يشهد حقل طب الأسنان على المستوى العالمي حاليا تغيرات كبيرة على صعيد فلسفته التي كانت في حقب سابقة تعتمد على المنطق العلاجي، في حين أن التحولات الراهنة أخذت تتجه نحو اعتماد البرامج الوقائية على حساب العلاجية التي تشكل عبئا ثقيلا على كاهل ميزانية الدول.
وانطلاقا من سعي دولة الإمارات للحاق بركب الدول المتقدمة في جميع الميادين فقد نجحت إدارة طب الأسنان في وزارة الصحة في صياغة وإعداد برنامج وقائي واعد يمكن أن يسهم في القضاء على مشكلة تسوس الأسنان بنسبة قد تصل إلى أكثر من 75 في المئة إذا ما طبق بصورة صحيحة كما قال الدكتور إبراهيم عرب مدير الإدارة المركزية لطب الأسنان في وزارة الصحة الذي أكد تعرض البرنامج الوقائي الذي يجري تنفيذه إلى معوقات كبيرة تهدد نجاحه متمثلة في تدخل بعض مديري المناطق الطبية بصورة غير فنية في عمل الاختصاصيين الذين يشرفون على تنفيذ البرنامج انطلاقاً من هاجس يتمحور في الخوف على الصلاحيات التي قد يحصل عليها المشرفون لدى الموظفين العاملين تحت إمرة المديرين المذكورين، كما أن سيادة الفلسفة العلاجية لدى بعض العاملين في مجال طب الأسنان، وعدم قناعتهم بأهمية الوقاية في طب الأسنان يهدد نجاح البرنامج.
وعلى صعيد البرنامج ذاته أكد الدكتور عرب بأنه يأخذ في إمارة الشارقة منحى ايجابيا للغاية بفعل الدعم الكبير الذي يتلقاه من الجهات المعنية وتضافر مختلف مؤسسات المجتمع المؤمنة بأهمية البرنامج. حيث أكدت مريم فوزان مديرة روضة السندس في الشارقة بأن البرنامج الوقائي الذي تطبقه الروضة بالتعاون مع وزارة الصحة نجح في القضاء على التسوس بنسبة 80 في المئة بعد أن كانت تبلغ النسبة قبل بدء تنفيذ المشروع 50 في المئة بين الأطفال في الروضة.
برنامج وقائي ضروري
اللقاء مع الدكتور إبراهيم عرب مدير الإدارة المركزية لطب الأسنان في وزارة الصحة كان ضرورياً للوقوف على طبيعة البرنامج الذي تنفذه الوزارة، وأهميته والعوائق التي تقف في طريق تحقيق أهدافه.. وأشار إلى أن الوزارة باشرت في تطبيق برنامج طب الأسنان الوقائي قبل خمسة أعوام انسجاماً مع التطورات العالمية التي شهدت تغيراً في فلسفة علاج الأسنان حيث أصبحت تركز على الجانب الوقائي تقليصاً للنفقات الضخمة التي يتم تخصيصها للجانب العلاجي، وفي ضوء تخلي الكثير من الدول عن مسؤولياتها في العلاج المجاني للأسنان انطلاقا من نجاحها في تنفيذ برنامج وقائي في صفوف قطاعات مختلفة من المواطنين، وأشار الدكتور عرب إلى أن تنفيذ الوزارة لهذا البرنامج يأتي في ذات السياق العالمي هذا بهدف تخفيف الأعباء المالية عن كاهل الوزارة لجهة مصاريفها على الجانب العلاجي، ولتحقيق التوازن بين الجانبين العلاجي والوقائي.
وحول ماهية البرنامج قال بأنه في جوهره برنامج توعوي يقوم على توضيح وشرح الإجراءات والسلوكيات المطلوب القيام بها من قبل الأمهات والأطفال وطلاب المدارس لرعاية أسنانهم وحمايتها من التسوس.. مشيراً إلى أن البرنامج ينقسم إلى ثلاث مراحل.. تقوم الأولى على الاهتمام بالأم الحامل وطفلها في رياض الأطفال وحتى سن 13 عاماً، فيما خصصت المرحلة الثالثة للأطفال من سن 13 وحتى الـ 18 عاماً..
عقبات التنفيذ
وحول العقبات التي تواجه تنفيذ البرنامج في المناطق المختلفة.. أكد الدكتور عرب بأن أبرزها يتمثل في تدخل بعض مديري المناطق الطبية في عمل المشرفين على البرنامج والذي يأخذ طابعاً غير فني كونهم غير مؤهلين طبياً، ولا يمتلكون سوى مؤهلات إدارية لا تخولهم مثل هذا التدخل الأمر الذي يعيق نجاح البرنامج كما حدث في إمارة عجمان التي شهدت تعثراً للبرنامج بسبب تدخل مدير المنطقة الطبية هناك في عمل المشرفين على البرنامج والذي يأتي ربما انطلاقا من الخوف على الصلاحيات التي قد تسحب منه لصالح المشرفين على البرنامج.
وأضاف بأن هناك صعوبات أيضا في الحصول على دعم من الشركات الخاصة العاملة في مجال طب الأسنان انطلاقا من تناقض البرنامج الوقائي مع مصالح هذه الشركات، مشيرا إلى أن العقبات الأخرى تتمثل في سيادة الفلسفة العلاجية في طب الأسنان لدى البعض وعدم قناعتهم بأهمية الجانب الوقائي.. وأبرز مثال على ذلك توريد 10 وحدات لطب الأسنان العلاجي في أحد المناطق الطبية مع عدم توفير أي وحدة موازية للطب الوقائي، إضافة إلى تخصيص موازنة كبيرة للطب العلاجي مع اهتمام محدود بموازنة الطب الوقائي.
وحول الشروط المطلوب توفيرها للبرنامج الوقائي في طب الأسنان لتحقيق نتائج متميزة، أوضح بأن البرنامج يحتاج إلى نوعين من الدعم «مادي وسياسي».. حيث يجب توفير الإمكانات اللازمة له من خلال التنسيق بين مختلف الإدارات ذات العلاقة والتواصل مع القطاعات الإعلامية المختلفة، وتوفير القوى العاملة لبرنامج الوقاية من المثقفين الصحيين والأطباء والممرضين، كما يجب منح المسؤولين عن برامج الوقاية في الوزارة والمناطق المختلفة الصلاحيات اللازمة لاتخاذ القرارات وتنفيذها، وإيجاد نوع خاص من التوازن بين طب الأسنان الوقائي والعلاجي.
الدكتورة مي أحمد النظيف المشرفة على تنفيذ البرنامج من قبل الوزارة أكدت بأن البرنامج لا يجري تطبيقه بصورة مرضية إلا في إمارة الشارقة بسبب وجود تفاهم وتعاون كامل بين مختلف مؤسسات المجتمع المعنية التي تحمل جميعها قناعة أكيدة بأهمية الطب الوقائي في القضاء على مشكلة تسوس الأسنان، مشيرة إلى أن هذا النجاح دفع الدكتور «هيكي تالا» خبير منظمة الصحة العالمية خلال زيارته للدولة إلى القول بأن مشروع الشارقة لصحة الفم والأسنان أكبر وأشمل برنامج وقائي، وأنه يحتوي على عناصر البرنامج الناجح، وبأنه يجب أن يكون المثال الذي يحتذى به في الشرق الأوسط ودول العالم الثاني والثالث.
معطيات التنفيذ
وحول المعطيات الخاصة بتنفيذ البرنامج في المناطق الأخرى قالت الدكتورة «مي النظيف» إن إدارة طب الأسنان في الوزارة جاهزة تماماً لتنفيذ البرنامج الوقائي في مختلف المناطق، إلا أن واقع الحال في المناطق الطبية المختلفة ( عدا الشارقة ) يشير إلى عدم جاهزية المناطق لتنفيذ البرنامج لجهة الخطة والتدريب وتوفير المواد المطلوبة، موضحة بأن الإمكانية الوحيدة المتوفرة لتطبيق البرنامج تكمن في المرحلة من 6 إلى 13 سنة والتي كانت بداية تطبيقها في منطقتي أم القيوين وعجمان حيث توقف العمل في البرنامج في منطقة أم القيوين في منتصف العام الماضي، وخرج من دائرة إشراف إدارة طب الأسنان في الوزارة بموجب خطاب رسمي من مدير المنطقة الطبية طالباً عدم التدخل في صلاحياتهم، وتلا ذلك خروج منطقة عجمان من دائرة إشراف الوزارة في إطار تنفيذ البرنامج الوقائي لأسباب أشار إليها الدكتور عرب مدير الإدارة المركزية لطب الأسنان.
وأضافت الدكتورة «مي النظيف» بأن البرنامج توسع ليشمل مناطق رأس الخيمة والفجيرة. وفيما يتعلق بواقع البرنامج في دبي أكدت عدم وجود أية معلومات لدى الإدارة بشأن تطبيقاته فيها.
مرحلة رياض الأطفال
وعلى صعيد تطبيقات البرنامج في مرحلة رياض الأطفال قالت الدكتورة مي النظيف إنه مطبق في إمارة الشارقة مع وجود إمكانية لإدخاله في كل من دبي ورأس الخيمة والفجيرة وفيما يخص مرحلة الأمومة والطفولة من البرنامج أشارت إلى وجود (أنشطة) فقط في إمارة الشارقة على هذا الصعيد دون وجود برنامج مطبق في أي من إمارات الدولة لهذه المرحلة، لأن تطبيقه يحتاج إلى فريق عمل وتعاون كبير بين جميع الجهات المعنية، موضحة بأن برنامج طب الأسنان الوقائي إجمالاً لا ينجح بفرد ولا يفشل بفرد بل يجب أن تساهم فيه كل مؤسسات المجتمع.
وأشارت إلى وجود 2230 طفلاً في رياض الأطفال في دبي ينبغي أن يشملهم البرنامج الوقائي، مؤكدة إنجاز إدارة طب الأسنان لدورها في تدريب طاقم تمريض الصحة المدرسية، وهيئة التدريس في رياض الأطفال، كما تم إخضاع الأطباء والمشرفين على البرامج الوقائية لورش عمل خاصة، الأمر الذي يجعل الكرة في ملعب منطقة دبي الطبية.
وفي منطقة عجمان أشارت الدكتورة النظيف إلى وجود 1179 طفلاً في رياض الأطفال ينبغي أن يطبق عليهم البرنامج مع تأدية إدارة طب الأسنان في الوزارة لما هو مطلوب على هذا الصعيد، مع عدم قيام المعنيين في المنطقة بأي دور على هذا الصعيد.
أما في منطقة أم القيوين فيبلغ عدد الأطفال في رياض الأطفال الذين يجب أن يشملهم البرنامج 493 طفلاً ولم تبدأ المنطقة بعد بتنفيذ البرنامج الذي ينتظر أن يجري تنفيذه قريباً، وكذلك الحال في منطقة الفجيرة حيث من المنتظر أن يشمل البرنامج الذي لم يبدأ بعد 991 طفلاً. وفي رأس الخيمة يبلغ عدد الأطفال الذين ينتظر أن يشملهم البرنامج الذي لم يبدأ بعد 2922 طفلاً.
الشارقة مثال يحتذى
الدكتورة رغدة محمد إحدى قدامى الطبيبات العاملات في المشروع أشارت إلى أن الاجتماعات المتعددة بين إدارة طب الأسنان المركزية في وزارة الصحة ومنطقة الشارقة التعليمية نتج عنها الاتفاق على وضع برنامج وقائي للعناية الذاتية بالأسنان وبدأ التنفيذ في العام الدراسي 1995- 1996 في رياض الأطفال والصف الأول الابتدائي على أن يضاف إليه في كل عام فصل دراسي جديد حتى يصل إلى سن 18 عاماً، مشيرة إلى أن خطة البرنامج تتضمن إحصائيات عن نسب التسوس سنوياً ومعلومات عن البرامج الوقائية المختلفة ونشر الوعي الصحي بين تلاميذ المدارس والأهالي عن طريق الدروس والمحاضرات وتوزيع الكتيبات والمنشورات الصحية وغيرها من وسائل الإعلام.
وحول انجازات المشروع منذ بدء انطلاقته أشارت الدكتورة رغدة محمد إلى أن النتائج أكدت ارتفاع نسبة الوعي لدى التلاميذ والأهالي أكثر من 80 في المئة عما كانت عليه في بداية المشروع، كما انخفضت نسبة التسوس إلى أكثر من 20 في المئة عما كانت عليه في بداية المشروع، موضحة أن المشروع في عامه الأول أخذ صفة وقائية واكتمل ليشمل الجانب العلاجي في العلاج منذ عامه السادس باستخدام حشوات الـ A.R.T.
وعن المشروع في عامه العاشر قالت الدكتورة دينا ياسين إحدى أبرز العاملات فيه إن البرنامج الذي بدء العمل فيه في مطلع شهر أكتوبر من العام الماضي في مراكز المشروع والحمرية الصحي وأسنان كلباء شمل 36 مدرسة مع بقاء مدرسة واحدة لم يشملها البرنامج حتى الآن حيث سيشملها البرنامج قريباً.
وأشارت الدكتورة دينا ياسين إلى أن عدد الطلاب الذين طبق عليهم البرنامج بلغ 974 طالباً، باستخدام 3217 حشوة مانعة للتسوس، و576 حشوة علاجية، موضحة بأن المعاينة أشارت إلى أن عدد الأطفال المصابين بالتسوس بلغ 289 طالباً.
«السندس» دليل نجاح
توجهنا في جولة ميدانية إلى روضة السندس في مدينة الشارقة التي طبقت البرنامج للوقوف على النتائج.. والتقينا «مريم فوزان» مديرة الروضة التي أكدت ومنذ البداية بأن أكثر من 50 في المئة من الأطفال في الروضة كانوا يعانون من مشكلة تسوس الأسنان قبل الشروع في تطبيق البرنامج الوقائي في شهر ديسمبر من العام الماضي والذي انطلقت فعالياته تحت شعار (سندس بلا تسوس)، مشيرة إلى أن النسبة انخفضت بصورة كبيرة حيث تبلغ نسبة الأطفال الذين لا يعانون من التسوس حاليا حوالي 80 في المئة فيما يحتاج 20 في المئة منهم إلى علاج لدى طبيب الأسنان. وحول البرنامج الذي تطبقه الروضة..
قالت فوزان إنه برنامج يهتم بصحة الفم والأسنان بالتنسيق مع وزارة الصحة، ويتضمن الرعاية الصحية للأطفال، والتي تشمل الوقاية وتقديم العلاج البسيط، موضحة أن البرنامج يهدف إلى مكافحة أمراض الأسنان السارية في الروضة، ورفع درجة الوعي الصحي لدى الأطفال وأولياء الأمور، وإكساب الأطفال السلوكيات والمهارات للمحافظة على صحة الأسنان ومحاربة العادات السيئة التي تشكل خطراً عليها، وأشارت إلى أن إجراءات تنفيذ البرنامج تقوم على التنسيق مع وزارة الصحة، وتجهيز المكان المناسب لفحص الأسنان في العيادة المتنقلة ثم تصنيف الحالات والبدء بوضع خطة للعلاج، وإعداد خطة لفعاليات البرنامج التي تتضمن محاضرات وندوات عن صحة الفم والأسنان لأولياء الأمور، وتجهيز قصص كرتونية تجعل الأطفال يقبلون على الاهتمام بصحة أسنانهم.
تحقيق : خالد اللوباني