافة إلى أن الأولاد ينتمون عاطفياً إلى جنسية الأم ويميلون إليها ما يشير إلى خلل في التركيبة السكانية ووجود بعض الانحرافات السلوكية التي تؤدي إلى تخريب البنية الاجتماعية.
وأوضح أن الزواج من أجنبيات لابد أن توضع له ضوابط وقواعد وإيجاد إجراءات للحد من الظاهرة لأنها قنبلة موقوتة وإيجابياتها قليلة لا تقاس بسلبياتها منوهاً بأهمية الدور الذي تقوم به المدرسة من خلال الإذاعة المدرسية والتوجيه والإرشاد الأسري والمحاضرات والندوات لدفع المواطنين إلى الإقبال على الزواج من بنات البلد كعمل وقائي لمنع تكرار هذه الظاهرة، أما الدور العلاجي فيكون بدمج الأولاد.
ورفع تعلمهم للغة العربية من خلال إعطائهم دورات تقوية ودفعهم إلى التواصل مع أفراد المجتمع الآخرين بإشراكهم بالفعاليات والنشاطات المختلفة مبيناً أن هذا الأمر يتطلب تضافر جهات عدة في المجتمع وعدم الاقتصار على دور المدارس فقط لأن دورها يؤتي ثماره إذا عملت لوحدها.
وأشار إلى ضرورة تشكيل لجنة مركزية على مستوى دولة الإمارات، ويتفرع عنها لجان فرعية تتم وفق تشكيل مركزي بأهداف محددة وتمارس نشاطات وفعاليات محددة، وتكون لها مؤشرات أداء وعملية تقييم مستمرة لتأخذ صفة الاستمرار والدوام وإجراء مسابقات وإشراك الأولاد وأولياء الأمور للتعرف على الآثار السلبية لهذه الظاهرة.
وتوليد قناعات لدى الطلاب والطالبات بأهمية الارتباط بأفراد من دولة الإمارات بما يضمن الولاء والانتماء لهذا البلد ويجنب الكثير من الآثار السلبية التي تنشأ من هذه الظاهرة.
عادات مختلفة
الدكتور ممدوح مختار الاختصاصي النفسي في المجلس الأعلى لشؤون الأسرة قال: إن ثقافة الطفل وتنشئته على قدر كبير من الأهمية لأنها أساس المستقبل وتهذيب هذه الثقافة وتطورها يعني الاستعداد والتخطيط لهذا المستقبل ولاسيما أن الطفل يستقي معارفه ومعلوماته من أسرته والمجتمع المحيط به.
وما يحدث في حال الزواج من أجنبيات أن الطفل يتأثر بأمه وتظهر لديه مشكلات اللغة والعادات والتقاليد المختلفة التي يأخذها من أمه بالبداهة وبين التي يعيش فيها في مجتمع الإمارات.
وقال :إن من أهم معضلات التنشئة الاجتماعية للأطفال في ظل أمهات أجنبيات هو شعورهم بالوحدة والعزلة فمازال المجتمع الإماراتي يرفض الزواج من وافدة سواء كانت عربية أو غير عربية لأن المدقق في حال هؤلاء الأطفال يجد صعوبات التعلم .
والشعور بالنقص مقابل الآخرين ما ينعكس على تكوين شخصيته بالإضافة إلى الشعور بالخوف والتوتر والقلق والكآبة والحزن بالإضافة إلى ضعف في تعلم تعاليم العقيدة الإسلامية ولاسيما للزوجة التي تعتنق ديانة غير الإسلام وحدوث بعض الانحرافات السلوكية.
اختطاف الأبناء
وتؤكد إيمان إسماعيل عبدالله رئيسة مؤتمر المرأة الثقافي العالمي أن الزواج من أجنبيات وآثاره الاجتماعية والأسرية وعلى الأطفال تمت مناقشته من خلال المؤتمر بالتعاون مع رابطة سيدات السلك الدبلوماسي، مشيرة إلى أن الزواج المتكافئ والشرعي يؤسس شراكة أساسية تكون الزوجة فيه القدوة الحسنة لأولادها ولأهل بيتها.
وقالت إن الزوجة الأجنبية لا يمكن اعتبارها شراً كله بل هناك من يستطيع منهن العيش وتربية الأطفال إذا استطاع الطرفان من زوج وزوجة الوصول إلى درجة عالية من التفاهم.
وأضافت رئيسة مؤتمر المرأة الثقافي العالمي أنه خلال المؤتمر قامت إحدى الزوجات الأجنبيات بسرد تجربتها الناجحة مع الإسلام والزواج من مسلم عربي، حيث انتسبت لمؤسسة عربية في دولتها تعلمت فيها المعايير الاجتماعية والأسرية العربية والإسلامية قبل الزواج، وبعد الزواج نجحت في تربية أبنائها التربية الإسلامية وتحفيظهم القرآن الكريم.
زواج كبار السن
وحذرت إيمان عبد الله من فوضى الزواج وخاصة كبار السن الذين يتجهون إلى الزواج من غير المواطنات والعربيات ومنهم من يتزوج خادمته فتكون النتائج وبالاً على الأطفال وحدوث التفكك الأسري والانحرافات بعد وفاة الأب كبير السن، أو حدوث الانفصال لأي سبب من الأسباب وخاصة ان هذا الزواج لا يقوم على أسس ثابتة.
وقالت: إن من المشكلات التي رصدها الاختصاصيون من الزواج من أجنبيات صعوبة التفاهم في المدرسة، وشعور الأبناء بعدم الأمان والقلق ما يدفعهم إلى البحث عن الأمن المفقود في البيت إلى مكان آخر فيكونون صيداً سهلاً لرفقاء السوء.
أو الانحرافات السلوكية، مشيرة إلى أن عدم التفاهم بين الزوجين يؤدي إلى الطلاق أو هجران الزوج وإهمال رعاية الأبناء وينشغل بأمور أخرى فيدفع الأبناء ثمناً لذلك من عدم الإشباع العاطفي.
وأضافت ان الاختلاف بين الزوجين قد يدفع كل طرف منهما إلى الإصرار في التعامل مع الأبناء من واقع تجربته وخبرته والتقليل من رأي الآخر، وفي ذلك ازدواجية في التعامل مع الأبناء.
ومن جانبه قال محمد بكار بن حيدر مدير عام جمعية بيت الخير إن الزواج من أجنبيات أفرز العديد من المشكلات وخاصة الزواج من المرأة غير العربية أو غير المسلمة. وأشار إلى أن المؤسسات المعنية لم تقم بدورها كاملاً في تذويب الفوارق ودمج هؤلاء في نسيج المجتمع، من أجل التغلب على السلبيات والمشكلات التي يعاني منها هؤلاء الأبناء.
شروط لابد منها
وأضاف بن حيدر انه لابد من اشتراط المؤسسات المعنية عند طلب الزواج أن تكون الزوجة غير المواطنة أو غير العربية متقنة للغة العربية حتى لا يفقد المجتمع هويته، مشيراً مبيناً أن حالات كثيرة من المحتاجين والذين تساعدهم الجمعية تحتاج إلى مترجم.
وقال مدير عام جمعية بيت الخير إن من ضمن المشكلات المؤرقة لأبناء الأجنبيات وجود نوع من الغربة بينهم وبين المجتمع ونوع من الفوقية من إخوانهم من أبناء المواطنة وإحساسهم بالدونية.
ودعا محمد بكار بن حيدر مؤسسات المجتمع المعنية ومراكز التنمية الاجتماعية إلى السعي لدمج هذه الفئة في المجتمع، وتفعيل هذه المراكز وإرجاع دورها الذي كانت تقوم به في السبعينات بدلاً من التركيز فقط على الصرف الشهري للحالات.
موضحاً أن هذه المراكز كانت تقوم بإعداد البحوث الاجتماعية ومتابعة الحالات ودراسة الظواهر السلبية في المجتمع ومحاولة القضاء عليها، وأشار إلى أن هذه المراكز بها طاقات معطلة من باحثين وإداريين.
ويرى بن حيدر أنه لا بد من إعطاء مراكز التنمية الاجتماعية الاستقلال الكامل وإعادة هيكلتها بالشكل الذي يتطلبه المجتمع وتعزيزها بالكوادر المؤهلة وإعطاء صلاحيات كافية للقائمين عليها لتقوم بدورها المنوط بها.