اكتنف الغموض الأوضاع في تشاد أمس بعد اندلاع معارك عنيفة على مشارف العاصمة نجامينا بين الجيش ومتمردي الجبهة الموحدة للتغيير التي تسعى إلى قلب نظام الرئيس إدريس ديبي الذي أكد السيطرة على الوضع. وفيما اعتبرت فرنسا الوضع «مقلقا جدا ومرشحا للتصعيد» وانهمك رئيسها جاك شيراك في اتصالات مع ديبي ورؤساء دول إفريقية، طغى على المشهد اتهامات موجهة إلى حكومة الخرطوم بدعم المتمردين لكنها نفت ذلك.
وبدا الوضع يهدأ ظهر أمس في محيط نجامينا على ما أفادت مصادر متطابقة. وقبل ذلك كانت التقارير الصحافية الميدانية أفادت أن إطلاق نار بالأسلحة الثقيلة كان لا يزال يسمع متقطعاً في محيط العاصمة. وترددت أصوات إطلاق نار بالأسلحة الخفيفة في عدد من أحياء شمال المدينة. وكان مصدر عسكري تشادي أفاد أن المعارك اندلعت فجرا عندما بادر الجيش التشادي بشن هجوم في ضواحي نجامينا على المتمردين الذين وصلوا هناك مساء الأربعاء في أعقاب اختراق كبير حققوه انطلاقا من الحدود السودانية شرق البلاد. وبعد ليلة هادئة استيقظ سكان العاصمة التشادية باكراً جداً على تبادل للقذائف المدفعية التي تواصلت بكثافة قرابة الساعتين في المحيط الشرقي للمدينة.
وأكد مصدر عسكري ان بعض عناصر المتمردين تمكنوا من التسلل داخل العاصمة في حين أكد مسؤول عسكري تواجدهم في شمال شرق المدينة قرب مقر الجمعية الوطنية (البرلمان) موضحاً إنهم قلة. لكن الرئيس التشادي أدريس ديبي أكد في تصريح لإذاعة فرنسا الدولية ان الجيش قضى على أرتال المتمردين موضحاً ان «الوضع تحت السيطرة».وقال ديبي في اتصال مباشر أجرته معه الإذاعة من باريس «ان ارتال المتمردين دمرت كليا (..) والوضع تحت السيطرة تماما».
وأوضح مؤكداً أنه في قصره في نجامينا و«ليس هناك شيء، ليس هناك شيء إطلاقا (..)حصل إطلاق نار بالأسلحة الخفيفة قرب الجمعية الوطنية (البرلمان)، هذا كل شيء(..) رصدت ثلاث آليات ودمرت على الفور». وتابع ديبي «هناك فارون سيراً على الأقدام دخلوا (إلى العاصمة) وتم القبض عليهم ». ولاحظ المراسلون الصحافيون ان مروحيات وطائرات حربية فرنسية من طراز ميراج اف-1 كانت تحلق في أجواء العاصمة.
وبدا الوضع هادئاً تماماً بعيد العصر. وأعلن وزير الإدارة المحلية الجنرال محمد علي عبدالله في مؤتمر صحافي أمام مقر البرلمان الذي كان مسرحا لمواجهات «أن القوات الحكومية قامت بواجبها أمام المرتزقة الذين تحركهم قوات الخرطوم وأننا نسيطر على الوضع». وتابع وسط انتشار كبير لقوات الأمن على مدرج مقر البرلمان، حيث شوهدت جثث للمتمردين إلى جانب جرحى لهم «أن القتلى بالمئات في صفوف المتمردين وقد تم ضبط عتاد كبير». وأضاف الوزير «سنبقى يقظين لأن السودان يسعى إلى زعزعة الاستقرار».
واتهم وزير الخارجية التشادي احمد علامي أمس في القاهرة نظام الخرطوم الذي يشتبه بدعمه لحركة التمرد التشادية، بتنفيذ «اعتداء مبرمج» ضد بلاده. واثر لقاء في القاهرة مع نظيره المصري احمد أبوالغيط قال الوزير «لطالما قلنا إن اعتداء مبرمجاً ضد تشاد يتم التحضير له انطلاقا من الخرطوم». وأضاف «ما نعيشه حاليا في تشاد منذ 72 ساعة ليس سوى نتيجة استكمال هذه السياسة العدائية لنظام الخرطوم ضد تشاد».
وقال علامي ان نظام الرئيس السوداني عمر البشير يدعم المتمردين التشاديين ويستخدمهم «كوقود حرب» وهو ما يتناقض مع اتفاق وقع في طرابلس في الثامن من فبراير بين السودان وتشاد تعهد فيه الطرفان بعدم تدريب متمردين على أراضيهما، وبعدم قيام احدهما بعمليات عدائية ضد الآخر. ونفت الخرطوم على لسان مصدر بالجيش السوداني رفض الكشف عن هويته تقديم أي دعم للمتمردين التشاديين، مؤكدة في المقابل أنها طردت في بداية الأسبوع تشاديين من المعارضة المسلحة.
وقال المسؤول إن الخرطوم «لا تدعم أي طرف تشادي ولا علاقة لنا بما يجري هناك». وفي باريس أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية ان الوضع في تشاد «مقلق جدا ومرشح للتصعيد». وفي باريس أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية أن الوضع في تشاد مقلق جداً ومرشح للتصعيد وأضاف الناطق باسم الوزارة جان باتيست ماتيي «وجهت تعليمات للجالية الفرنسية بتوخي الحذر الشديد. المدرسة الفرنسية مقفلة حتى إشعار آخر». وقال المتحدث أيضاً «إن خطط توفير امن الجالية الفرنسية وغيرها من الجاليات المهاجرة محددة ويمكن تفعيلها في أي لحظة».
وكان تردد ان طائرات فرنسية قصفت مدنا شرق تشاد يسيطر عليها المتمردون ما أسفر عن سقوط عدد غير محدد من الضحايا المدنيين، لكن وزارة الدفاع الفرنسية نفت نفياً قاطعاً هذه العملية، مؤكدة ان «هذه التصريحات لا أساس لها من الصحة وتفتقر إلى الجدية». بيد أن الوزارة الفرنسية كانت أشارت في وقت سابق إلى ان طائرة «ميراج» فرنسية وجهت «طلقة تحذيرية صباح الأربعاء شرق نجامينا في منطقة كان يتقدم فيها رتل من المتمردين التشاديين باتجاه العاصمة».
وأفادت مصادر مقربة من الرئيس الفرنسي أمس أنه أجرى اتصالات عدة مع الرئيس التشادي وأنه يتشاور مع رؤساء دول افريقية لمناقشة الوضع في تشاد. وقالت المصادر إن شيراك نصح ديبي «بدعوة مجلس الأمن الدولي إلى الانعقاد للتذكير بمبدأ رفض الانقلابات المسلحة»، مذكراً بان فرنسا «تدين المحاولات الانقلابية». (وكالات)