تعاني المناطق النائية من إهمال ملحوظ لمعظم مؤسساتها ويظهر ذلك واضحا من قلة الخدمات المقدمة لها وضعف الإمكانيات التي تشل عملها بصورة كبيرة.

ويعد مركزا مصفوت الصحي و مزيرع رغم أهميتهما الجغرافية وكونهما يخدمان مناطق عدة يزيد عدد سكانها على 8 آلاف نسمة، نموذجا واضحا للإهمال من قبل المعنيين ومثالا صارخا لضعف الكوادر البشرية والمالية التي تجعلهما عاجزين عن القيام بعملهما.

ولمركز «مصفوت» قصة تبدأ بقرار صدر من وزارة الأشغال بضرورة إحلاله وعدم صلاحيته للاستخدام، بأزمة المياه الخانقة التي يعيشها موظفوه، مرورا بنقص الكوادر الطبية والمادية والمعدات الطبية والمكيفات الهوائية، وخلوه من أجهزة الكمبيوتر، ومن سيارة خاصة لنقل الأدوية حيث يتم نقلها من إمارة عجمان في سيارة «بيك اب» مكشوفة تعرض الدواء للشمس الحارة وللرطوبة لمدة ساعة ونصف، إضافة إلى تلف سقفه، وقدم أبوابه، وقلة رواتب موظفيه ومضاعفة ساعات عملهم دون مردود أو مكافأة، وصولا لانقطاع الكهرباء وانبعاث الروائح الكريهة منه بسبب تسرب مياه الصرف الصحي التي تؤذي الموظفين والمرضى المراجعين والتي حولت المركز الصحي لبيئة مثالية لعيش وتكاثر البعوض والحشرات الأخرى، ومواصلة لرصد معاناة أهالي المنطقة التي تم نشرها أمس زارت «البيان» المركز للإطلاع على حاله.

البعوض أول المستقبلين

في زيارتنا للمركز بحدود العاشرة والنصف صباحا كان انقطاع الكهرباء ـ الذي بدأ من السادسة فجرا ـ والبعوض أول المستقبلين لنا بكل ترحيب، حيث التقينا بمسؤوله الإداري وبكادره الطبي الذين تحدثوا لـ «البيان» عن مشكلات المركز. قال سالم محمد بن صبيح المسؤول الإداري يبلغ عمر المركز 30 عاما وللأسف يعتبر من المراكز المنسية على مستوى الدولة بالرغم من أنه يغطي احتياجات منطقة كبيرة مع قلة كوادره البشرية والمادية.

وأكد عدم صلاحية المركز كمبنى للعمل حيث أصدرت وزارة الأشغال قرارا بضرورة إحلاله وعدم الجدوى من صيانته بعد دراسة قام بها موظفوها أظهرت تشققات في الجدران وتآكل في الأبواب، وأشار إلى أن المركز لا يستلم أي ميزانية مادية ويعتمد على منطقة عجمان الطبية بصورة كبيرة.

وقال أقوم بدفع أجور تصليح المعدات أو المصاريف المختلفة من مالي الخاص وبمساعدة الموظفين وأرسل الفاتورة لمنطقة عجمان الطبية ليتم صرفها بعد فترة.

وعن احتياجات المركز أكد أنه بحاجة لأسرة طوارئ، ولأكثر من عشرة مكيفات هوائية، ولخزانات مياه جديدة بدل الخزانات التالفة بفعل عوامل الجو، ولتغيير مجاري الصرف الصحي التي تفوح منها الروائح الكريهة والتي جعلت من غرف وعيادات المركز مرتعا ملائما للبعوض وللحشرات.

وأضاف سالم أن موظفي مكافحة الملاريا فوجئوا عندما زاروا المركز من كمية البعوض الموجودة فيه وقالوا «مركزكم مستودع لتوزيع البعوض على المنطقة».

وأوضح أن المركز يعيش أزمة مياه خانقة تشل حركة النظافة وحاجة المرضى والأطباء. وأشار إلى وجود سيارة إسعاف واحدة تخدم مركزي مزيرع ومصفوت والمناطق المجاورة وأنه كثيرا ما ساءت حالات الناس صحيا بسبب عدم توفر سيارة تمكننا من نقلهم في حال كانت السيارة الوحيدة في مهمة أخرى.

مواطنون فراشون

وقال ان عدم توفير الكادر المطلوب دفعنا لتوظيف ثلاثة «فراشين مواطنين» ـ يعملون في إحدى شركات الخدمات- للعمل كتبة في المركز مع أن مسماهم الوظيفي «عمال نظافة» بعد اطلاعنا على شهاداتهم الثانوية وذلك بسبب عدم وجود شواغر لهم. وأكد أن الأطباء الذين يعملون بالمركز يداومون في مركز مزيرع وفي مركز مصفوت في ذات اليوم من خلال إطالة ساعات عملهم دون مقابل.

وأشار إلى إغلاق عيادة الأسنان منذ ثلاث سنوات بسبب عطل الأجهزة الطبية فيها وأنه لم يتم تصليحها حتى الآن.

وأوضح أن المركز لا يتوفر فيه نظام الأرشفة الإلكترونية ولا يوجد فيه حاسب آلي وأن ملفات المرضى ما زالت تصنف في الصناديق الخشبية ما يعرضها للتلف والضياع. ووجه سالم شكره إلى جمعية الهلال الأحمر فرع عجمان لقيامها بدفع 7 آلاف درهم مؤخرا بعد رفض منطقة عجمان الطبية التي تمت مخاطبتها 4 مرات دون جدوى لتركيب محرك لسحب الماء من البئر التي تم حفرها بالمركز. أما معاناة الأطباء والفنيين فهي تبدأ بتجاهل الوزارة ومنطقة عجمان الطبية مطالبهم وحقوقهم بالعلاوات وببدل عمل «المناطق النائية».

31 عاما والراتب ذاته.

أحمد عبدالله قدور فني مختبر أكد أنه منذ 31 سنة يعمل في منطقة عجمان الطبية منها 20 سنة في مركز مصفوت وما زال على ذات الدرجة والراتب ولم يتلق أي زيادة أو ترقية أو علاوة تشجيعية أو بدل عمل في المناطق النائية رغم أن التقارير جميعها تشير إلى التزامه ونجاحه واجتهاده، الأمر الذي دفعه قبل 6 أعوام لتسفير أسرته التي يبلغ عددها 12 فردا بسبب ضيق الحال.

وأكد الطبيب أحمد فودة أنه لم يحصل على بدل المنطقة النائية أو أي علاوة منذ عمله في المركز، وأوضح أن جميع المدرسين والأطباء والفنيين في جميع مناطق الدولة النائية التابعة للوزارات يحصلون على بدل المناطق النائية سوى الموظفين والعاملين في منطقة مصفوت.

أصابه الشلل

أما مركز مزيرع الصحي الذي لا يوجد على كادره أي طبيب أو ممرض فقد أصابه الشلل بنسبة 90% رغم أن بناءه جديد وصمم على أساس توفير جميع الاختصاصات فيه، غير أنه ميت سريرياً بسبب عدم وجود أي طبيب خاص به ،والطبيبان ـ صحة عامة وأسنان ـ مع ممرضاتهما يأتون من مركز مصفوت الصحي كل يوم للعمل ساعات محدودة وليغلق بعد ذلك أبوابه بوجه أي مراجع أو مريض.

التقينا عتيق خلفان الكعبي المسؤول الإداري للمركز حيث أكد لـ «البيان» شلل 90 % من المركز بسبب عدم توفر أي كادر طبي خاص بالمركز أو توفر أجهزة طبية كافية أو سيارة إسعاف أو أجهزة حاسب آلي أو غرفة طوارئ. وقال ان المركز يعتمد كليا على مركز مصفوت الصحي بأطبائه وممرضاته وعماله وأوضح أن المركز يفتح أبوابه صباحا ويغلقها ظهرا، وأنه مجهز كبناء لقسمين قسم للرجال وآخر للنساء غير أن كلا القسمين غير مفعلين.

وقال ان سيارة الإسعاف التي تم تحويلها من منطقة عجمان الطبية بعد وفاتها لم تتحرك منذ قدومها قبل 10 أشهر بسبب عدم وجود سرير نقل مرضى داخلها وبسبب عدم وجود سائق لها. وأوضح أن حال المراكز الطبية في المنطقة يرثى لها وبحاجة إلى إسعافات أولية وجذرية سريعة.

تحقيق ـ محمد زاهر: