منذ أن فتح عينيه وهو يرى البحر الواسع يمتد أمامه، إلى ما لا نهاية، وكانت أمواجه العالية تعصف بمنزله المتواضع المبني من الطين، وسقفه المثبت بسعف النخيل، كان والده يأخذه معه كلما ذهب إلى البحر، حتى أصبحت مياه البحر الزرقاء عشقه الذي لا ينتهي، وعندما كبر كبرت معه أحلامه، فقد كان يتمنى لو أن معه أموالاً ليشتري بها سفينة كبيرة أو حتى قارباً صغيراً ليصبح هو «نوخذته».
العمل في وظيفة حكومية
بعد أن مات والده اضطر «ر» أن يترك البحر ويبحث عن وظيفة مستقرة ليعيل والدته واخوانه الصغار، فهو الأكبر بينهم وهو المسؤول عنهم، لم يطل بحثه كثيراً، فقد استطاع أحد أقاربه أن يجد له وظيفة متواضعة في احدى الدوائر الحكومية. تمكن «ر» من مرتبه المتواضع أن يجمع مبلغاً من المال أهله لأن يتقدم إلى «ش» ليطلب يدها، فقد تعرف عليها منذ فترة وأحبها من كل قلبه وكذلك هي، فقد بادلته حباً بحب رغم الفارق في المستوى المادي بينهما، فوالد «ش» تاجر معروف وهو ميسور الحال، لذا عندما تقدم «ر» لخطبة (ش) عارض والدها في البداية إلا أنه اضطر أن يوافق في نهاية الأمر نتيجة لإلحاحها.
أنجبت (ش) ثلاث بنات وولداً ورغم حالة (ر) المالية المتواضعة إلا أن (ش) استطاعت أن تدبر أمرها وأن تهيئ لزوجها ولأولادها حياة كريمة حتى عندما كان الأولاد يتذمرون من عدم وجود «مصروف» في أيديهم شأنهم شأن غيرهم من الأولاد كانت (ش) تثور في وجوههم وتنهرهم وتبين لهم كم يتعب والدهم ويشقى من أجلهم.
تغير الحال
في أحد الأيام مات والد (ش) وترك لها نصيبها من الثروة وعندما تسلمت الفلوس أخذت المبلغ كله ووضعته بين يدي زوجها وقالت له «تستطيع الآن أن تشتري السفينة التي كنت تحلم بها»، في البداية رفض «ر» قبول المال إلا أن زوجته أصرت على ذلك ولم يمض شهر حتى استقال «ر» من وظيفته وأصبح يمتلك قارباً كبيراً «بوم» وبدأ يجوب به البحر شرقاً وغرباً وعن طريقه تمكن من صيد كميات كبيرة من السمك.
فبدأ يجني من وراء ذلك أرباحاً كثيرة، ولم يكتف (ر) بذلك بل بدأ ينقل بقاربه بضائع من وإلى الدول المجاورة حتى أصبح غنياً ويمتلك ثلاث سفن كبيرة من نوع «بوم»، في هذه الأثناء رزقه الله بثلاثة أولاد جدد فأصبح لدى (ر) ثلاث بنات وأربعة أولاد ومما زاد من وضعه المادي تحسناً أن بناته الثلاث تخرجن في الجامعة وعملن مدرسات.
في أحد الأيام فاجأ (ر) أولاده بأنه طلب منهم أن يحزموا حقابهم وأن ينتقلوا إلى الفيلا التي اشتراها لهم، عمت الفرحة قلوب جميع أفراد الأسرة خاصة زوجته (ش) فقد أحست بأن تعبها وتضحيتها أثمرت بهذه العائلة الرائعة والزوج الوفي وهكذا انتقل الجميع إلى الفيلا تصحبهم شغالة فلبينية وأخرى هندية.
تغير كبير
بسبب غناه وتغير حالته المالية بدأ «ر» يفكر بالسفر إلى الخارج لقضاء إجازة الصيف كما يعمل الآخرون اصطحب (ر) صديقه (ج) وذهبا معاً إلى إحدى الدول الآسيوية، وهناك قضى شهراً لم يحلم به طوال حياته فقد تعرف هناك على فتيات في أعمار بناته فقد أحس لأول مرة بأن للفلوس طعماً لذيذاً وأن للحياة وجهاً آخر غير وجه البحر والوجه الذي يعيشه مع (ش)، تكرر سفر (ر) لقضاء إجازات الصيف في الخارج وفي كل مرة كان يعود فيها من هناك كان يريد أن يصرخ في وجه زوجته (ش)ويقول لها أريد أن أتزوج بأخرى فأنت لم تناسبي مركزي المالي والاجتماعي، لكنه كان يتذكر أن أموال والدها هي السبب في الثروة التي يتمتع بها الآن.
في أحد الأيام كان (ر) يتناول الغداء مع زوجته وأولاده قال لهم خبراً أصابهم بالذهول فقد قال لهم بأنه قرر أن يتزوج وانه اختار الفتاة التي ينوي الزواج بها، وقع الخبر كالصاعقة على مسامع الجميع خاصة (ش) حاول أولاده وزوجته أن يثنوه عن رأيه إلا أنه بقي مصمماً على الزواج قائلاً بأنه اتخذ قراره وانتهى الأمر وعندما حاولت زوجته تذكيره بالذي مضى وكيف ضحت بكل شيء من أجله وأنه لولا الأموال التي ورثتها عن والدها وأعطته اياها لما وصل إلى ما وصل إليه الآن، ثار في وجهها وطلقها ثلاثاً، أحست (ش) بان بيتها الذي بنته بكل سنين عمرها بدأ ينهار وان العروس الجديدة ستستولي على كل شيء.
ليلة الدخلة
بدأ (ر) يجهز إحدى غرف الفيلا لتكون مقراً لزوجته الجديدة وبعد ان انتهى من تجهيزها حدد أحد أيام الخميس ليكون يوم زفافه، كانت (ش) (التي لم تغادر الفيلا بعد طلاقها) تحترق وهي ترى (ر) يجهز غرفة لعروسه الجديدة، وقبل ليلة الدخلة بليلة قررت (ش) ان تنهي كل شيء على طريقتها الخاصة فقد استغلت نوم (ر) في الغرفة التي هيأها لعروسه وقامت بوضع كمية كبيرة من البنزين على كل أثاث الغرفة ولم تنس أن تشبع الستائر بالبنزين ثم أشعلت عود ثقاب وألقت به على أرضية الغرفة وما كاد عود الثقاب يلامس الأثاث حتى تحولت الغرفة إلى كتلة لهب، ولأن (ر) كان يغط في نوم عميق فقد هاجمته النيران وبدأت تأكل ثيابه وجسمه حاول (ر) ان يتلمس طريقه إلى الباب ليخرج إلا ان النيران كانت قد وصلت إلى كل شيء وحاصرته من كل جانب، امتدت النيران إلى الغرف المجاورة وهاجمت كل مكان في الفيلا تقضي على أفراد الأسرة كلها لولا ان (ش) بدأت تصرخ وطلبت مساعدة الجيران عندما أحست ان أولادها في خطر، حضر الجيران وقاموا بإطفاء النيران فيما قام البعض بالاتصال بالشرطة والاطفاء.
نقل (ر) إلى المستشفى بين الحياة والموت أما (ش) فقد تم اعتقالها لأنها اعترفت بأنها هي التي أشعلت النيران انتقاماً من زوجها الذي كان يريد ان يتزوج عليها.
بعد (72) ساعة خرج (ر) من حالة الخطر وبدأ يتنفس بشكل طبيعي، لكن الأطباء قالوا بانه سيبقى تحت العلاج لأكثر من سنة على الأقل وسيحتاج إلى ترقيع في الوجه واليدين.
في غرفة التحقيق جلست (ش) تائهة وضائعة، عيناها زائغتان، ويداها ترتجفان وشفتاها جافتان، حاول ضابط التحقيق أن يساعدها على الكلام إلا انها كانت غير قادرة على ذلك طلبت فقط أن ترى أولادها فقد ضحت بكل شيء من أجلهم لكن صدمة (ش) كانت شديدة عندما عرفت بأن أولادها وبناتها يرفضون زيارتها أو الحديث إليها حتى عندما حاولت أن تكلمهم بالهاتف كانوا يغلقون الهاتف في وجهها.
فجأة صرخت وقالت لقد أخذ (ر) مالي وشبابي وصحتي وكل شيء، وعندما أصبح يملك المال باعني إلى فتاة صغيرة ،صرخت .. صرخة عالية وسقطت على الأرض تم حمل (ش) إلى المستشفى وهناك قيل بانها مصابة بانهيار عصبي حاد حيث تم تحويلها إلى مستشفى الأمراض العقلية.
اعداد: أحمد سلطان