ظهرت تداعيات الأزمة المالية التي تعانيها حكومة (حماس) في الشارع على هيئة تمرد وسط قوات الأمن الفلسطينية، حيث اقتحم عشرات من عناصرها الملثمين مبنى حكوميا وسدوا الطرق في قطاع غزة لمطالبة الحكومة بسداد الرواتب المتأخرة، وسط تهديدهم بتعطيل كل المؤسسات الرسمية في وقت وعدت روسيا بتقديم مساعدات مالية عاجلة إلى السلطة الفلسطينية التي طالبت على لسان وزير الخارجية محمود الزهار، جامعة الدول العربية بتنفيذ التعهدات التي قطعتها قمة الخرطوم لجهة توفير الدعم المالي الموعود، وهو ما وجدت فيه الدول العربية منفذاً للضغط على الحركة بمطالبتها ب«الاعتراف بمبادرة السلام العربية التي أقرتها قمة بيروت».

وردد المحتجون في وسط مدينة خانيونس عبارات تطالب مسؤولي «حماس» بدفع الرواتب أو الذهاب إلى منازلهم، في رسالة إلى حركة (حماس) في أكبر مظاهرة من نوعها منذ تولي الحركة الإسلامية السلطة في الشهر الماضي بعد فوزها في الانتخابات في يناير.

واقتحم رجال الأمن وبعضهم يطلق النار في الهواء مبنى حكوميا واحتلوه لفترة قصيرة ودخلوا المكاتب وأجبروا العاملين على مغادرتها كما أغلقوا طريقا رئيسيا يؤدي إلى رفح التي تقع في الجنوب على الحدود مع مصر، وينتمي كثير من المتظاهرين إلى حركة «فتح».

وقال أبو محمد زعيم المتظاهرين: «الاقتصاد أصيب بالشلل لا يمكننا الشراء حتى من البقالة لأنه لن يبيع لنا أحد أي شيء على الحساب سائقو سيارات الأجرة لن يقوموا بتوصيلنا لأننا ليس لدينا نقود»، محذراً من أن «هذه هي الخطوة الأولى فقط»، منذراً بتصعيد الاحتجاجات يوم غد (الاثنين) بإغلاق الوزارات والمؤسسات الإدارية والشوارع الرئيسية.

وطالب الناطق باسم عناصر الأجهزة الأمنية في محافظات جنوب غزة رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية الوفاء بالتزاماته تجاه أبناء الشعب الفلسطيني وخاصة أفراد أجهزة الأمن الذين تتأخر عملية استلام رواتبهم، بقوله: «عليك الوفاء بالتزاماتك تجاه الشعب الذي يتعرض إلى القهر والجوع».

وأكد «أبو محمد» على رفض أبناء الأجهزة كل أشكال الفلتان الأمني، والضغوطات الدولية الممارسة على الشعب الفلسطيني، مضيفاً «ولكن على الحكومة أيضاً مراعاة أوضاعنا، فأطفالنا ينتظرون لقمة العيش منا»، مشيراً إلى أن عائلات الشهداء والأسرى تعتمد على الرواتب وجميعها مهددة بالضياع.

ونفى قائد التمرد الذي دام ساعتين أي علاقة تربطهم بالفصائل والأذرع العسكرية المقاومة قائلاً:«هذه التظاهرة شارك فيها أبناء الأجهزة الأمنية من الشرطة والأمن العام والوقائي والاستخبارات والمخابرات وحتى حرس الرئيس الخاص، ولا تربطنا أية صلة بالأذرع العسكرية».

وعلى الجانب المقابل، قال وزير المالية الفلسطيني عمر عبد الرازق الذي ينتمي لحماس في قناة «الجزيرة» الفضائية إنه أصيب بالفزع والدهشة لاحتجاج خانيونس.

وقال إن الجميع يعلمون أن الأزمة النقدية هي نتيجة للعزلة الظالمة التي فرضت على الشعب الفلسطيني والحكومة الفلسطينية، وأضاف أن «الجميع يعلمون أن الحسابات خاوية وليس لدى الحكومة مبالغ كافية لسداد الرواتب».

وتابع عبد الرازق وهو يتهم الولايات المتحدة بشن «حرب اقتصادية» على الحكومة الفلسطينية أن «حماس« لن تجبر على تقديم تنازلات سياسية وأعرب عن أمله في أن ترسل الحكومات العربية مساعدات مالية قريبا، إلى ذلك، أبدت وزارة الداخلية الفلسطينية قلقها من مخططات تخريبية تطال البنوك والمؤسسات ومن بينها المستشفيات والمراكز الصحية.

وقال الناطق باسم الوزارة خالد أبوهلال في مؤتمر صحافي عقده في غزة: «وصلتنا معلومات باستغلال البعض لعدم صرف الرواتب بتحريض الأجهزة الأمنية الفلسطينية لمهاجمة البنوك والمستشفيات والمؤسسات بهدف التخريب».

وأضاف أنه «على الرغم من هذا التحريض المجرم والخطير بحق شعبنا وإثارة الفتن والذي يتزامن مع جرائم الاحتلال نؤكد على تفهمنا للحاجة الماسة للرواتب ولكن يجب أن نفهم أن البعض يحاول معاقبة شعبنا على خياره الديمقراطي وانحيازه نحو شرعية المقاومة».

وقال أبوهلال: «من يمتلك القدرة على التخريب والتكسير فليذهب لمواجهة الاحتلال وهو السبب في كل ما نعانيه من حصار وإغلاقات وتأخر في الرواتب وليس مؤسساتنا ومقراتنا» وحذر الجهات التي وصفها بـ «المشبوهة والمجرمة التي تعمل على تحريض الشارع« من «اللعب بالنار«ولقد ولى زمن التستر بسلاح المقاومة».

وأمام هذا الوضع، كشفت روسيا عن أنها وعدت بتقديم مساعدات عاجلة إلى السلطة الفلسطينية، وقال بيان لوزارة الخارجية الروسية إن العرض الروسي جاء خلال محادثة هاتفية مساء الجمعة بين وزير الخارجية سيرغي لافروف ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبومازن).

أما في القاهرة، فطلبت الدول العربية من الحكومة الفلسطينية التي شكلتها حركة (حماس) الاعتراف بمبادرة السلام العربية التي أقرتها قمة بيروت في العام 2002، في حين قاطع المسؤولون المصريون وزير الخارجية الفلسطيني الجديد محمود الزهار متعللين بـ (ضيق الوقت) وبوجود ارتباطات لديهم.

وقال الزهار: «كل المداخلات (التي استمعت إليها خلال اللقاء مع السفراء) تحدثت عن المبادرة العربية وأهميتها وأهمية أن نبقى في المظلة العربية». وأضاف أن «لدى إخواننا العرب نية حقيقية لدعمنا ولكن علينا أن نوفر آليات تضمن الشفافية».

وردا على سؤال عن موقف «حماس» من الاعتراف بإسرائيل وما إذا كانت بالفعل تبحث تنظيم استفتاء شعبي حول ذلك، قال الزهار «الثوابت لا يتم الاستفتاء عليها». وتساءل: «ما المطلوب منا الاعتراف به... إن إسرائيل لم ترسم حدودها» كما أن القوى السياسية الإسرائيلية» من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار متفقة على أن القدس هي العاصمة الأبدية لإسرائيل وغير وارد على الإطلاق أن نربط الاعتراف بالاستفتاء».

غزة ـ ماهر إبراهيم:القاهرة ـ البيان