أكد د. حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري أن الأقليات في وقتنا الراهن تحتاج فقهاً مغايرًا لفقه الدول الإسلامية وشعوب المسلمين المستقرة بل أنهم في حاجة إلى تجديد كل وسائلهم من تعليم وفقه وخلافه، وشدد على أهمية وجود تنسيق بين جهات الدعوة الإسلامية المختلفة في العالم العربي والإسلامي وتوحيد هذه الجهود حتى تؤتي ثمارها، وأشار إلى أن لغة المستقبل هي الحوار على الرغم مما يشهده العالم من صراعات وصدامات ولكن لكي يتم هذا الحوار، لابد أن يتم بالأسلوب الذي حدده الإسلام، وعلى كل حال فالحوار مطلوب على جميع المستويات لتحقيق السلام العالمي. ولم يخفِ وزير الأوقاف حزنه على واقع الأمة الإسلامية حاليًا، وأكد على أنه متخلف ومحزن وهذا بالضبط ما أراده خصوم الإسلام في الغرب ،حيث دائمًا ما يلصقون التخلف بالإسلام والمسلمين، ونبه إلى أن ذلك يعود لغياب الفهم الصحيح لتعاليم الإسلام، وكأن الأمر مقصود. وفيما يلي نص الحوار:
ـ بوصفكم من المفكرين الإسلاميين الداعين للتجديد ما مفهوم هذه القضية من وجهة نظركم، وهل هناك من ضوابط لها؟
ـ التجديد في الفكر الإسلامي مهمة أساسية للأمة في هذا العصر الذي يتغير فيه كل شيء بين لحظة وأخرى، وهذا التجديد له ضوابط ، فالفكر الإسلامي ينطلق من منطلقات إسلامية ، ويبنى على أسس إسلامية، وأول هذه الأسس الحديث الشريف، «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها» والحديث الشريف يشير إلى ضرورة التجديد، وتجديد شباب الأمة وحيويتها ونشاطها حتى تتوافق والأحداث المستجدة. ومجالات التجديد متعددة مثل الفقه الإسلامي، فهناك الآن ما يسمى بفقه الواقع وفقه الأقليات، ومن مجالات التجديد المهمة أيضاً الدعوة الإسلامية، ونحن في وزارة الأوقاف نحاول استخدام أساليب تواكب المتغيرات الحادثة في كل عصر، مثال ذلك أننا أصدرنا أسطوانة ليزر تشتمل على موسوعة إسلامية متكاملة مدتها 120 ساعة، ومن هذا المفهوم فالتجديد يشمل كل مجالات الحياة وليس انتقائيا، لأن هذا يرفضه الإسلام.
ـ أشرت في قضية التجديد إلى فقه الأقليات، هل ترى أن الأقليات في حاجة إلى فقه منفصل أم أن ما يصدر من الدول الإسلامية كاف ؟
ـ الأقليات قضية كبيرة، ومؤسسات الفتوى في العالم الإسلامي والعربي تأتيها أسئلة كثيرة من أبناء الأقليات الإسلامية، وهذه المؤسسات كانت تتصور أن الفتاوى التي تصدر في بلدانها تنطبق على هذه الأقليات لكن في السنوات الأخيرة بدأت تظهر اتجاهات أخرى تقوم على ضرورة مراعاة ظروف أبناء هذه الأقليات والنظر بصورة مختلفة لقضاياهم، ولنا في تاريخ الفقه الإسلامي نموذج حي هو الإمام الشافعي الذي عدل من مذهبه في العراق ليناسب طبيعة وظروف أهل مصر.
ومن هنا لابد أن تكون هناك نظرة جديدة للأقليات الإسلامية من ناحية الفتاوى الفقهية ونظم التعليم وهناك مجهودات بذلت في نهاية القرن الماضي أثمرت تنقية المناهج التعليمية في أوروبا وأميركا من كثير من المعلومات الخاطئة عن الإسلام في الكتب المدرسية بل وصل نجاح بعض الأقليات إلى إيجاد أكاديمية إسلامية في النمسا تُخرج معلمين يدرسون الدين الإسلامي في مدارس النمسا لأكثر من 35 ألف تلميذ مسلم.
حملات تشويه
ـ وهل هناك دور لوزارة الأوقاف في الرد على حملات التشويه المستمرة على الإسلام على شبكة الإنترنت ؟
ـ بالفعل.. عثرنا على العديد من المواقع على شبكة الإنترنت تحتوي على معلومات مزيفة عن الدين الإسلامي تهدف إلى تشويه صورته، وإلصاق التهم به، ولذلك بدأت وزارة الأوقاف في الرد على هذه الشبهات الموجودة حاليًا على شبكة المعلومات الدولية، وذلك من خلال موقع المجلس، وقمنا بالرد على أغلب الشبهات الموجودة التي تثار في العديد من المواقع باللغة الإنجليزية، كما طرحنا عبر موقعنا على الشبكة المعالم الأساسية للفكر والحضارة الإسلامية، بالإضافة إلى ما تقوم به بعض المؤسسات والهيئات الإسلامية في القيام بهذا الواجب عبر مواقعها على الانترنت.
مخاطر العولمة
ـ أُثيرت مؤخرًا قضية العولمة وتحدياتها، وحذر البعض من المخاطر التي تنجم عنها، فكيف ترون هذا الموضوع بالنسبة للشأن الإسلامي؟
ـ إن قضية العولمة تأخذ حيزًا كبيرًا باعتبارها قضية الساعة، وهي قضية تشغل العالم الإسلامي الآن، فالعولمة هي إزالة الحواجز الزمانية والمكانية والثقافية بين الدول والشعوب، وهذا تحدٍ يقابل الأمة الإسلامية، ويطرح هذا التحدي تساؤلاً عن قدرة الأمة الإسلامية على التوفيق بين ما لديها من عقائد وقيم أخلاقية ثابتة، وهذه الظاهرة تجتاح العالم في كل المجالات، وهذا يناقش بكل أبعاده، وقد خرجت آراء مختلفة بعضها قال: إن الإسلام نفسه هو الذي طرح قضية العولمة، منذ جاء على اعتبار أن الدين يطرح هذه القضية منذ أول لحظة، ولا بأس أن نقبل هذا الطرح الجيد، غاية ما هناك أنه توجد عولمة سيطرة، وهناك عولمة تكافل وتعاون، يرفض الإسلام ويعارض الأولى ويرحب بالثانية، ونحن لا نريد أن نتأخر عن الركب، ولكي لا نذوب في الآخر.
ـ كيف يمكن أن نقيم حوارا مع الآخر من منطلق الندية وليس التبعية؟
ـ لغة الحوار هي لغة المستقبل على الرغم مما يشهده العالم من صراعات وصدامات، فنحن مقبلون على عصر الحوار، وقد حدد الإسلام أسلوب الحوار «ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن»، وقد اكتملت هذه الشروط في الإسلام منذ اللحظة الأولى، فحينما انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وجاءت إليه الوفود من نجران « 15 مسيحيًا » على رأسهم الأسقف أبو الحارث، ودخلوا المسجد وصلوا في ركن من أركانه صلاتهم، ثم دار حوار بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول تعالى : «قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضا أرباباً من دون الله»، فالحوار على المستوى الديني له أهميته الخاصة، لأنه لا توجد حضارة إلا ويشكل الدين عنصرًا رئيسيًا فيها، والحوار مطلوب على جميع المستويات لتحقيق السلام العالمي.
ـ ولكن ماذا عن موقف الأمة الإسلامية في مواكبة التقدم ومسايرة انجازات العصر الحديث ؟
ـ لا نستطيع أن ننكر أن واقع الأمة الإسلامية متخلف، ومحزن، ولكن هذا الواقع منفصل عن النموذج الإسلامي إلى أقصى درجة، وإن كان خصوم الإسلام في الغرب، يلصقون التخلف بالإسلام والمسلمين، ويقولون إن الإسلام دين يحض أتباعه على التخلف، ويُشكل عائقًا أمام التقدم المادي والتطور الحضاري، وهم يستدلون على مزاعمهم تلك بالواقع المشاهد في العالم الإسلامي، الذي تقع دوله في إطار العالم الثالث المتخلف، وبكل أسف بعض أبناء الأمة الإسلامية ساروا خلف المزاعم الغربية من منطلق مركب النقص والشعور بالدونية إزاء الغرب المتقدم.
ـ إزاء هذا التكريس المركب لتخلف الأمة الإسلامية، ما هي الصور المثلى التي يجب أن يكون عليها واقع الأمة ومستقبلها؟
ـ إن تخلف المسلمين في الوقت الحاضر، يرجع إلى غياب الفهم الصحيح لتعاليم الإسلام، فالمسلمون يرددون آيات القرآن دون فهم، ويقرأونه على الأموات، ويصنعون منه الأحجبة، ويضعونه في البيوت والسيارات بمثابة ديكور أو للتبرك به، وأحيانًا يتخذ منه البعض حرفة لعلاج الناس به، والحضارة فريضة إسلامية، لكن المسلمين تخلوا عنها، فالإسلام دين الحضارة والتقدم، وأول آيات القرآن نزولاً دعت المسلمين إلى العلم «اقرأ باسم ربك الذي خلق»، فالمسلم خلق لتعمير الدنيا، وليس لتخريبها، لذلك لا يحبذ الإسلام الرهبانية أو الانقطاع للعبادة في المساجد، وإنما يطالب المسلم بأن يعمل ويجتهد حتى آخر لحظات حياته، وجعل الإسلام العلم فريضة على كل مسلم، لأن العلم هو طريق الناجح في العمل.
موضوعية الاستشراق
ـ لكم موقف مخالف في النظر إلى عملية الاستشراق، وكونه ليس سيئاً على إطلاقه، فكيف تولدت قناعتكم بهذا الطرح؟
ـ الاستشراق له جوانب سلبية وأخرى إيجابية، ومن بين الإيجابيات أنه قدم إضافات علمية مفيدة جدًا، مثل المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، وهو كتاب من سبعة مجلدات ضخمة أنفق فيه المستشرقون حوالي ثلاثين عامًا من العمل المتواصل إلى أن أخرجوه، وهو مفتاح لمعرفة الأحاديث النبوية، ليس فقط في الكتب الستة، بل أُضيف مسند الدارمي وموطأ مالك، ومسند الإمام بن حنبل، ومن يرد أن يعرف أي حديث في هذه الكتب يلجأ إلى هذا المعجم أولاً، وحتى لا نظلم المستشرقين لابد أن نفرق بين مستشرقين موضوعيين، ومستشرقين لهم أهواء وأغراض، وبطبيعة الحال فإن الرد على أمثال هؤلاء المغرضين، لا يكون بالصراخ ولا بالشكوى ولا بالإدانة ولكن بالعلم.
ـ ولكن البعض يرى أن للاستشراق دورًا تخريبيًاً، ويسعى إلى تشويه صورة التاريخ الإسلامي، فما رأيكم ؟
ـ من الطبيعي أن نجد لدى المستشرقين تصورًا مختلفاً تمامًا عن تصورنا نحن المسلمين للإسلام، وللمعتقدات الإسلامية والسيرة النبوية، باعتبار أن المستشرقين من العلماء ينظرون إلى الإسلام من منظور غير إسلامي، لأن المستشرق عادة ما يكون مسيحيًا أو يهوديًا، وبالتالي تختلف نظراته للإسلام، والواقع الذي لا يمكن إنكاره هو أن الاستشراق له تأثيراته القوية في الفكر الإسلامي الحديث إيجابا أو سلبًا أردنا أو لم نرد، ولهذا فإننا لا نستطيع تجاهله، أو نكتفي بمجرد رفضه، وكأننا بذلك قد قمنا بحل المشكلة، إننا لو فعلنا ذلك، لكنا كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال، ولهذا فإنه ليس هناك بديل عن مواجهة المشكلة وطرحها على بساط البحث.
ـ يكثر الحديث عن الدعوة الإسلامية، فعلى من تقع مسؤولية تفعيل المجال الدعوي في الخارج ؟
ـ الدعوة الإسلامية في الخارج وبصفة خاصة للأقليات المسلمة وإفريقيا، مسؤولية الدول الإسلامية، ولذلك نحن على اتصال دائم بهم، ونرسل لهم المطبوعات الإسلامية المختلفة التي تعينهم على التوعية الدينية الصحيحة، ونرسل لهم الدعاة، ونبني لهم المراكز الإسلامية مثل المركز الإسلامي، في تنزانيا والبرازيل، وغيرهما، فضلا عن دور المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، الذي يسهم في المنح الدراسية لأبناء الأقليات الإسلامية، ليتعلموا في جامعة الأزهر، بخلاف ما تقوم به وزارات الأوقاف الإسلامية في الدول العربية والإسلامية بالداخل والخارج.
ـ وما هو الدور المنوط بالعالم الإسلامي من أجل رفع مستوى الدعاة في الداخل والخارج ؟
ـ هذا أساس عمل أيَّ وزارة أوقاف في أي دولة إسلامية، لأن معظم دور العبادة كالمساجد والمراكز الثقافية الإسلامية تشرف عليها وزارات الأوقاف، لنشر الدعوة الإسلامية من خلال دُعاتها في المساجد، الأمر الذي يتطلب من وزارات الأوقاف على مستوى الدول الإسلامية أن ترتقي بمستوى الداعية، حتى يتمكن من أداء رسالته على أكمل وجه، وذلك بالتدريب والتواصل في معاهد إعداد الدعاة، وعقد دورات، وإمدادهم بالكتب والمطبوعات الإسلامية، التي تمكن الداعية من توضيح صورة الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، وإبراز المفاهيم الإسلامية التي تحصنهم من الأفكار المشبوهة التي رسخت في أذهانهم، وهذا هو دور العبادة في المدارس والمنزل ووسائل الإعلام التي يجب أن تدرس، وتتعرف على التيارات المشبوهة والإحاطة بها، لتبين مدى الأخطار التي تهدد المسلمين من وراء انتشارها بينهم.
ـ وكيف تؤتي الدعوة ثمارها في إطار هذه الأخطار التي تحدق بالأمة الإسلامية ؟
ـ إن الدعوة ليست وظيفة أو مهنة كما هي عليه اليوم ـ بل هي رسالة وأعباؤها ليست سهلة هينة، فهي كفاح وجهاد وطموح من أجل هدف غالٍ، وأسس الدعوة الإسلامية تكمن في قول الحق سبحانه وتعالى : «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن»، فلابد أن يكون الداعية واعيًا فاهمًا عالمًا،بأفضل الطرق المؤدية إلى غرضه، كما يلزم أن يكون على دراية بقواعد الدعوة، بالنسبة لكل نمط من أنماط المدعوين، والموعظة هي العلاج الوحيد لصلاح العالم، والحياة الحقيقية للأمم لا تكون إلا بمقدار انتفاعهم بالموعظة، لذلك فالموعظة لا تؤتي ثماراً، إلا إذا توافرت عدة أمور فيها، ما يتصل بالدعوة نفسها، وإذا اكتملت هذه الأمور تحقق الموعظة عملها في الفرد والجماعة والأمة.
ـ وهل ثمة تنسيق في المجال الدعوي بين وزارات الأوقاف العربية ؟
ـ يوجد تنسيق فردي في وزارة دولة معينة، ودولة أخرى في مشروع معين، والدعوة الإسلامية في العالم الخارجي في حاجة ماسة إلى تنسيق الجهود بين جميع الجهات المعنية بهذا الأمر، سواء في الداخل أو الخارج، من أجل تقديم المعلومات الصحيحة عن الإسلام للمسلمين، وغير المسلمين في الخارج باللغات التي يتحدثون بها، وتقديم صورة صحيحة عن الإسلام بوصفه ديناً وحضارة وثقافة، وليس مجرد شعائر أو حدود، كما يحاول البعض أن يصوره.
ـوماذا عن دور المجلس في توعية الشباب والفهم الصحيح للإسلام ؟
ـ هذه التوعية تعتبر بمثابة تحصين أو حماية لهؤلاء الشباب.. هذه الحماية، وهذا التحصين لهما وسائل كثيرة مختلفة، قد تكون هذه الوسائل مثل الكتيبات التي يصدرها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، قد تكون تطوير مجلة «منبر الإسلام» الصادرة عن المجلس حتى تصل إلى الجميع، قد تكون عن طريق الكاسيت، وشرائط الفيديو التي توضح المفاهيم الإسلامية الصحيحة، وهي مهمة جدًا خاصة لمن لا يقرأ ولا يكتب، ويكون لها تأثير أفضل ؛لأنها بالصوت والصورة، وقد تكون عن طريق الأنشطة الثقافية المختلفة بإعادة النشاط الشامل للمسجد في كل حي، حتى يمكن أن يكون مصدر إشعاع لأهل الحي كله، أيضًا عن طريق اللقاءات الفكرية، والقوافل التي تتم بين العلماء والمفكرين، وعن طريق الحوار المباشر مع الشباب، وكلها وسائل تهدف إلى التوعية الدينية السليمة التي تحصن الشباب من الوقوع فريسة لأصحاب الآراء المنحرفة.
حوار خالد محمد غازي: