حال الإعلام في العراق في الوقت الراهن وما آل إليه الوضع في هذا البلد العربي المتخم بالصراعات المسلحة والعرقية كان الموضوع الرئيسي لإحدى جلسات العمل التي عقدت في إطار فعاليات منتدى الإعلام العربي أمس في مدينة جميرا بدبي. وأدار الجلسة جاسم العزاوي، إعلامي من تلفزيون أبو ظبي، وشارك فيها من المتحدثين كل من فيصل الياسري، مؤسس ومدير قناة الديار الفضائية العراقية وإسماعيل زاير، رئيس تحرير صحيفة الصباح الجديد العراقية وعدنان حسين كاتب.

وركزت الندوة على الأحوال غير المواتية التي يعمل في ظلها حاليا الصحافيون العراقيون. وأظهر النقاش إجماع الحضور على أن الوضع الحالي للإعلام العراقي ليس افضل حالا مما كان عليه الوضع إبان حكم صدام حسين جراء التدخل الخارجي وفي ضوء حالة عدم الاستقرار الأمني الذي يعانيها المواطن العراقي بشكل عام.

وأجمع المشاركون الذين أكدوا أنهم كانوا على خلاف كامل مع نظام حكم صدام حسين على أن الحال في العراق الآن أكثر سوءا ـ مقارنة بحقبة النظام السابق، مؤكدين على أن الأميركيين يرسمون صورة وردية غير حقيقية عن الوضع في العراق من خلال عمليات التمويل المشبوهة لأبواق إعلامية تروج لسياستهم. وأكد المشاركون على الحاجة الماسة لدعم القنوات والصحف العراقية المستقلة ماليا ومعنويا وفنيا لأن الحكومة والأحزاب في العراق تسخر الإعلام العراقي لخدمة مصالح وأجندات خاصة، على حد تعبيرهم.

وقال عدنان حسين إن كل صحافيي العراق حاليا يعملون تحت التهديد وإن الاحتلال لم يغير الوضع في العراق إلا إلى الأسوأ. واشار عدنان إلى أن الصحافة السياسية، وهي تلك التي تخدم مصالح أحزاب معينة ولا تعمل بأي حال من الأحوال ضمن الميثاق الصحافي المتعارف عليه، هي الآن المتحكمة في الوضع الإعلامي السائد في العراق.

وبدوره أكد إسماعيل زاير أن 90% من الصحافة العراقية حاليا تنتمي لأحزاب سياسية وهي في الأساس منقسمة إلى ثلاثة أقسام: صحافة حكومية وصحافة حزبية وصحافة مستقلة. أضاف الإعلامي العراقي أن المشكلة اتي تعاني منها الصحف المستقلة، التي هي قليلة للغاية بالمقارنة بالصحف الحكومية والصحف الحزبية، على حد تعبيره، هي أنها لا تستطيع القيام بالدور الذي من المفترض أنها منوطة به، وبسبب ضعف الإمكانات المادية.

وأكد إسماعيل أن الصحافة المستقلة في العراق على وشك الانقراض بسبب عدة عوامل أهمها غياب البعد الأمني والوضع المالي المتردي. واستطرد قائلاً إن الحالة الأمنية في العراق لا تسمح على الإطلاق بتوصيل صوت تلك الصحف إلى الخارج بسبب ما يواجه عمليات التوزيع والنشر من عقبات جسيمة مثل حظر التجول على سبيل المثال وليس الحصر.

وأضاف إسماعيل: «إن أبرز المعوقات على الإطلاق غياب الدعم المالي إذ لا تمول الحكومة العراقية الحالية أو السابقة تلك الصحف بالدرجة التي تمول بها الصحف التي تخدم مصالحها. هناك 5 أو 6 صحف فقط ملتزمة بالمعايير الصحافية وبعدم بث بذور الكره والعنصرية بين العراقيين مثل صحيفتي «المدار» و«الصباح».. في حين أن صحف الأكراد لا تهتم بالإثارة ولكنها في الوقت ذاته لها أجندتها الخاصة».

وأكد عدنان أن الصحافة المكتوبة العراقية تعاني بشدة من مشكلة الانعزالية، مشيرا إلى أن بعض القنوات الفضائية لها أثر سلبي كبير على العراقيين لما تنشره من معلومات غير دقيقة.

ودعا إسماعيل إلى توفير الاحتكاك اللازم مع الصحافة العراقية من خلال إفساح المجال لها عبر القنوات الفضائية العربية. وأضاف في هذا الشأن: «من حق المواطن العربي أن يطّلع على ما تقوله الصحافة المستقلة في العراق والتعرف على المشكلات التي تقابل المواطن العراقي. وهنا تبرز أهمية بناء جسور مع الصحافة العربية إذ أن معظم الفضائيات مثل قناة الجزيرة لها مرجعيتها الخاصة بها في الخارج».

وأكد إسماعيل أن المشكلة في الوقت الحاضر تكمن في أن العراقيين في الماضي لم يكن لديهم أي فضائيات يطلعون عليها أما الآن فإنهم وجدوا أنفسهم أمام فيض هائل من الزخم الإعلامي الفضائي الذي له في أحيان كثيرة أثر سيئ في الساحة العراقية.

وبدوره أكد فيصل الياسري أن حالة الإعلام في العراق تختلف عن مثيلتها في أي بلد عربي آخر. وأشار الياسري إلى وجود قفزة هائلة مر بها الإعلام العراقي في ضوء دخول أكثر من 26 قناة فضائية جديدة ونحو 40 قناة أرضية. وقال في هذا الصدد: «المشكلة الرئيسية في هذا الشأن لا تكمن في غياب العنصر المالي فحسب وإنما في غياب الكوادر المدربة التي يمكن أن تتعامل مع الوضع الراهن بشكل موضوعي. فالقنوات الحكومية تحصل على نصيب الأسد في التمويل وفي الوقت ذاته ليست لديها خطة محددة للتعامل مع الواقع العراقي».

واشار الياسري إلى مناخ الترهيب الذي يعمل تحته الإعلامي العراقي والمشكلات الجمة التي تنجم عن هذا المناخ مثل عدم موافقة المسؤولين على الظهور في برامج حية على الهواء خشية التعرض للاغتيال!

وأضاف الياسري: «في الماضي كان الخوف من الحكومة عند الحديث في السياسة أما الآن فإنه يمكنك التحدث مع مسؤولي الحكومة ولكنك تخشى التحدث مع شخص عادي خشية أن يكون عميلا لجهة ما تقرر اغتيالك لأن ما تقوله يتعارض مع مصالحها»

وقال الياسري إن الأميركيين يشترون ذمم عناصر بعينها من المجتمع الإعلامي العراقي لخدمة مصالحهم.

دبي ـ «البيان»: