لم تمض سوى أيام قليلة على زواجي حتى بدأت زوجتي تكشف عن وجه غير الوجه الذي ظهرت عليه أيام الخطوبة، فقد تبدل مزاجها وأصبحت الرقيقة الهادئة عصبية المزاج تنفر وتغضب لأتفه الأسباب، كنت أحبها وأحاول إرضاءها بكل ما تريد ولا ارفض لها طلبا، من اجل حماية مملكة السعادة التي أردت أن أبنيها بأسرة مستقرة.
لكن صراخها استمر وضجرها لم ينقطع، كنت أظن أن ذلك طبيعي بحكم تركها لبيت أبيها وأنها بدأت حياة جديدة لم تعتد عليها، ولكنها مع مرور الوقت أصبحت أسوأ من ذي قبل فقد أصبح صوتها يعلو عليّ باستمرار، تخالفني الرأي حتى وان كنت على حق.
مرت شهور على نفس الحال حتى جاءتنا البشارة بحملها في أول ولد لنا، كانت السعادة تغمرني، نسيت كل الأيام الماضية وحاولت معها فتح صفحة جديدة، لكن اذاها ازداد، فقد أصبحت عصبية المزاج أكثر من ذي قبل، وبدأت تنهال عليّ بالشتائم والألفاظ النابية، ما لا يطيقه إنسان.
أو يرضاه مخلوق على وجه الأرض، حاولت نصحها وإرشادها بأن ما تقوم به يغضب الله سبحانه وتعالى وان عليها أن تكف عن ذلك، لكنها لم تكن تبالي لنصحي، قلت في نفسي سأصبر عليها ولي أجري عند الله لعلها تتغير بعد أن تضع مولودها، لأنه سيكون بيننا طفل بحاجة إلى حب ورعاية وحنان.
المولود الأول ـ طوق النجاة
جاء اليوم الذي كنت أنتظره بفارغ الصبر، فقد وضعت زوجتي أول مولود لنا، كانت السعادة تغمرني، فقد كان ولدي طوق النجاة الذي كنت أبحث عنه لينقذني من بطشها، ليحرك مشاعرها نحوي، ويخلصني من عذابها، لكنها ما ان خرجت من المستشفى حتى عادت إلى ما كانت عليه.
حاولت أن أردعها، أن اذكرها بوجود طفل بيننا يحتاج إلى هدوء وأسرة مستقرة ليهنأ بالحياة، لكنها لم ترتدع، أصبحت تراودني فكرة عرضها على طبيب نفسي، ظننتها ستقبل الفكرة، لكنها ما ان سمعت ذلك حتى انهالت عليّ ضرباً، كانت المرة الأولى التي أضرب بها، وقفت حينها متسمراً في مكاني، لم أصدق ما حدث.
وكأن صاعقة حلت بي، كدت أقع من الصدمة، ولكنني تماسكت وحاولت أن استجمع قواي أمامها، قلت لها أنت بحاجة إلى طبيب نفسي، يجب أن أساعدك فلست على ما يرام، هنا نظرت إليّ بنظرات حزينة وأخذت تبكي بحرقة تنظر تجاهي وتبكي،.
أبدت حالة من الضعف وبدأت تتلعثم في كلمات بالكاد تخرج من ثغرها، وقالت: أريدك أن تساعدني فأنا متعبة وأمر بظروف نفسية صعبة، قلت لها سأساعدك حتماً فأنت وولدي حياتي كلها ولن أتخلى عنكما أبداً.
طفولة سعيدة.. ولكن
بدأت تحدثني عن حياتها عندما كانت طفلة صغيرة وقالت: كنت أعيش في كنف أسرة مستقرة هادئة فأمي كانت تغمرني حناناً ويفيض منها العطف، أما أبي فكان يشتري الألعاب، ويضمني إلى صدره الدافئ باستمرار، كانت الحياة مشرقة والسعادة تغمر البيت.
كنت لا أطلب لعبة أو شيئاً إلا وأجده أمامي، بقيت في هذه السعادة حتى أصيبت أمي بمرض خطير، وما هي إلا أيام، حتى انتقلت إلى جوار ربها، هنا توقفت عن الكلام، وأخذت تجهش بالبكاء، مسكت يدها ضممتها إلى صدري، قلت لها أكملي يا حبيبتي، فقالت:
كنت صغيرة لم أتجاوز 7 سنوات، حينها شعرت بأن الحياة توقفت، والأنوار المضيئة انطفأت، شعرت أن الحياة ظلام دامس، فلن أرى أمي بعد هذا اليوم ولن يحتضنني صدر أحن من صدرها بعد الآن، حاول أبي أن يعوضني عن حنانها فلم يبق لي سواه، وفعلاً أعطاني كل وقته، واستمر ذلك عدة شهور ، حتى سرقته مني زوجته الآسيوية التي اقترن بها، فلم يعد أبي الذي أعرفه، فقد أصبح يبتعد عني، أما زوجة أبي فقد أصبحت تذيقني أصناف العذاب.
وصارت تنهال عليّ بالسب والإهانة والضرب لأتفه الأسباب، حتى أصبحت عدوانية كنت أضرب زميلاتي في المدرسة، لذلك كن يبتعدن عني، فلا صديقة لي أشكو لها همي، وأصبحت انطوائية، لا أحدث أحدا، ولا أشكو همي لأحد شعرت أنني معزولة عن العالم لا أحد يحبني أو يسأل عني.
ضحية وليست مجرمة
انتهت من قصتها، شعرت بأنها ضحية وليست مجرمة، فطفولتها هي السبب، وعدتها أن أكون لها كل شيء، وأن أقف إلى جانبها وألا أتنازل عنها على الإطلاق، وأن أعوضها عن كل شيء، فوعدتني أن تنسى طفولتها وأن تبدأ صفحة جديدة من حياتها ملؤها الحب والحنان والعطف.
مضت أيام قليلة فقط حتى عادت إلى ما كانت عليه، حاولت أن أعيدها إلى صوابها أن أذكرها بوعدها لي من دون جدوى، قلت في نفسي لعلها تتغير مع الأيام، لعل الطفل يعيد لقلبها العطف والحنان اللذين افتقدتهما وهي طفلة صغيرة، فما عادت ولم تتغير، رزقنا الله مولوداً آخر فاستمرت على النهج نفسه.
ورزقنا الثالث والرابع والخامس والسادس بلا جدوى، بل ازدادت عدوانية وشراسة، وحولت البيت إلى نار مشتعلة وأخذت تضربني وتضرب أبنائي لأتفه الأسباب.
مرت 18 عاماً تحملتها قسوة وإهانة ذقت معها صنوفاً من العذاب والإهانة والضرب، كانت تضربني وتشتمني أمام أبنائي، كنت أخفي ما تفعله زوجتي معي على أقرب الناس إليّ، ولم أكن أجرؤ على البوح لأحد به، وأدعو لها في صلاتي أن يهديها ربي لتعود إلى رشدها، أما فكرة تطليقها فنازعتني باستمرار إلا أنني كنت أعدل عن الفكرة لحبي الشديد لأبنائي الذين لا ذنب لهم.
أصبحت على يقين بأن الحياة معها مستحيلة وان قرار تطليقها هو القرار السليم، وفي أحد الأيام انهالت عليّ بالضرب أمام أبنائي فطلقتها بالثلاثة وخرجت من البيت.
ثلاث سنوات مرت بعد تطليقها من دون أن تسمح لي برؤية واحد منهم، والذين لأجلهم تحملت كيدها وإهانتها، حاولت خلسة أن أراهم، أن أسمع صوتهم، لكنها كانت تقف سداً منيعاً بيني وبينهم، أصبحت أراهم في منامي، ألمح طيفهم في مخيلتي، فأرى ابتسامة الصغيرة واحتضن ابني الكبير الذي أصبح في ريعان الشباب .
وبحاجة لتوجيهات ونصائح الأب، حاولت عن طريق أقاربها إقناعها بأن أرى أبنائي بلا جدوى ثم قررت رفع دعوى حضانة أبنائي في المحكمة، استمرت لأشهر عدة، حتى أيقنت المحكمة أن الأم لا تصلح لحضانة الأولاد وحكمت لي بحضانتهم، وها هم أبنائي أحبائي في كنفي الآن، ليس لي بعد الله غيرهم.
زوجة غير صالحة
يقول علي هارون الشريف موجه أسري إن مثل هذه الزوجة لا تصلح لبناء أسرة مستقرة، لأن أساس استقرار الأسرة المودة والرحمة، لقوله تعالى: «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون» صدق الله العظيم.
فالمودة عندما تختفي من حياة الأسرة تقضي على أركانها وتهدمها، والإسلام نظم حياة الأسرة في الإسلام ووضع روابط وحقوقاً وواجبات للزوج والزوجة ليلتزما بها من أجل بناء أسرة مستقرة متماسكة لأن الأسرة نواة المجتمع، فالأسرة المستقرة تعني مجتمعاً مستقراً وآمناً.
أما عن نشوز الزوجة وضربها لزوجها فهذه مصيبة كبرى، فالزوجة الناشز حرم الله عليها الجنة، فكيف إن كانت تؤذي زوجها وتضربه وتهينه أو يعلو صوتها فوق صوته، فهذا أشد من النشوز، والله جعل الطلاق، وهو أبغض الحلال، علاجاً لبعض الحالات الاستثنائية التي لا يمكن معها استمرار الزواج وما فعله الرجل كان عين الصواب. على الرغم من انه جاء متأخراً.
فراس العويسي: