سيطر الاستقطاب على الشارع الفلسطيني خلال الساعات الماضية التي تلت الخطاب الناري لرئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خالد مشعل الذي وجه اتهامات بالفساد والخيانة لمسؤولين في السلطة الوطنية وفي حركة «فتح»، فانعكست حالة الاحتقان على الشارع مظاهرات احتجاج صاخبة ومواجهات واشتباكات بين مؤيدي الجانبين، فضلاً عن حرب كلامية اتهمت مشعل بالعمالة لأطراف تريد إشعال الحرب الأهلية في فلسطين وسط مطالبات باعتذار. أعقبه تأكيد مشعل توظيف تصريحاته «على غير وجهها» ودعا مع الرئيس الفلسطيني الى الهدوء ودرء الفتنة.
وشهدت الجامعة الإسلامية وجامعة الأزهر في غزة اشتباكات بين مؤيدين لـ «فتح» و«حماس» أسفرت عن إصابة نحو خمسة عشر طالبا على الأقل إثر شجار اندلع بعد تطور مشادات كلامية بين أنصار الحركتين إلى شجار عنيف بالأيدي واستخدمت فيه الحجارة.. فيما عمت مسيرات غاضبة أنحاء متفرقة من الضفة الغربية، أطلقت خلالها الأعيرة النارية في الهواء. وفضت الاشتباكات بعد تدخل قوات الأمن، ووصف وزير الداخلية سعيد صيام الأحداث «بالمؤسفة والمؤلمة».
وكانت تصريحات مشعل أثارت ضجة سياسية كبيرة في أوساط منظمة التحرير الفلسطينية التي اعتبرت الخطاب الذي ألقاه في دمشق والذي هاجم فيه الرئاسة الفلسطينية وقادة «فتح» واتهمهم فيه بالفساد بأنه «خطير جدا» وطالبته بالاعتذار عن ذلك.وهاجم رئيس دائرة شؤون المفاوضات في المنظمة صائب عريقات في تصريحات لإذاعة «صوت فلسطين» مشعل وقال: «لا يستطيع هذا الرجل من دمشق تارة ومن قطر تارة أخرى أن يستمر في إثارة الفتن». وأضاف متسائلا: «في أي كوكب يعيش هؤلاء؟ ألا يدركون معاناة شعبهم؟».
من جانبها، اتهمت حركة «فتح» وأجنحتها العسكرية رئيس المكتب السياسي لـ «حماس» بأنه «يسعى إلى فتنة داخلية وإلى تدبير حرب أهلية»، واصفة خطابه بـ «الهستيري». واتهم امين مرجعية «فتح» في الضفة الغربية حسين الشيخ مشعل بفقدان التوازن ورأى في تصريحاته تعبيراً عن «أزمة» تعيشها «حماس» «ويعيشها مشعل شخصيا». وقال إن «فتح ليست بحاجة لصكوك غفران من أحد».
وطلب الشيخ من مشعل تقديم اعتذار للشعب الفلسطيني وقيادة فتح، وأكد أن حركته لن تكون طرفا في حرب أهلية مهما كانت الظروف، في حين دعا أمين عام الرئاسة الفلسطينية الطيب عبد الرحيم «الوطنيين الفلسطينيين» إلى عدم الانجرار وراء خطاب.كما وجه النائب محمد دحلان، عضو المجلس الثوري لـ «فتح» نداء إلى أبناء الحركة طالبهم فيه بعدم الانجرار وراء ما وصفها بالاستفزازات، داعيا إياهم إلى كظم غيظهم وضبط النفس.
بدورها، أصدرت الأجنحة العسكرية التابعة للحركة بيانا اعتبرت فيه أن «تصريحات مشعل لا تخدم إلا الاحتلال الصهيوني وأذنابه»، طالبة من «الأخوة في حماس الاعتذار الفوري» عما سمته «التصريحات التي تحمل حقدا اسود يدعو إلى فتنة داخلية ثمنها بعض الأموال الإيرانية».
