وتستمر مسيرة الخير بعد أن وضع مؤسس هذه الدولة وباني نهضتها منهاجاً للتطور ورؤية تجاوزت حدود الإقليم والانطلاق من دون حدود إلى مواكبة الدول التي سبقت بمئات السنين وبعزيمة لا تعرف المستحيل إيماناً بالله واستعانة به في تحقيق رؤية كادت أن تكون مجرد حلم ليس لها في حسابات الواقع أي عنصر من مقومات تحقيقها أو النجاح، فالقيادة دور تاريخي، ومسؤولية عظيمة تأخذ بيد الشعوب إلى طريق التقدم، ومسيرة التطور، وترفع من شأنها لتلحق بركب الأمم وتساهم معها في بناء حضارة الإنسان وصياغة مستقبله.
ولقد شاءت العناية الإلهية أن تسند دور القيادة في هذه الدولة لرجل عشق الصحراء وصفاءها، وأحب فيها ضوء الشمس الساطع فأكسبه ذلك وضوح رؤية ومضاء عزم.ولقد حدد ثلاثة أهداف تطوي بها المنطقة مرحلة لتنطلق إلى آفاق المستقبل الرحبة وهي: تطوير المنطقة، وتحقيق الرفاهية للمواطن، وبناء الإنسان القادر على تحمل المسؤولية. وانطلاقاً من هذه الفلسفة كانت مواقفه الإنسانية المتتالية تأكيداً لرؤية مبدئية أساسية هي أن الإنسان هو أعظم استثمار لأية دولة تتطلع إلى الازدهار والتقدم.
وترتيبا على ذلك تركزت اهتماماته في تشييد دولة قوية يعيش فيها المواطن مطمئناً تتحقق له فيها الرفاهية، دولة ذات سيادة محددة المعالم تمد اليد للجميع من أجل التعاون البناء على أسس من الاحترام المتبادل، دون أدنى مساس بالسيادة الوطنية، وبذل كافة الطاقات في دعم العالم العربي وتأكيد وحدته، إيماناً بأن قوة العرب في وحدتهم.. ومناصرة حقوق الإنسان في أي مكان في العالم، وتأييد حرية الشعوب. ولقد استطاع، انطلاقا من هذه الفلسفة، أن يقيم علاقات متوازنة مع جميع الدول الشقيقة والصديقة، في عالم يحكمه الصراع وتتجاذبه العقائد المتناقضة، وبذلك حفظ البلاد من مخاطر الأهواء والصراعات الدولية، ليصل بها دائماً إلى بر الأمان والسلام والاستقرار والازدهار.
وإن إيمانه بالشريعة الإسلامية، وملاءمتها لكل زمان ومكان، أخذ حيزاً كبيراً من فكره وجهده، فهو يعمل جاداً من أجل أن تأخذ الشريعة الإسلامية مكانتها بوصفها تراث هذه الأمة العظيمة، قانوناً وسلوكاً عاماً، حقوقاً وواجبات.. انه ينطلق في ذلك من عقيدة راسخة بأن قانون السماء هو سيد القوانين جميعاً، وكلمة الله هي دائماً الكلمة العليا.
وأثناء قراءتي لكتاب (رؤيتي) لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي شعرت بالتجانس والتكامل في فلسفة الحكم والقيادة وأنا أعيد قراءة (كتاب القيادة) الذي تم طبعه في سنة 1981 حيث جمع فيه أقوال مؤسس هذه الدولة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان عليه رحمة الله فوجدت تطابق الأفكار وتكامل الرؤى وتجانس الأقوال وكأنني أمام فصل جديد يستكمل ما قبله في ملحمة قيام دولة الإمارات العربية المتحدة ورأيتني استرجع ستة وثلاثين عاماً كان عيداً ليس ككل الأعياد وكان يوم 2 ديسمبر في قصر الجميرا 1971 ترتسم على الجميع البشرى والأمل حيث أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى يحتضنون علم الاتحاد وكأنني بهم عندئذ يعاهدون الله ويعاهدون شعب الإمارات ولسان حالهم يقول لقد عقدنا العزم بعون الله بكل الإخلاص والأمل أن نحافظ على ما عاهدنا الله عليه لاستكمال بناء دولة راسخة البنيان عزيزة حرة ترتقي بشعبها نحو الحياة الكريمة وحلم زايد لواء القيادة وكان التفاني وكان الإخلاص وكان العزم الذي لا يعرف المستحيل وكان الجهد الذي لا يعرف الكلل.
لقد تشرفت بالعمل مع قيادته الفذة منذ سنة 1971 وكنت قريباً منه بصفتي مديراً لديوانه رأيته يقضي أيامه ولياليه في وضع خطط لتنفيذ رؤيته سواء كان على المستوى المحلي أو العربي أو الدولي، وكان شاغله الأكبر هو كيف يستطيع أن يعوض شعبه سنين العوز والفاقه ويرفع مستواه ويحقق للمواطن حياة كريمة تؤمن له مصدراً دائماً يمكنه من إعالة ورعاية أسرته، تلك الأسرة التي كان لها شأن عظيم عنده حيث يرى أن الأسرة المصدر الأساسي للبناء فبها يتكاثر الشعب وبالشعب يتم المحافظة على الوطن وثرواته.
وانه من حسن الطالع أن تتلاقى رؤية المؤسس الراحل لهذه الدولة مع رؤية نائب رئيس الدولة الحالي مما يعظم مسؤوليته تجاه شقيقه رئيس الدولة ليكون الساعد الأيمن لتوجيه مسيرة الاتحاد، يعينه على اتخاذ القرارات المتعلقة بتطوير آليات الاتحاد، وتعاون جميع الفعاليات الاقتصادية والتنموية للإمارات لتتكامل في مشروع خلاق تتعانق فيه رؤية القيادة مع مصالح شعب الإمارات في مشاريع عملاقة مشتركة يكمل بعضها بعضاً وتحافظ على سلامة الاقتصاد الوطني. ومما لا شك فيه أن ثقة صاحب السمو رئيس الدولة حفظه الله في كفاءة نائبه ونجاحاته في الإنجازات الرائعة التي تحققت تحت قيادته في إمارة دبي ينتظر منه ما يتكامل معه في الوفاء بحمل الأمانة العظيمة التي تسلمها بعد رحيل مؤسس الدولة رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.