عظمة شخصية الرسول: لقد تجلت شخصية الرسول الأعظم عليه السلام في منابع كثيرة كما أسلفنا في الذكر أدركتها البشرية سواء أكانت من الجيل الغابر أو المعاصر ،فما أروع تلك الأمثلة لعظمة شخصية النبي الأمي عليه السلام التي تتجلى بأن ما جاء به من نور النبوة الصافي يقرره العلم الحديث (..ولعلنا في هذا القرن الرابع عشر للهجرة المحمدية،والحادي والعشرين لميلاد المسيح،أقدر من أجيال مضت على الحكم لمحمد والتنويه بعظمته،والشهادة بثبوته،فقد ارتقى العلم كثيرا،واكتشفت حقائق علمية وإنسانية رائعة.

وما من احد يتلو القرآن اليوم، إلا خيل إليه أن الوحي نزل به الآن، إن صاحبه يبلغه للناس الساعة، فآياته متجاوبة مع حقائق الكون ومقررات العلم، وأدلته مستقيمة مع منطق العقل، ومطالبه متلاقية مع مطالب الفطرة، فبمرور الزمن لم يشعر احد أبدا أن هذا القرآن تخلف عن عصره، أو أن محمدا قصة فات وقتها، كلا كلا..)(1) وقد كتب كثير من عقلاء البشر من غير المسلمين عن عظم تأثير شخصية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في الحياة البشرية ،فقد كتب المؤرخ البريطاني الشهير (ارنولد توينبي) في كتابه (تاريخ البشرية) حيث قال: »كان لعبقرية النبي محمد اثر كبير في نقل رسالة ربه إلى قومه، وقد كان تاريخ الجزيرة العربية مرتبطا بذلك.....

وبعد ذلك انتشر الإسلام في العالم وأثر فيه بعمق«.وكتب الفيزيائي الايرلندي النابه جون ديزموند برنال في كتابه الموسوعي (العلم في التاريخ) كتب يقول: »سرعان ما أضيف إلى تلك العوامل السلبية، ومنها الفراغ الذي يعيشه العالم: عامل ايجابي وهو ظهور دين عالمي جديد وانتشاره بسرعة. فالحواجز اللغوية والدينية والحكومية التي كانت حتى القرن السابع الميلادي: تعزل كل ثقافة داخل محيط إقليمها. هذه الحواجز قد زالت فجأة في كل الأرجاء تقريبا ما بين المحيطين: الهندي والأطلسي، وقد أشاع الإسلام المحبة الأخوية بين كل الأجناس، وحدد لتابعيه شعائر دقيقة، وكانت فلسفته قائمة على التوحيد. لقد كان دينا راسخ الأسس في قلوب الناس«.

وكتب الزعيم الهندي المعروف (جواهر لال نهرو) في كتابه (لمحات من تاريخ العالم).. كتب يقول: »والمدهش حقا أن نلاحظ ان هذا الشعب العربي الذي ظل منسيا أجيالا عديدة ، بعيدا عما يجري حوله، قد استيقظ فجأة، ووثب بنشاط فائق أدهش العالم وقلبه رأسا على عقب. إن قصة انتشار العرب في آسيا وأوروبا وإفريقيا والحضارة الراقية، والمدنية الزاهرة التي قدموها للعالم هي أعجوبة من اعجوبات التاريخ. والإسلام هو الباعث لهذه اليقظة بما بثه من ثقافة وثقة ونشاط).

واجبنا نحو صاحب الذكرى والرسالة الخالدة:

إن الواجب علينا ونحن نمر بهذه الذكريات العطرة بنور الهداية ويقين الدراية أن نعظم هذا النبي الأمي القرشي الهاشمي عليه السلام، فلا تماثل ذكرياته ومآثره الخالدة أي أحد من البشر، فذكراه خاصة تستحق التمجيد لأن مبعثه أضاء للبشرية درب الهداية ونور السعادة بالفلاح في الدنيا الفانية والنعيم في الدار الباقية، فما من معضلة إلا حلها ،وما من حفرة مملوءة بدخان التعصب الجاهلي إلا وأهال عليها التراب والماء النقي بدين الإسلام الخالد إلى قيام الساعة، علينا أن ننفض التراب العالق ببعض مواريث النبوة فنبين للناس حقائق النبوة وميزتها وما هو هدفها الأسمى وغايتها العظمى الذي كان إنقاذا لهذه البشرية من ظلمات الفكر الجاهلي إلى نور البيان القرآني، وعلينا أيضا أن ننفخ في أرواح الأجسام الهامدة بظلام الانغلاق الفكري ونضيء هذه العقول بنور العلم ونلغي منها ظلام التخلف فنستنشق من نفحات المولد النبوي الشريف العبر عبرة كيف تطهر الأرض من أدران الوثنية التي كانت تسود الحضارات القديمة فأعاد لها روح الحياة المستمرة، فقضي على الاعتقادات الخبيثة والأخلاق الرديئة والخرافات المريرة كل ذلك بتوفيق من الله تعالى.

الواجب الملقى على عاتق المسلمين:

فجدير بنا يا أمة الإسلام أن نترك عنا السلوك السيئ الذي غالبا ما يفضي إلى إشعال نار الفتنة بين الفرد ومجتمعه ،فنكتسي بالسلوك الحسن ولندع الذين يوقدون الغرائز الملتهبة للتفرقة بين المسلمين من المكر والخداع وسوء الظن بالآخرين... وما ماثلها من الأخلاق الرديئة. هذا ولا يصلح هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فالعودة الحميدة الراشدة إلى الكتاب المبين وهدي نبيه الأمين السبيل الأمثل والأوحد لإنقاذ سفينة الأمة المسلمة من الغرق ،وإخراجها من الظلمات إلى النور ،ومن التشتت إلى الاجتماع ،ومن التدابر إلى الألفة ،ومن الشنآن إلى المودة ،ومن القسوة إلى التراحم ،وعلى أية حال ليعلم كل مسلم ومسلمة انه لا بد من أن تكون علاقتهم بهذا الكون الفسيح علاقة قرآنية.

فالنبي صلى الله عليه وسلم بين أن هذا الذكر الحكيم هو المنقذ والمخرج من الفتن ما ظهر منها وما بطن عندما قال: ستكون من بعدي فتن كقطع الليل المظلم .قيل له: وما المخلص منها يا رسول الله قال: (كتاب الله فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين ونوره المبين والذكر الحكيم والصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تتشعب معه الآراء ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق على كثرة الرد، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته ان قالوا إنا سمعنا قرآن عجبا، من قال قوله صدق، ومن حكم به عدل ،ومن عمل به أجر، ومن اعتصم به فقد هدي إلى صراط مستقيم). فليأخذ أولو الألباب العبرة من المولد النبوي الشريف ،وليطووا صفحات الماضي ويفتحوا صفحة بيضاء ناصعة، وليحذروا كل الحذر من تدنيسها بالمعاصي والآثام في سائر الأيام، وليعلم المسلمون إنهم ممن قيل فيهم وقفوهم إنهم مسؤولون ،فلا محيص إذا من الندم والمسارعة إلى عمل الخير والله ولي التوفيق والسداد.

بقلم: إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي