الأيام والأعوام والأحقاب، وذكرى ميلاد رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، جديدة أبداً مشرقة دائماً، لا تبلى جدتها، ولا يضعف رواؤها ونورها العظيم، لقد أصبحت نشيدا عذبا في فم الإنسانية، ولحنا سماوياً تهتف به الأجيال كلها كلما ظمئت إلى نبع الحياة الكريمة، والمثل الرفيعة، والقيم العليا النبيلة. كانت حياة الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الدنيا كالشجرة الطيبة التي نبتت أصولها، وانبسطت ظلالها،وآتت ثمارها المباركة في كل وقت وحين.
فلما قضى الله على رسوله أن يلحق بالرفيق الأعلى ويوضع جسده الطاهر في بطن الأرض رجع الناس لسيرته نورا يسعى بين أيديهم وبأيمانهم. وسوف يظل هذا النور هداية للناس ورشادا ما دامت السماوات والأرض، وما بقى الوجود كله، وإنه لحق علينا، نحن المسلمين، أن ننتفع بهذا النور المبين وأن نحسن استغلاله بدل أن تغشى به أبصارنا فيلتوي علينا القصد ويضيق منا الطريق قال تعالى: «قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم».
ولما كان خير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه يطيب لي ونحن نستقبل شهر مولده أن نعيش مع بعض جوانب حياته صلى الله عليه وسلم، فقد كان في طفولته وصباه ناشئا كريما، وفى ريعان شبابه عالي الهمة، وفى تجارته أمينا قانعا، وفى شركته أخا صادقا، وفى معاهداته مخلصاً وافياً بالعهد، وفى زواجه مثالا للنفس السامية والخلق الكامل، وفى حكمه أميناً على الحق ناصراً له، هدّاما للباطل مقوّضا لبنيانه.
لقد كان صلى الله عليه وسلم مثلاً أعلى فرض على البشر في جميع مواقف حياتهم وعلى اختلاف مستوياتهم أن يكون لهم القدوة في كل شيء، فقد كان العابد والمعلم، والمهذب، والمربى، والمستشار، والقاضي، والصابر، والشجاع، وكم له صلى الله عليه وسلم من صفات البر والخير ما لا يحصى ولا يعد النبي صلى الله عليه وسلم في بيته من خلقه صلى الله عليه وسلم ما سجله القرآن، وذلك عندما حرم على نفسه العسل وحرم على نفسه ماريه القبطية لماذا؟
وما الخلق في هذا؟ من جهة الظاهر ما هو الخلق؟ إنه رحيم ورحمته عظيمة، ولكن سجل الله تعالى هذه الحادثة حتى يعلمنا كيف يربى رسوله؟ وكيف كان هذا القول فاتحة عظيمة على أهل بيته، فيقول الله تعالى: «يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك «هذه خلاصة الخلق، لا يكون هناك تصرف على حساب التشريع مطلقاً». «وإنك لعلى خلق عظيم».
«يا أيها النبي» ولم يقل يا محمد، لأنه موضوع يتعلق بالنبوة، وهنا الجمال والسمو في التوجيه.
السؤال هو «يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك»؟ والجواب «تبتغى مرضات أزواجك» برز في التعبير حتى تكون الصورة متكاملة في السؤال والجواب تبتغى مرضات أزواجك هي القاعدة.
كل القواعد التي تنطلق للتشريع، ومن هنا توجه القرآن مباشرة إلى النساء «عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكاراً». لا تجبروه على أن من المألوف طبيعته بما يدور بينكم، فتوجه إليه أولا بهذا العتاب على تحريم العسل وماريه القبطية لمرضاة أزواجه، ثم توجه القرآن الكريم بعد ذلك لتوجيه أزواجه وإنذارهن.
فكان صلى الله عليه وسلم على خلق عظيم مع زوجه وأهله، فكانوا يعملون وهو يعمل، فكان يخصف نعله وكان يرقع ثوبه ويحلب شاته، عمل في الحرب وعمل مع أصحابه وعمل في بيته، ثم كان يساعد أهله، فيقول سيدنا أنس رضي الله عنه، كان صلى الله عليه وسلم في خدمة أهله، لقد خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي لشيء فعلته لم فعلته، فإذا أعجبه شيء أكله وإلا حمد الله تعالى: لا كلام ولا اعتراض ولا شجار ولا مشاجرة من أجل طعام أو من أجل شراب، بيت فيه نور الأسوة ونور القدوة.
كيف يعالج الأمور في رقيّ وفى حساب دقيق مع النفس، لم يضيع الوقت من أجل لقمة أو من أجل شربة أو من أجل أي شيء عابر، وكم ضيع الناس أوقاتهم في ذلك أو في ما دون ذلك.
فإذا كان الأب على هذا المثال العظيم، فالأم لابد أن تسلك هذا السلوك حتى تنشأ الأسرة الإسلامية نشأة في بيت متكامل لا عيب فيه، من هذا البيت الذي تخلق بخلق الإسلام يأتي مثال الذرية، الذرية من الصلب.
فلما تزوج سيدنا على بن أبى طالب، كرم الله وجهه، السيدة فاطمة الزهراء، رضي الله عنها، قال لهما: «إذا أويتما إلى فراشكما فقولا: قل هو الله أحد، ثلاث مرات، قل أعوذ برب الفلق، قل أعوذ برب الناس، فما تعوذ المتعوذون بأفضل من هذا ويأتي وقت إعلان ظاهرة من ظواهر السلوك الخطير، وانك لعلى خلق عظيم، لأنه مد بلا جزر».
فجاءت السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها، وقد جاءت الغنائم، فقالت يا رسول الله لقد كلت يدي من الرحى، أريد خادما؟ فقال صلى الله عليه وسلم لا.. لا يا فاطمة ألا أدلك على خير من ذلك: إذا أويت إلى فراشك فقولي: سبحان الله ثلاثا وثلاثين، والحمد لله ثلاثا وثلاثين، والله اكبر ثلاثا وثلاثين خير من الدنيا وما فيها.
السلوك الإحصائي الخلقي في كل ركن من أركان الحياة وفى كل ظاهرة من ظواهرها نجد الخلق العظيم يتفق مع المعاني والعلم والحياة، لأن الخلق هو الحياة والحياة هي الخلق، خلق يريح وخلق تطمئن إليه نفوس البشر، ليس بالمال ولا بالعتاد ولا بالحديد ولا بالخشب ولا بالجواهر وإنما بجوهر الخلق فقط يأتي كل شيء ثم يأتي مطلق العدل في المرض.
لقد ألهمه الله ليخرج ذلك بإشارة بلا تجريح، فكان يقول قولة الرقيق: أين غدا؟ فراع شعورهن وهو في مرض الموت صلى الله عليه وسلم، ثم أذن له لما علمن من رغبته صلى الله عليه وسلم، في ذلك، فدخل عند السيدة عائشة رضي الله عنها، وظل في بيتها حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى صلوات الله وسلامه عليه.
كان خلقه القرآن، قرآنا يمشى على الأرض، قرآنا قولاً، وفعلاً، وسلوكاً، ونظراً، ومشياً، وتناولاً وعطاء. كان سلوكا في فلك يسبح لم يتوقف، ومن هنا كان قول الله تعالى حقا فيه: «لقد جاءكم من الله نور وكتاب مبين.. وانك لعلى خلق عظيم».
شعوره صلى الله عليه وسلم بالآخرين
إن أساس الخلق المحمدي القدوة، والإسلام بدأ فأثر تأثيراً سليماً في نفوس من بدأ بهم، فلا علة أو سبب إطلاقاً إلا الإسلام، لأنهم رأوا رحمة ونوراً وتواضعاً وشجاعة وحباً وكرماً وصفاءً ونقاءً وعطاءً ورفعة، فلم يجدوا أي نقص في هذه الذات، ولا في تلك الشخصية إطلاقاً، وكان بشعوره وبقلبه مع أصحابه وهو معهم في آلامهم وفى مصائبهم وفى كل حال.
فيقف صلى الله عليه وسلم، ذات مرة وهو يرى سيدنا بلالا رضي الله عنه يتعذب ويتألم، فحزن حزنا شديدا، لم يقف في حزن ثم ينصرف يملأ بطنه ويلهو مع أهله، وإنما وقف وقفة الراعي المسؤول عن رعيته، وقف صلى الله عليه وسلم وقفة العطف، ولكن هذا الشعور هو الذي يولد الأسباب، فمر سيدنا أبو بكر رضي الله عنه، وقال: ما بك يا رسول الله؟ الحزن في عينه وبلال في قلبه، إنه الوعاء الأعظم لأمته صلى الله عليه وسلم، فمن غيره يكون وعاءً شاملاً للرحمة؟ من يتأثر إذا لم يتأثر هو؟ من يعطف من يرحم؟.
فقال يا أبا بكر بلال يعذب، فذهب أبو بكر رضي الله عنه إلى بيته ثم ذهب لشراء بلال، وذلك لكي يرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعتق واحد من الأمة. فلما اشتراه قال له أمية بن خلف: يا أبا بكر إن بلالا يساوى أقل مما دفعت. فقال: لا، إن بلالا يساوى الدنيا كلها.
ويهم بالخروج ولكن قبل أن يخرج يعلن كيف يكون الإسلام، وكيف أثر نور النبي صلى الله عليه وسلم في قلب أبى بكر: فقال يا بلال: أنت حر لوجه الله تعالى، فقالوا له لم تعتقه هنا؟
فقال: إني استحي من الله تعالى أن يمشي خطوة واحدة وهو عبد لي، إنه نور في فلك دائم لا ينقطع ولا يتأثر بالمؤثرات، إن المال لم يمنع أن يعتق بلال، إن الطعام لم يمنع أن يعتق بلال.
إرادة وراء خلق عظيم لا لمديح وإنما للسلوك خلق يخرج واحد من الأمة حيث هو في كرب وشدة، كيف يهنأ المسلمون، وكيف يهنأ سيد المرسلين ورسول الإسلام وواحد في هذه الحال. هناك تناقض بين الإهمال والتمتع، كيف يهمل ثم يلذ له أن يتمتع، وكيف يحس أن غيره في مأزق وهو يرتاح وينام.
وفى حديث رواه مسلم أن قوما من مضر أقبلوا على رسول الله صلى الله عليه سلم، في صدر يوم من الأيام وقد بدت عليهم أمارات الفقر والفاقة، يضعون على أجسادهم قطعا لا تكاد تسترها حتى لكأنهم عرايا، فتغير لذلك وجه الرسول صلى الله عليه وسلم، وبدا عليه الغضب الشديد، وعزّ عليه أن يرى قوما من المسلمين تتملكهم الفاقة إلى هذا الحد، ورؤى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ مهتماً قلقاً يدخل ويخرج ويقوم ويقعد، ثم أمر بلال أن يؤذن في الناس، فأذن بلال وحضر الناس، وأقيمت الصلاة ثم خطب فقال «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا». «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون».
ألا فليتصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، إلى أن قال ولو بشق تمره، فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل لقد عجزت، ثم تتابع الناس حتى تجمع كومان من طعام وثياب، فتهلل وجه النبي صلى الله عليه وسلم، لما رأى من تلبية واستجابة لدعوته، وقيام الأغنياء بحق الفقراء.
رسول الله بالمؤمنين رءوف رحيم، عزّ عليه أن يرى هذا المنظر المؤلم، ولم يطق صبرا أن يرى العرى والضعف والهزال ماثلا أمامه وفى المسلمين أغنياء ولديهم الأموال.إنه الذي قال وقبل أن يقول كان خلقه سلوكا يتكلم وفعلاً يتحرك، إنه إسلام ينطلق، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». وهو الذي يقول «من مشى في حاجة أخيه مشى الله في حاجته والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه «كلام على أثر وعلى سلوك وعلى فعل، كلام طبقه هو صلى الله عليه وسلم ثم تكلم به بعد ذلك، فهو السراج المنير في كل موقف من مواقف الخلق لا نجد إلا فعلاً وسلوكاً حقيقاً ليتعلم البشر.
د. محمد محمد عيسى ـ كلية الشريعة والقانون ـ جامعة الإمارات