تطل هذه الأيام على العالم الإسلامي، وعلى العالم كله، ذكرى عزيزة غالية، هي ذكرى مولد الرسول محمد صلى الله عليه وسلّم. وقد كان مولد الرسول الكريم نقطة بارزة في تاريخ الإنسانية كلها. ويعود سبب هذا التميّز الفريد إلى عظمة الرسالة المحمدية التي خصّ بها الله سبحانه وتعالى آخر رسله، الذي بعثه إلى الناس كافّة ورحمة للعالمين.

وقد جاءت البعثة المحمدّية لتضع حدّاً فاصلاً بين عهدين أساسيين في تاريخ البشرية: عهد الظلمات والشرك بالله والعبودية، والظلم والطغيان، وعهد النور والتوحيد والمساواة والرحمة والمحبة والعدالة والتسامح وتمجيد العلم.

وإذ نتدبّر هذه الذكرى، والرسالة الخالدة التي جاءت بها، والظروف التي أعقبتها فغيّرت مسيرة تاريخ البشرية على مدى أحقاب طويلة وما تزال، فإنه حريّ بنا كمسلمين أن نستخلص العبرة من هذا الحدث الجليل، وأن نعود إلى منهل رسالة الإسلام الصافي لنستقي منه الوعي الحقيقي بالقيم الإسلامية الحقّة، والتمسّك بها، وتجنب الغلوّ والتطرّف.

إن سيرة الرسول الكريم نبراس يضيء لنا حاضرنا ومستقبلنا، كما أن شمائله الكريمة منهاج يؤدي إلى العزة والكرامة. وقد هبّت الأمة الإسلامية كلها للذود عن كرامة الرسول صلى الله عليه وسلّم، عند تجاسر البعض على محاولة الإساءة إليه، بما برهن على جلال قدره، وسامي منزلته لدى جميع المسلمين الذين أبانوا تمسكهم الشديد بدينهم وتعاليمه السمحة.

وفي هذه المناسبة المباركة، تهيب منظمة المؤتمر الإسلامي بالمسلمين أن يتخلّصوا من أفكار العجز المرفوض الذي يقيّد حركتهم، وأن يستعيدوا الثقة بالنفس، ويحصّنوا قواهم الذاتية لمواجهة التحديات الكبرى التي تجابههم.

فالوضع في فلسطين يذكرنا بأن علينا واجبا وفرضا لنصرة اخواننا الفلسطينيين والأخذ بيدهم ومساعدتهم في ظروف المعاناة الصعبة التي يعيشونها. كما أن ما يجري في العراق من سفك لدماء الأبرياء، ومن فتنة طائفية بغيضة تدعونا إلى أن نهبّ لمساعدة اخواننا هناك لوضع حدّ لهذه المأساة الإنسانية، ولم الشمل، وإجراء الصلح، وتوحيد الصفوف للوصول إلى الاستقلال الناجز، وتأكيد سيادتهم على أرضهم ومقدراتهم وثرواتهم.

وإذ تحل ذكرى مولد الرسول الكريم في هذه الظروف العصيبة لتذكرنا بانبعاث أمة الإسلام، فإنها تحيي في نفوسنا الأمل، وتشحذ هممنا بالعزيمة لتدارك ما فاتنا، والتطلع إلى العمل المجدي المؤدي إلى ازدهار الأمة الإسلامية ونهضتها ومنعتها. (اينا)