رن جرس هاتف منزلي قبل الخامسة صباحاً فاستيقظت منزعجا.. تركني الاتصال المبكر أمام خيار واحد وهو ان أمراً مكروهاً وقع. على الفور تذكرت أولادي الذين يتلقون تعليمهم في دول بعيدة. لكن اتصالاتهم المستمرة معي كل يوم دحضت كل الافكار المتشائمة التي راودتني.. لم ينقطع رنين الهاتف.. تأكدت بما لا يدع مجالا للشك بأن من هو في الطرف الآخر بدا أكثر اصراراً على سماع صوتي.
في هذه الأثناء تحرك فضولي الصحافي بقوة اكثر لمعرفة ماذا يريد الشخص المتصل بالضبط.. تناولت السماعة بيد خائفة ومرتعشة بينما كانت أنفاسي تطلع وتهبط ثم قلت بصوت كمن يرغب في البكاء: ـ ألو .. ألو
ـ هذا منزل الصحافي.
لم ادعه يكمل باقي كلامه
نعم .. نعم أنا هو نفسه.
ـ مطلوب حضورك قبل شروق الشمس إلى إدارة السجن.
ـ قبل شروق .. قلتها مستغرباً.. لعل الداعي خير!!
ـ هذا هو ما أمرت ابلاغك به.
ـ لكن.. من فضلك..
لم يكن مستعداً لسماع المزيد مني فقد قطع الاتصال بطريقة توحي بأنه كان غاضباً من تأخري في الرد عليه.. على أية حال فالمحادثة ضاعفت من مخاوفي بل زادت من ضربات قلبي ونز العرق من جسمي فجلست على الكرسي المجاور للهاتف وأسندت وجهي إلى كفتي ورحت أفكر في أمور عديدة كلها سيئة. هممت بالاتصال ببعض الأصدقاء علهم يشدون من أزري لكن سرعان ما أهملت الفكرة حين خطر لي انه ربما في الأمر شيء لا ترغب سلطات السجن من احد الاطلاع عليه. توجهت إلى الله بصلاة ركعتين قبل أذان الفجر بثاً لطمأنينة في نفسي، ثم اتجهت إلى شماعة ملابسي وتناولت منها ما تيسر ثم غادرت المنزل في سيارتي متجهاً إلى مبنى إدارة السجن.. تركت السيارة خارجه ودخلت المبنى ماشياً.. بحكم عملي الصحافي اعرف دروب إدارة السجن جيداً. وأيضاً عدداً لا بأس به من العاملين فيه حيث أتردد عليهم دائماً بحثاً عن الأخبار عند وصولي الباب منعني الشرطي من مواصلة السير إلى داخل المبنى، قدمت له بطاقتي الصحافية. حاولت إقناعه بالكلام لكنه رفض السماح لي بالدخول وبدلا من ان يقدم لي تبريراً لذلك طلب مني الابتعاد.
اتجهت إلى مقعد خشبي قرب الباب لكن جلوسي عليه لم يدم طويلاً فقد توجهت إلى المسجد التابع لإدارة السجن لأداء صلاة الفجر.. وحينما عدت ادراجي لم أجد الشرطي الحارس للباب فتسللت إلى الداخل.. فوجدت جمعاً غفيراً من ضباط الشرطة وأفرادها في ساحة المبنى.. لكن لم اعثر بينهم على من اعرف.. ذهلت وقلت في نفسي،
من أين جاء كل هؤلاء؟
ـ استرعى انتباهي ان الجميع كانوا في عجلة من أمرهم.. فهم بين من يهرول أو يركض.. وقتئذ قفزت ثلة من رجال الشرطة إلى جوف حافلة ثم غادرت المكان.. ومجموعة صغيرة من الشرطة النسائية يبدو على أفرادها الإنهاك والخوف هي الأخرى كانت تتهيأ لركوب حافلة صغيرة الحجم.
تنامي القلق في نفسي.. أحسست في المكان ربما كان نتيجة خطأ.. وقع بصري على شرطي برتبة وكيل.. أسرعت إليه وبادرته بالتحية ثم عرفته بنفسي.. سألته ان كان على دراية بدواعي وجودي هنا في مبنى السجن.. أجابني:
ـ لا أدري.. لا أدري.
طلبت منه ان يسأل غيره لكنه اعتذر بأنه ليس لديه الوقت الكافي للقيام بتلك المهمة ثم انصرف عني.
ازداد قلقي.. خطر لي ان مغادرة المبنى والعودة إلى منزلي هو القرار السليم.. بالفعل فقد عيل صبري على الوقوف بلا جدوى.. وبدا لي ان المتواجدين في المكان هم وقتئذ منهكون بما هو أهم مني.. لكن الخروج من مبنى السجن لم يكن مقنعا لفضولي الصحافي ففضلت البقاء.. تناولت كرسياً بلاستيكيا من داخل إحدى الغرف وجلست عليه.. فجأة شاهدت شرطياً ينادي علي: الصحافي.. الصحافي
توجهت إليه مسرعاً بل راكضاً.. قلت الحمدلله فرجت.. الان سأعرف كل شيء.. قال حين وصلت إليه:
ـ هل لديك سيارة ام تركب معنا؟
ـ عندي سيارة.. لكن اريد ان اعرف إلى أين انتم ذاهبون؟
ـ الى أين انتم ذاهبون؟!
ـ من فضلك لا داعي للأسئلة الان أسرع فالوقت ليس في صالحنا.
ـ لكن هدفي هو الاطمئنان هل باستطاعة سيارتي الوصول إلى المكان الذي تقصدونه.
ـ اطمئنك بأن المكان ليس بالبعيد.. الان أرجوك اتبعنا بسيارتك إلى حيث نحن ذاهبون.
لم أر داعياً لمزيد من الحديث توجهت إلى سيارتي وتحركت خلف سيارة الشرطة لكن عبارة المكان ليس بالبعيد شغلتني كثيراً أثناء الرحلة عملت جاهداً لمعرفة المكان الذي نقصده .. بحثت في عبارة المكان ليس بالبعيد، حللتها بحثت في مضمونها .. بعثرت حروفها .. رددتها كثيراً .. ثم استعنت بكل الخرائط الجغرافية المدخرة في عقلي، لكن بدا لي انه من الصعوبة بمكان معرفة إلى أين هم ذاهبون.
مرت فترة زمنية تقدر بالنصف ساعة ونحن نسلك درباً جبلياً وعراً لكن أجزاء منه تم تسويتها ورشها بالماء حديثا أثار ذلك انتباهي:
ما آراه الآن هو دلالة واضحة، بأن مسؤولا كبيراً مر أو سيمر من هنا .. هكذا نحن دائماً لا نعبأ بالطرق إلا حين يطأها الكبار بأقدامهم أو سياراتهم.
في أحايين كثيرة كنا نبطئ السرعة مجبرين تفادياً للأغنام والحمير والجمال المنتشرة بكثافة في المنطقة التي يمر فيها الطريق حيث بعضها يرعى قريباً منه بما يجود بها عليها أصحاب السيارات .. لم يكن الغبار المتصاعد بكثافة جراء حركة السيارات بأفضل من الحيوانات السائبة فقد كان سببا في الحد من سرعة السيارات. بدا واضحاً اننا على وشك الوصول إلى نقطة النهاية.
فإلى جانب من الطريق تنتصب لوحة خشبية تساعدها أحجار ضخمة على الوقوف في مواجهة عوامل التعرية تحمل عبارة «خفف السرعة الميدان جهة اليسار» في غضون لحظات دخلنا الميدان .. هو مكان فسيح تنتشر على جنباته أعداد كبيرة من الشرطة لكن ليس من الواضح فهم ما يجري عليه حينما وصلنا كان الميدان يعج برجال الشرطة بعضهم يتولى تنظيم وقوف السيارات. أما في ناحية منه فيتواجد جمهور قليل العدد باللباس المدني لكن لا توجد مقاعد يجلسون عليها.. لاحظت ان الوجوه كلها يبدو عليها الرعب والخوف. بل تتصبب عرقاً. قبل الهبوط من سيارتي طلب مني شرطي إبراز هويتي ثم حدد لي مكاناً آخر للوقوف. اعترتني حالة من الارتباك فالصورة التي أراها أمامي ما تزال أكثر غموضاً لذلك فضلت البقاء داخل سيارتي ريثما تهدأ الانفاس.
وقتئذ كانت الشمس تتسلل من وراء الجبال في غفلة من الجميع مرسلة أشعة حارة.. قلت مخاطباً نفسي:
هذا يوم عجيب حتى الشمس ابت ان تجود علينا بأشعتها الفضية المريحة للنفس.. وبينما انا جالس داخل سيارتي شارد الذهن ومهموماً بما يدور حولي من تحركات لم أجد لها فهماً اقترب من سيارتي أحد رجال الشرطة وبيده عصا كالتي تستخدم في الرقصات الشعبية وطلب مني اصطحابه.. امتثلت لأمره وسرنا معاً إلى مكان آخر بالجانب الآخر من الميدان هناك فوجئت بوجود شخصيات مهمة هم قاضي ووكيل النيابة العامة، الواعظ الديني. طبيباً.. اعرفهم جميعاً لكن استقبالهم لي كان فاتراً مما يعني انشغالهم بما هو أهم مني.. وقتئذ كانوا مستسلمين لصمت غريب لا أحد يكلم الآخر، بل وجوههم توحي بأنهم يرزحون تحت وطأة متاعب فكرية جسيمة.. اقتربت من الواعظ الديني:
ـ من فضلك فضيلة الشيخ لماذا نحن هنا؟
ـ هل صحيح انك لا تدري؟
حقيقة فأنا لا أعلم سبب وجودي في هذا الميدان وان كنت قد سعيت مراراً لمعرفة ذلك بيد ان جميع الذين لجأت إليهم بدوا غير راغبين في مساعدتي.
ـ لا داعي للقلق فأنا أخبرك بأن وجودنا هنا جميعاً هو لنشهد تنفيذ حكم الإعدام في المرأة قاتلة زوجها.
انتابتني قشعريرة الخوف.. فلم أكن أتوقع ما حدثني عنه الواعظ.. أعرف كل وقائع الجريمة فقد كنت مكلفاً بمتابعتها صحافياً ولذلك حضرت جلسات محاكمة المرأة المتهمة بقتل زوجها.. قلت:
معنى ذلك انني أكمل اليوم آخر حلقات الجريمة، ترى ماذا تقول المرأة لو رأتني واقفاً في ساحة إعدامها بعدما شاهدتني زبوناً دائماً لجلسات محاكمتها.
ألتفت إلى الواعظ وسألته:
ـ إذا كانت الشرطة درجت على إرسال أخبارها جاهزة لوسائل الإعلام، فما الداعي لوجودي هنا؟
ـ حسب علمي فإن وجودك مهم بل هو يندرج ضمن إجراءات الإعدام، فالمرأة عندما أبلغتها إدارة السجن بموعد تنفيذه كان من مطالبها رؤية طفلها من زوج سابق وهو تلميذ في روضة للأطفال.
كما كان ضمن مطالبها مقابلة صحافي، لذلك كان من الضروري تنفيذ كل مطالب المرأة قبل مغادرتها الدنيا.
تابعت كلام الواعظ بفكر شارد تماماً في واد آخر، ولذلك لم أرد عليه بكلمة بل انصرفت عنه قبل أن يكمل حديثه معي. انحنيت جانباً قصياً رغبة في الانفراد بنفسي. سرحت مع تلك الأيام العصيبة حين كانت تجري محاكمة المرأة وسط حراسة صارمة. يومذاك بدت هي قوية ولم تكن خائفة أبداً كما أنها لم تظهر ندماً أو تأثراً بالجريمة التي ارتكبتها.. والأدهى من ذلك أنها كانت حين تدخل قفص الاتهام تبدو كما لو أنها داخلة صالوناً للماكياج.
انشغل رواد المحكمة بصلابتها وعدم اكتراثها بما فعلت أكثر من الانشغال بجريمة ذبح الزوج المسكين. وفسرها بعضهم على أنها دليل على براءتها. لكن منهم من عزاها لطبيعة سلوكها الإجرامي.
جلسة محاكمة واحدة هي التي قلبت الأمور رأساً على عقب بل أعادت المرأة لوضعها الطبيعي كإنسانة، وذلك عندما أخرج رئيس المحاكمة سكيناً حاداً طويلاً من ظرف حكومي ولا يزال ملطخاً بالدماء ـ حينئذٍ ارتجفت المرأة تماماً كما لو أنها أدخلت ضمن دائرة كهربائية ـ نهضت من مقعدها لكنها عادت فجلست.. ثم أجهشت بالبكاء..
لم يمنعها القاضي من الاستمرار بالبكاء حتى أفرغت كل ما في جوفها من حزن دفين ثم سكتت من تلقاء نفسها.
عرض القاضي عليها السكين وراح يسألها:
ـ هل لكِ علاقة به؟
نظرت إليه بخجل لكنها آثرت الصمت.
ـ أين شاهدتيه آخر مرة؟
بدا عليها الانهيار والتعثر فلم تجب بكلمة بل مالت بنظرة إلى تحت.
ـ هل كان ضمن أدوات مطبخك؟
تململت على مقعدها.. رفع القضاة في هيئة المحاكمة رؤوسهم ووجهوا أنظارهم إليها فيما أرخى الرواد الذين امتلأت بهم القاعة آذانهم. وبات الجميع مهيئين لسماع ما اعتبروها الحقيقة الغائبة لأسوأ جريمة قتل عرفها المجتمع.. عدلت المرأة من نقابها، ودخل لسانها مع شفتيها في عراك مرير من أجل إخراج الكلمة التي ينتظرها الجميع بشغف. أخيراً رفعت المرأة رأسها إلى أعلى واستجمعت قواها المنهكة ثم نطقت بصوت مذبوح:
نعم.. نعم هذا السكين كان في بيتي والبشكارة هي التي تستخدمه في تقطيع الدجاج والسمك.
بدا الانفعال على القاضي حاول جاهداً على الضغط على أعصابه.
وبالنسبة لك أنتي فقد أضفتي لها خدمة جديدة وهي «ذبح الزوج» نعم الرجل الذي فضلك على كثير من بنات حواء لتكوني شريكة لحياته وأماً لعياله. بالطبع هو لم يقصر أبداً. لقد بنى لك الفيلا التي تحلمين بها وجاء إليها بأفخم الأثاث وأغلاه ثمناً واستقدم خادمة لتساعدك على أعمال الأسرة ووضع تحت تصرفك سيارة جديدة مع سائقها ووفر لشخصك كل ما هو مهم لجعل العالم بين يديك وتحت بصرك.
هل أمثال هؤلاء الأزواج يستحقون الذبح أم الحياة؟
سؤال وجهه القاضي بانفعال للمرأة لكنه لم ينتظر الإجابة عليه ربما لأنه أدرك أنه خرج عن المألوف فنهض من كرسيه معلناً رفع الجلسة. فجأة دخلت حافلة صغيرة وتوقفت إلى حيث نقف فقطعت أفكاري الشاردة مع المحاكمة.
دبت حركة نشطة وأحاط لفيف من الشرطة بالحافلة تقدم أحدهم باتجاه الباب وفتحه. ونزلت منه امرأة تتدثر برداء يغطي جسمها بالكامل وتمسك بها شرطيتان من اليمين ومن الشمال وتتبعها ثلة من الشرطة النسائية. وفي غضون لحظات جرت إجراءات قضائية لتنفيذ الحكم تضمنت تلاوة حيثيات الحكم على مسامع المرأة، ثم سأل القاضي ضابطاً كبيراً في الشرطة:
ـ هل نفذتم كل مطالبها ؟
رد عليه:
ـ بالنسبة للصحافي موجود لكنها اعتذرت عن التصريح أما طفلها فهد فهو قادم إلينا بصحبة نفر من المعلمين طلب القاضي من المرأة الانتظار داخل الحافلة ريثما يصل الطفل. لم تمض لحظات حتى توقفت سيارة خاصة على مقربة من الجميع خيم الصمت بالمكان واتسعت حدقات عيونهم وهم ينظرون إلى من بداخلها. نزل الطفل منها. رأته أمه من نافذة الحافلة، همت بالنزول إليه لكنها تذكرت أن معصميها داخل قيود حديدية وليست أساور ذهبية فجلست مكانها تنظر إليه بعيون أعياها البكاء وأنهكها الحزن. قالت: كم تمنيت لو تركني الشيطان لأعيش بهدوء فأشهد مراحل نموك وأبقى إلى جوارك في أفراحك وأحزانك. حمل أحد أفراد الشرطة الطفل إلى داخل الحافلة. فارتمى في أحضان أمه وانفجراً معاً بالبكاء فبكت معهما الشرطيات جميعاً لتتحول الحافلة الصغيرة إلى مأتم حزين. قالت وهي تضم طفلها إلى صدرها والدموع تغمر نقابها:
ـ سامحني يا وليدي على ظلمك.
امسك الطفل بثوب أمه بكلتا يديه وهو يصيح:
ـ يا ماما قومي نسير البيت. شو فيك انتي جالسة هنا مع الشرطة.
وقبل أن ترد على طفلها تدخل القاضي طالباً من الشرطة إنزال الطفل الذي ظل ممسكا بثوب أمه باستماتة مما اضطر احد أفراد الشرطة إلى انتزاعه بقوة ثم حمله إلى السيارة الخاصة التي جاء بها وهو يصرخ ويرفس برجليه محاولاً الفكاك وينادي:
ـ أمي.. أمي
أما الأم فقد نهضت من تلقاء نفسها وقالت بصوت مسموع.
من فضلكم هيا خلصوني من عذاب اليوم الأخير.
سليمان الماحي