وفي وقت لاحق قال مشعل في مؤتمر صحافي عقده بمنزله في دمشق في حضور ممثلين عن عشرة فصائل فلسطينية ووزير الخارجية الفلسطيني محمود الزهار ان البعض اخذ تصريحاتي في مهرجان خطابي امس الجمعة على غير وجهها ووظفها في اثارة اجواء احتقان في الساحة الفلسطينية، واضاف انه يكن «كل الاحترام لحركة فتح ولكل الفصائل، نحن لا نسيء الى احد لكن الاخطاء ينبغي ان تصوب ولا ينبغي ان تظلم الحكومة الفلسطينية ويكفي ما نتعرض له من حصار اميركي اسرائيلي». كما دعا الشعب الفلسطيني الى الهدوء والتوحد والاحتكام الى القانون والحوار الوطني الجاد وليس إلى رفع السلاح في الشوارع.
وفي العاصمة الأردنية عمان دعا الرئيس الفلسطيني محمود عباس «ابو مازن» الى الهدوء ودرء الفتنة، مشيرا الى عدم وجود اقتتال داخلى بين حركتي فتح وحماس. لكن عباس اشار عقب لقاء مع رئيس الوزراء الاردني معروف البخيت ومسؤولين اردنيين الى ان المعلومات التي اطلعه عليها الجانب الاردني عن تورط حماس في تخزين اسلحة في الاردن واضاف للصحافيين استمعت الى نتائج تهريب الاسلحة التي لها تاثير بالغ على امن الاردن وسلامته والمعلومات التي ابلغنا بها من خلال رئيس الوزراء ومدير المخابرات (اللواء محمد الذهبي) كانت مذهلة وخطيرة في الوقت ذاته.
وتابع لذلك قررنا ان نتواصل ونتابع هذا الموضوع وسنرسل وفدا سياسيا امنيا رفيع المستوى لبحث الموضوع للوصول الى نتائج تحمي الاردن وفلسطين (...) ونعبر عن حرصنا على امن الاردن. وفي محاولة لاحتواء الاحتقان شهدت غزة اجتماعا بين قياديين من حماس وفتح بحضور ممثل عن ابومازن وممثل عن رئيس الوزراء الفلسطيني اسماعيل هنية تحت رعاية الوفد الامني المصري المتواجد في قطاع غزة.
ورغم هذه الأجواء المحتقنة، أعلن الناطق باسم وزارة الداخلية خالد ابوهلال عن «انتفاضة جديدة تحت عنوان انتهى عصر الفوضى والفلتان» في الأراضي الفلسطينية. وقال «إن الوزارة ستفتح صفحة جديدة»، معلنا أن «من يقبل أن يكون عنوانا لمظاهر الإجرام فعليه تحمل المسؤولية». وشدد على أنه «منذ الآن ستكون القوة والحزم وسيادة القانون هي لغة التعامل مع كل الخارجين عن القانون».
وقالت الوزارة، في توضيح لقرار تشكيل القوة البوليسية التنفيذية الذي أثار الأزمة بين «حماس» والرئاسة، إنها لم تطلب من أحد المشاركة في القوة التنفيذية والتي سيكون معظم أعضائها من أفراد الأجهزة الأمنية والوطنية والشرطة، وشرائح أخرى تطوعت للعمل مجاناً. وشدد الناطق أبوهلال على أن القوة المقترحة لم تكن قوة ظل أو بديلاً لأي جهاز أمنى.
وفي موازاة هذا الوضع الداخلي المضطرب، تحدثت أنباء صحافية فلسطينية عن تحركات ومشاورات عربية وإقليمية ودولية من أجل عقد لقاء قمة في مدينة شرم الشيخ بمشاركة الرئيس المصري حسني مبارك ورئيس الوزراء الاسرائيلى إيهود أولمرت والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني ورئيس السلطة الفلسطينية ابو مازن من المقرر أن يعقد نهاية الشهر المقبل، في وقت استبعد مسؤول إسرائيلي كبير عقد لقاء قريب بين أولمرت وعباس قائلاً إنه «غير مطروح».
على صعيد آخر، نقلت تقارير صحافية فلسطينية عن مصادر فى العاصمة البريطانية القول إن هناك محاولات واتصالات لتشكيل جهاز مالي بإشراف أميركي أوروبي لتحويل أموال للاحتياجات الطارئة للشعب الفلسطيني بما في ذلك دفع الرواتب للموظفين من دون المرور عبر الحكومة التي يترأسها إسماعيل هنية. وقالت المصادر إن دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودولا عربية ستقوم بتمويل عمل هذا الجهاز الذي سيتحدد عمله ونجاحه والياته خلال الأيام القليلة المقبلة.
غزة، رام الله ـ ماهر إبراهيم
عمان ـ لقمان اسكندر والوكالات: