تلعب الكوادر الوطنية المؤهلة والاختصاصية دوراً رائداً في الارتقاء بالخدمات التي يقدمها مركز دبي للتوحد الذي أنشئ بمرسوم صادر عن المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم ـ رحمه الله ـ في 18 نوفمبر 2001، كمركز خيري يندرج ضمن مؤسسات النفع العام في الدولة، ويترأس مجلس إدارته سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم.
وتأسس المركز انطلاقا من رسالة الإسلام السماوية الخالدة وتحقيقاً لأهدافه الإنسانية النبيلة وتجسيداً لقيم ومعاني التكافل والتآزر والترابط، ومن هنا كانت البداية وتحقق الحلم الذي طالما راود آباء وأمهات الأطفال المصابين بالتوحد.
يقدم مركز دبي للتوحد خدماته التربوية للأطفال المصابين بالتوحد حيث يضم واحداً وأربعين طالبا وطالبة تتراوح أعمارهم ما بين ثلاث سنوات إلى خمس عشرة سنة، سبعة عشر طفلا منهم من مواطني دولة الإمارات، وسبعة أطفال من المقيمين العرب، وسبعة عشر طفلاً من جنسيات مختلفة.
وانطلاقا من حرصهم على توطين الكوادر البشرية سعى أعضاء مجلس إدارة مركز دبي للتوحد ومنذ تأسيسه لاستقطاب وتأهيل الكوادر الوطنية لعلمهم بمدى أهمية رفد قطاع العمل مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة بكوادر وطنية اختصاصية ومؤهلة ولتسليط الضوء على الدور الفاعل الذي تلعبه هذه الكوادر في دفع عجلة التطور في التربية الخاصة أسوة بإخوانهم من أبناء الدولة في مختلف قطاعات العمل، التقينا محمد العمادي مدير عام المركز وعضو مجلس إدارته فقال: «إن أحد أولوياتنا في مركز دبي للتوحد توفير الفرص لأبناء الوطن في جميع مجالات العمل سواء على المستوى الإداري أو الفني التعليمي، ومما لا شك فيه أن دعم هذه الكوادر يتماشى مع ما يسعى إليه صانعو القرار في دولتنا العزيزة كما يدعم توظيف كوادرنا الوطنية بصورة عامة».
علم نفس أم طب؟
أما سارة باقر منسقة الدعم الأسري في المركز والاختصاصية في علم نفس الطفولة، فقالت: «في البداية لم يكن في مخيلتي أبدا أن أدرس هذا الاختصاص فقد كان حلمي أن أكون طبيبة أسنان لكن بسبب طول فترة الدراسة وبسبب تسجيلي لمادة اختيارية في مجال علم النفس، كان ذلك الباب الذي أدى إلى حبي لهذا الاختصاص، وبعد أن أنهيت دراستي اقتضت ظروفي العائلية التفرغ لتربية أبنائي فلم أعمل بهذا المجال إلى أن كبر أطفالي وأحسست أن من واجبي أن أخدم وطني، وهؤلاء الأطفال الذين تعرفت على مشكلتهم من خلال عملي وخبرتي البسيطة معهم في أميركا فعملت كمتطوعة في مركز دبي للتوحد، لقد عايشت مشاكل أطفال تلك الإعاقة ومشاكل ذويهم فكنت حلقة الوصل بين الكادر من جهة وبين الأهل من جهة أخرى.
وأضافت نحن نعمل في مركز دبي للتوحد كفريق واحد يعرف كل واحد منا واجباته بحيث تلتقي الخبرات فتصب في بوتقة واحدة تسخر لخدمة الأطفال بالدرجة الأولى، وقد لمست ذلك من خلال عملي في لجنة التشخيص حيث التقي الأهل منذ البداية فاستشعر ألمهم وأحاول التخفيف عنهم وتوجيههم حسب استبيان خاص يتم تعبئته من قبل الأهل بهدف تلمس المشكلة الأساسية وإجراء التحويل اللازم حسب الحاجة سواء إلى الاختصاصية النفسية أو اختصاصي النطق أو العلاج الوظيفي والحركي، والذين يقومون بدورهم بإجراء التقييم الشامل للوصول إلى النتيجة النهائية وبعد تحديد التشخيص تبدأ رحلتي مع الأسرة في سبيل التخفيف عنها ودعمها معنويا ومتابعتها من خلال الإطلاع على سير العمل التعاوني بينهم وبين مدرسة الفصل، وأضافت قائلة «أن مجال التوحد مجال شيق وآمل أن أستطيع متابعة دراستي هنا داخل الإمارات لكي أصبح أكثر اختصاصاً وبالتالي أكون قادرة على إعطاء المزيد».
ماجستير تربية خاصة
ثم التقينا رابعة السميطي والحاصلة على ماجستير في التربية الخاصة من جامعة بريستول في بريطانيا، فقالت «تعرفت على التوحد عن طريق الصدفة وأنا أبحث في موضوعات تربوية بالجامعة خلال دراستي للتربية، لقد كنت في الدفعة الأولى للجامعة ولأنني أحببت الاختصاص فقد قامت عميدة الكلية بعمل جميع التسهيلات لي كي أستطيع إكمال متطلباته من خلال نظام التعليم الذاتي، ولأنني أحببت مجال التوحد فقد سعيت جاهدة لتدريب ذاتي بذاتي من خلال العمل في مراكز معينة وتحت إشراف أناس ذوي خبرة، كان لهم أكبر الأثر في إغناء تجربتي وبعد التخرج عملت في مركز دبي للتوحد ولأن وطني الإمارات يسعى دائما لتطوير أبنائه ودعمهم فقد استطعت إكمال الماجستير في التربية الخاصة في بريطانيا من خلال منحة من برنامج «إعداد» الذي يرعاه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وبالطبع عدت لأخدم وطني وأبناءه في مركز دبي للتوحد، لم تكن التجربة سهلة فقد واجهتني صعوبات شتى أهمها طريقة التعامل وبناء جسور الثقة بيني وبين المصابين بالتوحد الذي يعيشون عالمهم الخاص ولكن قمة المتعة أن أستطيع مساعدة الأهل وأن أدعمهم خصوصا من خلال عملي في برنامج التدخل المبكر، وأريد أن أركز على أهمية هذا البرنامج بالنسبة للمصابين بالتوحد حيث يساعد في ظهور نتائج إيجابية وتطور ملحوظ مع وجود المتابعة اللازمة من قبل الأهل وإشراكهم بالعملية التدريبية.
ماجستير العلاج الحركي
وقالت سارة المرزوقي اختصاصية العلاج الحركي الحاصلة على الماجستير في علم النفس التربوي من جامعة بريستول في بريطانيا «لقد اخترت هذا الاختصاص بناء على ميولي ورغبتي في دراسة علم النفس والتعمق فيه، لم يكن لدي أدنى فكرة عن التوحد إلا بعد تنقلي بين المراكز للتدريب فكانت فرصتي للتعرف عليه خاصة بعد تدريبي في مستشفى الأمل فكان من أهم الصعوبات التي واجهتني هي عدم تشجيع الأهل ودعمهم لي حيث أنني لم ألق الدعم الكافي لدراسة هذا المجال وذلك بسبب عدم دراية أهلي بهذا الاختصاص وواجهتني صعوبة أخرى كانت تتمثل في كون دراسة علم النفس عامة ولم يكن لها كوادر فنية اختصاصية ذات كفاءة عالية، وبعد عودتي من بريطانيا تحقق حلمي في أن أكون أكثر اختصاصاً في مجال التوحد بالذات، فتابعت عملي في مركز دبي للتوحد وأنا في قمة السعادة لأنني أستطيع تقديم الكثير لهذه الفئة من أبنائنا، وأدعو المواطنين والمواطنات للإقبال على هذه الاختصاصات النادرة وأدعو الجهات المعنية للاهتمام أكثر في مثل هذه الاختصاصات في جامعاتنا وفتح فروع لعلم النفس أكثر اختصاصاً حتى لا يضطر أبناء الوطن للسفر للخارج للإلمام بمثل هذه العلوم.
وأضافت نحن نسعى جاهدين لرفع الوعي بهذا الاضطراب من خلال عمل محاضرات توعية في المراكز والمدارس المختلفة ولتشجيع المواطنين على دراسة مثل هذه الاختصاصات النادرة».
عمل بلا ملل
وفي أقسام التربية الخاصة في فصول الأطفال المصابين بالتوحد، وبين أربعة أطفال مع مدرسة أخرى، تارة مع طفل تساعده في برنامجه اليومي وتارة مع آخر تدربه على المهارات ما قبل الكتابية وتارة مع ثالث تدربه على المهارات الاستقلالية نرى جميلة الجوهري الحاصلة على بكالوريوس في التربية الخاصة من جامعة العين تعمل بدون كلل أو ملل، والتي علقت قائلة بان اختياري للعمل مع فئات الاحتياجات الخاصة، كان بسبب حبي وشغفي لهؤلاء الأشخاص ورغبتي الشديدة في العمل معهم. لذا اخترت دراسة اختصاص التربية الخاصة في جامعة العين، ومن ثم تخرجت والتحقت بمركز دبي للتوحد، لقد واجهت بعض الصعوبات في بداية عملي وكانت هذه الصعوبات متمثلة في صعوبة التعامل مع أطفال التوحد وصعوبة مواجهة سلوكياتهم الصعبة، وذلك لكوني خريجة جديدة تفتقر إلى الخبرة في التعامل مع هؤلاء الأطفال.
ولكنني أصررت على مواصلة العمل والتعلم واكتساب الخبرة قدر استطاعتي، فكنت أحاول أن أقرأ أكثر وأن أشاهد المزيد من الأفلام التعليمية التي زادت من معرفتي، وكذلك كلما تعاملت مع أطفال التوحد أكثر كلما زاد ذلك من خبرتي وقدرتي، كما أنني استفدت من وجود اختصاصيين في مختلف المجالات اجتمعوا ليكونوا ضمن فريق العمل في مركز دبي للتوحد، فكانت اجتماعاتنا ولقاءاتنا النقاشية سبباً في زيادة خبرتي ومعرفتي في مجال العمل مع أطفال التوحد، وساعدني ذلك في التعرف على المزيد من الخدمات المقدمة عالمياً للأفراد المصابين بالتوحد، من أصعب المشاكل التي تواجهنا في عملنا، تعديل سلوكيات الأطفال المصابين بالتوحد، والتي تحتاج إلى بذل الكثير من الجهد والصبر. وكذلك التعامل مع أولياء الأمور وإقناعهم بما يتماشى مع مصلحة أطفالهم.
وأضافت لقد وصلنا الآن إلى مستوى جيد في مركز دبي للتوحد بسبب وجود خبرات من مختلف المجالات وبسبب رغبة العاملين في المركز في خدمة هذه الفئة والوصول بهم إلى أفضل المستويات والخدمات التي يحتاج إليها الطفل والأسرة.
وقالت أحببت هذا العمل كثيراً، وأتمنى أن يزيد الإقبال عليه من المواطنات، وأعتقد بأنه يجب علينا أن نزيد الوعي باضطراب التوحد، وكذلك فتح الاختصاصات المختلفة في مجال التوحد والتربية الخاصة في جامعاتنا حتى يزيد الإقبال عليه من المواطنين.
بكالوريوس خدمة اجتماعية
وتقول سلوى الحامد معلمة التربية الخاصة والحاصلة على درجة البكالوريوس في الخدمة الاجتماعية: مازلت في البداية حيث إنني خريجة جديدة ولكني أشعر براحة في عملي مع تلك الفئة بسبب ما يقدمه لي المركز كادراً وإداريين من دعم مستمر وتدريب وأنا لست نادمة على اختياري للعمل مع تلك الفئة من الأطفال فهي فرصة جيدة لتزويدي بخبرة من النادر أن أجدها في مكان آخر.
أما سالم محمد خلفان الذي يعمل مندوباً للعلاقات العامة فقد كان مفعما بالنشاط والحماس للعمل في المركز مع ثقة عالية بالنفس من جراء الثقة التي منحه إياها القائمون على الإدارة لما تلمسوا فيه من القدرة والمثابرة فقال «أحب العمل في المركز وأحب العلاقة القوية التي تجمع بين الموظفين والإدارة والتعاون الذي أدى إلى تحقيق الأهداف في فترة زمنية قياسية وأمنيتي أن أرى المركز ينمو ويكبر وأن أطور ذاتي معه خطوة خطوة فكلي ثقة في أن مركز دبي للتوحد سيكون له مستقبل زاهر نظرا لما يلوح بالأفق من علامات مبشرة بإذن الله».
إن التنوع في العمل ما بين الأسرة والطفل والإدارة يجعلنا نشعر بأهمية الدور الذي يلعبه كادرنا الوطني في منشأة أريد لها أن تكون واحدة من أهم المراكز التي تعنى بالأطفال المصابين بالتوحد ليس على مستوى المنطقة فقط وإنما على مستوى العالم، وكعادتها دبي ترفدنا دائماً بأبنائها البارين الذين يسعون جادين للرفع من سوية الخدمات التي تقدم لفئة غالية على قلوبنا.
دبي ـ «البيان»: