عض الآراء المجتمعية العامة تجمع على أن التعليم الخاص أكثر تطورا وتقدما مقارنة بنظيره الحكومي من حيث أساليب وطرائق التدريس ونوعية هيئاته التعليمية ومحتوى مناهجه وغير ذلك ما يبرر الحق للمدارس الخاصة في أن تتحكم في زيادة رسومها الدراسية الباهظة جدا وقتما شاءت وأحبت نظير ما تقدمه من خدمة تعليمية، ما يدعونا للتساؤل: ما مدى صحة هذا الاعتقاد وتلك القناعة الراسخة حتى لدى العديد من قياديي وزارة التربية والتعليم، حيث يطالب بعضهم مدارسنا الحكومية أن تتقدم وتتطور متخذة من المدارس الخاصة نموذجا يحتذى !
دعونا نتطوع بالإجابة عن هذا السؤال المثير للجدل الذي يمثل تحديا وربما تحديا لقناعة الكثيرين وربما يسبب بعض الصدمة كذلك لبعض منهم على الأقل، فهناك بعض الظواهر التي قلما تناولتها وسائل الإعلام وتمثل تحديا للقناعة السابقة بأن المدارس الخاصة أكثر تطورا من المدارس الحكومية.
ومن هذه الظواهر «الدروس الخصوصية» بين طلبة المدارس الخاصة فئة (الـ 5 نجوم) التي تستنزف من ميزانيات الأسر أضعاف الرسوم المعلنة الرسمية التي تتقاضاها مدارسهم والتي تقصم ظهور الأسر، ناهيك عما كشف عنه أولياء الأمور من إغراءات آليات جديدة تنوي المدارس الخاصة تطبيقها مطلع السنة الدراسية المقبلة في مسلسل استنزاف آخر لميزانياتهم.
إذا كانت تلك هي الحقيقة فيمكننا أن نجادل بأن الحكومية تقدم خدمات الخاصة نفسها بدون تكلفة رسوم دراسية وبالتالي فهي تتفوق على الخاصة.
يعتقد عارف فضل مدير مدرسة محمد نور للتعليم الأساسي في دبي أن المدارس الخاصة لا تقدم خدمة أفضل من الناحية التعليمية، لكنه يرى أن الوعي في المجتمع بامتيازات المدارس الحكومية قاصر وناقص ويحتاج إلى حملة توعية تقودها وزارة التربية والتعليم بالتعاون مع الإعلام، مشيرا إلى أن مصداقية التعليم تؤكد تفوق الحكومية على نظيرتها الخاصة بدليل النتائج التي حققها طلبة المدارس الحكومية في امتحانات النقل والثانوية العامة إلى جانب ما أفرزته نتائج جائزة حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز.
وعن تفضيل أولياء الأمور للخاصة عن الحكومية لفت إلى انها بسبب بيئة التعلم من حيث إمكانات المبنى المدرسي وعدد طلاب الفصل واللغة الانجليزية، موضحا ان رواتب المعلمين الضعيفة في المدارس الخاصة يعوضونها بالدروس الخصوصية الرسمية التي تتم بعلم المدرسة وغير الرسمية بالاتفاق بين المعلم والطالب، وهنا على حد قوله تكمن مشكلة من يراقب المدارس الخاصة ويتابع مصداقية التعليم فيها طالما وضع الدرجة مرتبط بالمعلم، والمعلم إذا أتيحت الفرصة له لمزيد من الكسب فلن يتوانى.
مرض اجتماعي
واستطرد قائلا: هناك أمراض اجتماعية تزيد من ظاهرة المدارس الخاصة والإقبال عليها منها التفاخر بالمصاريف العالية على التعليم بين الأسرة المواطنة خاصة، وكذلك قضية السمع والتقليد الأعمى دون التحقق من قوة المدرسة والدراسة فيها، مؤكدا على ان الظاهرة تمثل اليوم عقبة كبيرة تواجه التعليم في الدولة، مفترضا ان تأخذ الوزارة من جهودها في علاج هذه المشكلة نظرا لأن المدارس الخاصة تشكل نسبة 75% من أبناء المواطنين المقيمين.
بشرى عبدالله معلمة بثانوية رقية قالت: المدارس الخاصة أصبحت «صرعة» هذا العصر، فقد اجتاحت عقول الناس وبالرغم من الأخطاء الكثيرة التي نسمع بها من خلال وسائل الإعلام عن المدارس الخاصة، فإن الإقبال عليها يزداد يوما بعد يوم، مشيرة إلى ان أغلب أبناء العاملين في الميدان التربوي يدرسون في مدارس خاصة، مع ان الكثير من المدارس الحكومية بدأت تخطو خطوات جادة لتغيير الرتابة وكسر الروتين وتحسين مخرجات التعليم، والمدارس الحكومية تحوي من أصحاب الكفاءات والخبرات ما لا نجده في المدارس الخاصة، والمعلم في المدارس الحكومية أكثر عطاء وراحة ونفسية بسبب الدخل المادي الممتاز مقارنة بالمدارس الخاصة.
وأشارت إلى ان مستوى التعليم الخاص ليس أكثر تقدما من نظيره الحكومي، إذ ان المدارس الحكومية مؤهلة لاستيعاب الطالب من الناحية الدراسية والأنشطة الطلابية بينما يركز التعليم الخاص على الدراسة مع اهتمام بسيط بالأنشطة الطلابية، فيما لا يختلف اثنان على أهميتها لصقل مهارة المتعلمين وشخصياتهم.
وتابعت لافتة الأنظار إلى مسألة وجود ظاهرة الدروس الخصوصية في المدارس الحكومية والخاصة على حد سواء مع أنه بحسب رأيها من المفترض ان تخلو المدارس الخاصة من هذه الظاهرة إذ انها تأخذ مقابلا ماديا مرتفعا لضمان مخرجات ممتازة وتحصيل دراسي عال، مؤكدة على ان الطالب اذا لجأ إلى الدروس الخصوصية في المدارس الخاصة فأين المصداقية في جدواها؟
طامة كبرى
وتكاد بشرى تجزم بأن لجوء الطلاب في المدارس الحكومية إلى الدروس الخصوصية داعيه إهمال الطالب نفسه وليس تقصيرا من المعلم إلا ما ندر، معتبرة ان فكرة نظام لليوم الكامل في إحدى مدارس الـ 5 نجوم طامة كبرى وتقليص لدور الأسرة الحيوي، فإذا أصبح الطالب يقضي يومه في المدرسة، يتناول الإفطار والغداء فيها ويتزود بالأفكار والمعتقدات والقيم حسب توجهات كل مدرسة ومعلميها ثم يعود إلى المنزل ليكمل يومه في ممارسة هواياته ثم النوم ليبدأ في الصباح التالي ليكمل السير على وتيرة واحدة فيضيع دور الأب والأم، وتفقد الأسرة لقاءاتها الحميمية أكثر مما هو عليه الحال الآن، لتصبح المنظومة في تكوين الطفل هي المدرسة، فأي تطوير هذا قد يؤدي بأبنائنا إلى مصارع السوء وفقد القيم والمفاهيم الأساسية!
ناهيك عن بعض المدارس الخاصة التي تزرع في نفس الطالب المعتقدات والمفاهيم الدينية الخاطئة، ففي حادثة في إحدى المدارس وضعت المعلمة للطالب في المرحلة الابتدائية هدية في حقيبته الخاصة وعندما سألها قالت له: هو من عند سيدنا المسيح عليه السلام!، داعية إلى وقفة لمراجعة الحسابات ودراسة ملاءمة الأنظمة الجديدة لمدارسنا حتى لا تتكرر مأساة المناهج الجديدة.
ويرى الدكتور هاشم دويدري منسق اللغة العربية في تعليمية دبي أنه نظرا لكون المدرسة الخاصة مؤسسة تربوية وربحية في آن معا لا أجد ما يمنعها من رفع رسومها شريطة أن تقدم خدمات تتناسب وتلك الرسوم لأن الخدمات المتميزة تحتاج إلى رسوم إضافية وهذا يدعو بالضرورة إلى وجود هيئة رقابية توازن بين الخدمات المقدمة للطلبة والرسوم المترتبة عليهم وهنا يكمن دور وزارة التربية والتعليم والمناطق التعليمية التي هي على تماس مباشر مع تلك المدارس.
أما عن لجوء بعض المدارس الخاصة إلى جعل اليوم الدراسي من الصباح إلى المساء ومضاعفة الأقساط المدرسية مقابل ذلك فأعتقد أن هذه القضية تشكل مشكلة حقيقية تتعلق بالارتباط الأسري الذي كاد ينعدم مع كثرة الأعمال والمشاغل واللهاث وراء المادة، معتقدا أن ما يتعلمه التلميذ من سلوكيات يقلد فيها أمه وأباه وأخاه الأكبر أو أخته الكبرى يفوق كثيرا ما يتعلمه من الجهات الأخرى فكل واحد من أفراد الأسرة يشكل مدرسة للصغير في التربية والاتجاهات والذوق وبناء الطباع.
وفي البحث عن الحلول يرى الدكتور دويدري أن التزايد في اعداد المدارس الخاصة والتفاوت في الخدمات التي تقدمها والرسوم التي تحصل عليها تسمح لأولياء الأمور باختيار ما يشاؤون من المدارس مما لا يثقل كاهلهم بالأقساط العالية، ولكن المشكلة الرئيسة في رأيه تنحصر أولاً في أهمية الرقابة التي تمارس على المدارس الخاصة وهي محدودة لقلة الإداريين والفنيين المسؤولين عن هذا الجانب، كما أن المشكلة تكمن في تطوير المدرسة الحكومية لانها الأصل وهي حين تستطيع ان تقدم خدمات عالية لا تدفع أولياء الأمور إلى اللجوء إلى المدارس الخاصة وتكبد الأقساط العالية.
وقفة تأمل
وعن تطوير المدارس الحكومية قال ان سوية معظم المعلمين فيها تبدو ممتازة حقا فأين مواضع الخلل؟، معتقدا ان الخلل يبدأ بالأجندة الإدارية لتلك المدارس والتي تعاني من نقص حاد في المشرفين ولا يقف الأمر عند هذا الحد فالمدرسة الحكومية تعاني من أشياء وأشياء منها ضعف الإمكانيات التي تسمح لها بتحويل بيئاتها إلى بيئات جاذبة وعدم استقرار الكوادر الإدارية والفنية ومحدودية الصلاحيات المعطاة للإدارات المدرسية وضبابية المسؤولية التي تعاني منها بعض الإدارات، فالأمر يحتاج إلى وقفة تأمل نعيد فيها النظر في الصرح التعليمي لنضمن لأبنائنا وبناتنا تعليما راقيا وبيئات مدرسية محببة.
ولي أمر أبدى دهشته من فكرة إطلاق مدرسة ابنه الخاصة لنظام «اليوم الكامل» اعتبارا من السنة الدراسية المقبلة نظرا لما يشكله من عبء مادي ثقيل عليه في هذه الأوقات الحرجة التي يعيشها الوافد وارتفاع الأسعار، وما توجده من تشرذم وتفكك أسري نظرا لغياب التلميذ طوال اليوم في المدرسة.
تحقيق: يحيى عطية