على الرغم من مضي أكثر من 30 عاما على تأسيس أول جمعية ذات نفع عام في دولة الإمارات وزيادة عددها إلى 121 جمعية تتشعب أهدافها وتتنوع خدماتها والفئات التي تتوجه لها، تشهد دولة الإمارات تراجعا ملحوظا في دور ونشاط هذه الجمعيات التي يعاني معظمها حاليا من جملة مشكلات أهمها قلة الإيرادات، ونقص المتطوعين، وانخفاض عدد المنتسبين، وعزوف الشباب عن المشاركة، وتناقص الحضور في الجمعيات العمومية، ومحدودية الدعم المادي، وغيرها من السلبيات التي تحول دون تفعيل مشاركتها في تنمية المجتمع.

وهذه الجمعيات بمختلف توجهاتها تمثل مخزونا وطنيا يتكامل مع الجهود الحكومية الساعية لخدمة المجتمع، لما يمثله العمل التطوعي والتكافل الاجتماعي اللذان تقوم عليهما من أسلوب حضاري للتعاون بين أبناء المجتمع. وقد شجعت الدولة هذه الجمعيات منذ البداية، فأصدرت لهذا الغرض القانون الاتحادي رقم (6) لسنة 1974 والمعدل بالقانون الاتحادي رقم (20) لسنة 1981 في شأن الجمعيات ذات النفع العام. لكن البعض يرى أن هذا القانون بات في حاجة إلى تعديلات في بعض بنوده، تمشيا مع توجهات الدولة في البناء الاقتصادي والاجتماعي وتفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني في التنمية.

وحدة الدراسات في «البيان» نظمت ندوة بعنوان (جمعيات النفع العام ودورها في التنمية)، دعت إليها ممثلين عن هذه الجمعيات لمناقشة أوضاعها وواقع العمل التطوعي بشكل عام. وتطرق النقاش إلى القانون الاتحادي بشأن الجمعيات ذات النفع العام ومدى ملاْءمته للتطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الدولة ولعمل الجمعيات بمختلف تخصصاتها، كما تناولت دور هذه الجمعيات في الرعاية الاجتماعية والمشكلات التي تواجهها وسبل النهوض بها وزيادة تفاعلها مع البيئة المجتمعية، وآليات الدعم والمتابعة التي تقدمها الدولة ومدى فاعليتها، بالإضافة إلى مستقبل جمعيات النفع العام في الدولة وسبل تفعيل الشراكة بين الدولة والجمعيات الأهلية والقطاع الخاص.

ترأس الندوة د. محمد عبد الله المطوع، رئيس وحدة الدراسات، الذي رحب بالحضور مثنياً على اهتمامهم بالمشاركة، خاصة وان العديد ممن تم الاتصال بهم للمشاركة في الندوة لم يحضروا. بعضهم اعتذر لظروف صحية طارئة، لكن هناك من لم يستجيبوا للدعوة بكل بساطة، وذلك على الرغم من الاتصال المتكرر بهم وموافقتهم المبدئية على الحضور.

وبعد أن تناولت الحلقتان السابقتان واقع العمل التطوعي في الدولة وسبل تطويره، ومناقشة أسباب الخلل في عمل الجمعيات ومحاولة تشخيصها، نستكمل في هذه الحلقة الأخيرة محاور النقاش وما طرحه المشاركون في الندوة من توصيات ومقترحات.

جذب الشباب

* د. فاطمة الصايغ: من الواضح أن عوائق العزوف عن العمل التطوعي عديدة وقد أشرتم إليها، ومنها أن برامج الجمعيات نفسها تحتاج إلى تطوير وسائل الجذب لفئة الشباب. فكما ذكرتم، معظم العاملين من الجيل الأسبق. لكن هذا الجيل تساقط أو اسقط لعدة عوامل، فما هو مستقبل هذه الجمعيات؟ الم تتساءلوا، مثلا، لماذا الإقبال على الجمعيات التطوعية الخيرية ذات العمل الإسلامي؟ لماذا إقبال الشباب على هذه الفئة وعزوفهم عن الجمعيات الأخرى، مثل جمعية المعلمين أو الاجتماعيين وغيرهما؟ الجواب هو أن الجمعيات الخيرية تلبي رغبات داخلية لدى الشباب، مثل العامل الديني والعامل الخارجي..الخ، على عكس الجمعيات الأخرى.

أنا عشت في أميركا وفي بريطانيا ووجدت انه ليست فئة الشباب فقط، وإنما فئة المراهقين أيضا، يخصصون ساعات يوميا بعد الدراسة للجمعيات الموجودة في أحيائهم أو مناطقهم. لماذا؟ لأن هذه الجمعيات قامت بكل جهدها وخصصت مكافآت للطلاب الذين يعملون فيها، وتحتسب هذه المساهمة من متطلبات الدراسة في المدارس والجامعات.

* د. علي شكر: أنا أعطيك مثالا بسيطا يؤكد هذا، فمنذ أيام كان هناك يوم لمتلازمة «داون» وفوجئت أن ثلاثة أرباع المتطوعين كانوا من الأجانب الأوروبيين، وعندما سألت عن السبب قالوا إنهم يدرسون هنا ولكنهم ملزمون بالمشاركة في مثل هذه الأعمال التطوعية. فهذا يؤكد أن هناك ثقافة ترفع مستوى الوعي بأهمية العمل التطوعي.

* د. فاطمة الصايغ: نعم، هناك وعي. وحتى عندما يتبرع الشخص لجمعيات النفع العام، يخصم المبلغ الذي دفعه من قيمة الضرائب المتوجبة عليه، وبالتالي تجد أن هذه الجمعيات تحصل على أموال كثيرة من التبرعات والهبات.

* د. علي شكر: رئيس الجمعية أو رئيس النقابة أو الاتحاد في أي دولة أخرى يعادل مرتبة وزير. نحن لا نريد أن يكون في درجة وزير ولا حتى وكيل مساعد، وإنما نريد أن يستمعوا إلينا فقط.

* د. فاطمة الصايغ: لكن، هل حاولتم فعلا أن تتعرفوا على موقع الخلل؟

* د. علي شكر: أنا بالنسبة لي، اعتقد أن نجاح الجمعيات الخيرية لأنها جمعيات سهلة غير مساءلة بالنسبة لأفرادها من ناحية العطاء السياسي، بينما لا تزال هناك عقلية للأسف تفكر بطريقة أخرى، والدولة قد لا تأخذ هذه النقطة من منطلق جدي، ولكن ومنذ أن كنا طلبة ما زال هناك من يعتقد أن من ينتسب لهذه الجمعية أو تلك هو إنسان سياسي ومعارض. وعندما تدعو البعض للمشاركة في عمل إحدى الجمعيات ونشاطاتها، تجده يبني على فكرة خاطئة في الأساس، ويتخوف من ذلك ويعتقد انه قد يوضع في لائحة سوداء..الخ!

* د. فاطمة الصايغ: هذا يعني أن هناك خللا في المجتمع ويجب تصحيحه.

* د. علي شكر: نحن في جمعيات النفع العام نعاني من هذا الوضع، والجهة التي يفترض أن تساعد في رفع هذه المعاناة هي المدرسة والجامعة، من اجل رفع الوعي بدءا من المدرسة ثم تأتي الجامعة لتكمل دورها. وأنا اعتقد أن الجمعيات المهنية لن تستطيع استكمال دورها إلا بالتعاون مع هذه المؤسسات التعليمية لرفع هذا الوعي.

جردة حساب

* د. محمد المطوع: أنتم في جمعيات النفع العام، على مدى الثلاثين سنة الماضية، أين دوركم في رفع وعي الناس بأهمية العمل التطوعي؟ هذه حيلة للتهرب من المسؤولية.

* د. علي شكر: نحن في جمعية الإمارات الطبية، مثلا، نظمنا أكثر من مناسبة وحدث لمناقشة القضايا العامة للأطباء ولتشجيعهم على الدخول في هذه الجمعية من اجل رفع المعاناة عنهم، وبالتالي نعطي نوعا من الحافز والحلول.

* د. فاطمة الصايغ: لكن برامجكم موجهة إلى فئة واحدة، وهي فئة عندها وعي في الأساس.

* د. علي شكر: ليس عندها الوعي المطلوب، ونحن قبل أربعة أشهر نظمنا نشاطا على هذا المستوى ودفعنا تكاليفه من حساب الجمعية، دون أن نجد جهة ترعاه، والمفترض أننا سنناقش القضايا العامة للطبيب ومعاناته في المجتمع، من الناحية الأكاديمية ومن الناحية المهنية وبالنسبة لأخلاقيات المهنة، وتصوري، عندنا 850 طبيبا مواطنا والباقون من الوافدين، والرقم العام في الدولة ستة آلاف طبيب، ولم يحضر سوى 40 طبيبا. هذه فضيحة!

* علي العبيدلي: تفعيل العمل التطوعي هو دور المؤسسات والوزارات، ليس من الناحية المادية وإنما كدور معنوي للموظفين. وذلك بأن تشجع المؤسسات والوزارات الموظفين لديها على العضوية في جمعيات النفع العام والمشاركة في أنشطتها، كما هو الحال في بعض الدول الأخرى.

* إبراهيم مبارك: بالنسبة لاتحاد الكتاب، على الرغم من الظروف الصعبة التي مر بها من قلة المادة وقلة الدعم والمساندة وقلة الحضور، أيضا، من قبل شخصيات كثيرة، إلا انه نظم الكثير من النشاطات والندوات حول العديد من القضايا التي تتعلق بالمجتمع وتهم الساحة الثقافية، كما اصدر مجموعة من الكتب التي لها علاقة بالإمارات وبنشاطات مؤثرة فيها. وبالإضافة إلى ذلك حاولنا عقد بعض الندوات النوعية لكننا وجدنا أنها تدخل في «مناطق محظورة».

* عيسى السري: حول السؤال عما قدمته الجمعيات، أنا من خلال متابعتي لعملها أرى أنها حاولت جهدها أن تقدم ما تستطيع، رغم كل الصعوبات التي تواجهها. نحن مثلا، في جمعية المعلمين، لدينا ستة فروع وننظم زيارات للمدارس.. ويجب ألا ننسى أننا نعمل في ظل إمكانيات محدودة، ومع ذلك نصدر مجلة «المعلم» منذ 26 سنة دون دعم، رغم أن الدولة تقدم دعما لمجلات أخرى لا تقوم على جانب مهني، ولدينا إصدارات أخرى تتصل بشؤون المعلمين والطلاب، وكلها تقوم على رعاية بعض الجهات غير الحكومية.

نحن نتطلع إلى مزيد من الدعم من قبل الدولة. وبصراحة، كما قال الإخوة، نحن وجودنا في الجمعيات جلب لنا مشكلات ولم يقدم لنا ايجابيات، ففي الدول الأخرى يقدمون امتيازات كثيرة للعاملين في الجمعيات التطوعية، ولكننا ما زلنا نفتقد مثل هذا التقدير الايجابي عندنا.

* د. فاطمة الصايغ: الجمعيات، على مستوى الدولة، تكرم شخصية عامة محلية كل سنة، لكن التكريم يتكرر لنفس الأشخاص دون أن يكون هناك اهتمام بالعاملين من الناس العاديين، فلماذا لا يكرمون هؤلاء، على الأقل كنوع من التحفيز على العمل التطوعي. وهذا في رأيي احد أسباب العزوف عن الجمعيات، فالإنسان بطبيعته يرغب في التقدير المعنوي، وليس المادي فقط.

مسؤولية التقصير

* د. علي شكر: أنا أتفق مع الدكتورة فاطمة، وأنا عملت في جمعية الإمارات الطبية منذ عام 1987 وقبلها كنت أنا والأخ عيسى (السري) من مؤسسي اتحاد طلبة الإمارات. ولكن دعونا نكون أكثر واقعية، فالجمعيات في ظل المعطيات والإمكانيات المتوفرة لديها، لا انفي أنها لم تساهم في أسباب العزوف عنها، ولكن للأسف، وأقولها بشكل واضح، مؤسساتنا الحكومية، خصوصا المؤسسات التعليمية والتربوية، لم تساعد ربما بنسبة 70% في رفع مستوى الوعي الفكري التطوعي بالنسبة للطلبة، سواء على مستوى المدارس أو على مستوى الجامعة. وهذه الأجيال التي تعمل الآن في جمعيات النفع العام لأنها توارثت العمل من خلال تواصلها مع جماعات قديمة أو كنوع من الاجتهادات الشخصية، وبالتالي استمراريتها فقط بسبب هذا التواصل.

فنحن كأفراد نسعى ونحاول، لكن المؤسسات التي يفترض أن تساهم في الجذب لا تقدم المساعدة المطلوبة. فمثلا لو أن المدارس تشجع الطلبة على العمل التطوعي من خلال منحهم درجة أو درجتين إضافيتين مقابل هذا العمل، لكان في ذلك حافزا لجذبهم إلى المشاركة في أنشطة الجمعيات. فأنا من وجهة نظري، أسباب العزوف عن الجمعيات النفع العام تعود إلى الجمعيات ذاتها بنسبة 30% والى المؤسسات الحكومية بنسبة 70% الأخرى.

* علي العبيدلي: أنا أرى أن تؤخذ آراء ومقترحات جمعيات النفع العام كلها بخصوص القانون الجديد المنتظر وتعرض على الوزارة لتضعها في الاعتبار قبل إصدار القانون.

* عيسى السري: كلام الأخ علي (العبيدلي) نتفق معه من حيث أننا كأفراد لا بد أن نطور آلياتنا لكي نصل إلى مستوى أداء أفضل. لكن تطوير أداء هذا القطاع لا يقع على العاملين فيه فقط، لأن دور الدولة وتوجهاتها تؤثر على العاملين.

لذلك أنا أرى أن الأهم ليس وجود مجلس تنسيق، وإنما دور الدولة والتشاور بين المسؤول الذي بيده اتخاذ القرار وبين الجمعيات. فالمسألة ليست إيمان الجمعيات أو عدم إيمانها، فأنا كمسؤول في جمعية ألغيت كل مواعيدي وأشغالي وجئت إلى هذه الندوة إيمانا مني بدور الجمعيات وأهميتها والمساهمة في تطوير أدائها، ولكننا لن نستطيع أن نكون مشاركين بفعالية ما لم تكن لدينا آليات للأداء. ونحن نقترح إنشاء مجلس للعمل التطوعي يشارك فيه ممثلون يناقشون جميع قضاياهم بمشاركة الوزارة على أعلى مستوى. فالبعد الرسمي جانب مهم وموقف الحكومة مهم جدا، لأن الجانب الرسمي إذا اقتنع بك وبأن لديك قضايا مهمة وتطرحها بعقلانية، فسوف يحاورك ويناقشك أخذا وعطاء.

لذلك نريد أن يكون هذا المجلس حلقة وصل واتصال مع الحكومة، يتقدم إليها بنقاط محددة ومشروع متكامل في هذا المجال. ويجب أن يتم ذلك في جو من المصارحة والمكاشفة إذا كنا نريد تحقيق نجاح حقيقي، وليس بالضرورة أن تأخذ بوجهة نظري كاملة، بل خذ منها عشرة في المئة واترك الباقي، فقد أكون مخطئا أو مصيبا، ولكن المهم أن اطرح رؤيتي بتجرد وموضوعية حسب ما يمليه علي ضميري دون محاسبة من أحد.

إذا حققنا بالنسبة للأفراد هذا المستوى من الانفتاح والشفافية والوضوح، فسنتمكن من تحقيق نتائج كبيرة. وبالطبع قد تخوننا العبارة أحيانا وقد يكون لنا رأي خاطئ في هذه المسألة أو تلك، فنحن بشر وليسامحونا على ذلك.

* د. محمد المطوع: لا أحد يحاسبك على ذلك.

* عيسى السري: نعم، ولكن ما اعنيه أننا أسسنا نظام عمل. نحن مثلا في جمعية المعلمين عندنا مجلس إدارة هو المرجع وهو المعني، وليس رئيس مجلس الإدارة ولا غيره. فهذه الجمعيات فيها ممارسة وأداء لا يوجد مثله في غيرها من الهيئات والمؤسسات حتى الآن.

آليات التفعيل

* د. علي شكر: استكمالا لكلام الأخ عيسى، أنا اقترح التوصية بإعادة تشكيل لجنة من قبل الجمعيات للمشاركة في إعادة صياغة قانون إشهار الجمعيات.

- تشكيل المجلس المشترك بين جمعيات النفع العام، وتكون مهمته رفع مستوى العطاء والأداء وتحقيق التواصل بين هذه الجمعيات المهنية.

- تشكيل فريق عمل للتواصل مع الهيئات التعليمية، لوضع آلية جذب لرفع معنى العمل التطوعي وتعليمه وتدريسه من خلال المناهج الدراسية في الدولة.

* د. محمد المطوع: ننتقل الآن إلى البند الأخير حول مستقبل العمل التطوعي في الدولة وسبل تطويره، وتفعيل الشراكة بين الدولة والجمعيات الأهلية والقطاع الخاص..

* علي العبيدلي: يجب أيضا دعم إجراءات التعاون وان يكون هناك مركز دعم لتبادل المعلومات، بحيث يتم تعميم أي فعالية أو أي نشاط على جميع المؤسسات الموجودة في الدولة، سواء كانت تطوعية أو تعليمية خاصة أو عامة، ومشاركة القطاع الخاص في دعم الجمعيات.

* د. فاطمة الصايغ: القطاع الخاص لا يعطي دون مقابل، ولا بد أن تقنعه أولا بجدوى العمل وأهميته، كما أن العلاقات الشخصية تلعب دورا في هذا المجال.

* د. علي شكر: أنا اختلف مع هذا الكلام، فإذا كان الأمر متوقفا على العلاقة الشخصية فقد معناه. لما شخصية مثل علي العويس، رحمه الله، يستقطع مبالغ من ماله الخاص، وليست مبالغ بسيطة، ألفا أو ألفين أو عشرة آلاف وإنما بالملايين، من اجل تطوير العمل التطوعي ومن اجل تطوير جمعيات النفع العام، فلأن لديه قناعة شخصية بذلك وليس مهما بالنسبة له من يكون في هذه الجمعية أو تلك، بل المهم عنده أن تحصل الجمعية على هذا المبلغ بشكل دائم لدعم نشاطاتها وعطائها.

لذلك السؤال هو كيف نفعل العمل التطوعي؟ العمل التطوعي، كما تفضلت الدكتورة فاطمة، ينقسم إلى نوعين: نوع العمل التطوعي في الجمعيات الخيرية، وهذه تختلف كليا ويمكن أن تكون لها مسببات جذبها الخاصة، والنوع الثاني هو العمل التطوعي في جمعيات النفع العام المهنية. ونحن الآن نتكلم عن العمل التطوعي في الجمعيات المهنية، وليس عن الجمعيات الاستهلاكية التي تحصل على الأموال سنويا!

وبالتالي يجب وضع آلية لتطوير العمل التطوعي في جمعيات النفع العام المهنية التي تعاني من شح الموارد وإرهاق العمل. وأول فكرة سبق أن طرحناها، ويجب أن تناقش وتطرح من قبل المناهج التعليمية في ما يتعلق بالعمل التطوعي وأهميته ومردوده الايجابي للمجتمع. الشيء الآخر انه لا بد من العمل على نفي المفهوم الموجود عند البعض بأن هذه الجمعيات ولدت معارضة. بل يجب أن نرسخ الواقع الفعلي، وهو أن هذه الجمعيات مواكبة ومكملة وشريكة في العمل العام للنهوض بهذه الدولة. وهذه نقطة أساسية لا بد أن نصل إليها بشكل أو آخر.

بالنسبة لتشكيل مجلس مشترك من مختلف جمعيات النفع العام، لو تشكل وفد من هذه الجمعيات وذهب لعرض الفكرة على مجلس الوزراء أو المجلس الوطني لتوضيح دور هذه الجمعيات وفعاليتها، بل ويجب أن يثبت لهم بالوثائق والبيانات ما نقوم به خدمة للدولة في المؤتمرات واللقاءات الخارجية. مثلا، أنا عندما أكون في اتحاد الأطباء العرب ويأتي من ينتقد بلدي فكأنه يطعنني في الظهر، فقد تصل الأمور إلى حد أن اهدد بالانسحاب كليا من هذا الاتحاد إذا لم تحترم خصوصيات دولتنا. وبالتالي هذا الدور يجب أن يوثق للتأكيد على أن عمل الجمعيات مكمل لدور المؤسسات الرسمية الحكومية، وهذا بدوره ينعكس على الآخرين ويجذبهم للعمل التطوعي، لأنه يحقق نوعا من الرضى الذاتي ،كما انه يزيل أي مخاوف لديهم من الانخراط في جمعيات النفع العام.

نظرة تفاؤلية

* عيسى السري: من القضايا المستقبلية المهمة، كذلك، والتي ستنعكس بشكل كبير وايجابي على هذا القطاع، تحديد العلاقة بين المؤسسات الرسمية وجمعيات النفع العام وتحديد الأدوار. مثلا، تحديد علاقتنا نحن في جمعية المعلمين بوزارة التربية وجمعية الأطباء مع الصحة، وتوضيح كيف أن هذه العلاقة يجب أن تكون علاقة تكاملية، وكيف نغلب فيها مصلحة الوطن على مصالحنا الضيقة. كما انه أحيانا لا يكون هناك اتفاق أو تفاهم بيننا على جوانب معينة، وذلك نتيجة لعدم الحوار والتواصل وعدم وجود آليات لذلك. الأمر الآخر، أنا بصراحة متفائل بمستقبل العمل التطوعي، رغم كل ما ذكرناه، لأن توجهات الدولة بخصوص المشاركة الشعبية وتحديد رؤية واضحة في هذا الإطار وسرعة تطبيق هذا المشروع، سوف تنعكس على هذا الجانب.

* إبراهيم مبارك: بالنسبة لمستقبل العمل التطوعي، إذا تحقق الوعي المطلوب وأصبحت هناك ثقة لدى العاملين في الجمعيات بأن عملها وجد لخدمة المجتمع، وان الدولة تساند عملهم التطوعي من خلال إفساح المجال أمامهم وتشجيعهم ودهمهم ماديا وإعطائهم الحرية في اتخاذ القرار والحركة.. إذا تحقق ذلك فبالتأكيد سيكون العمل التطوعي جيدا.

أيضا، ينبغي إعطاء هذه الجمعيات دورا فاعلا في المجتمع ودور المشارك في خدمته وتطويره. فنحن بالنسبة لنا في اتحاد الكتاب، كثيرا ما نحزن لأنه حتى المشاركات الخارجية إما أن يلغوا دورنا كليا، رغم أن المشاركة تتعلق بنشاط ثقافي أو فكري، وإما أن يضعونا في ذيل المجموعة ويأخذوا جمعيات أخرى لا علاقة لها بالموضوع. فإذن، لا بد أن تكون الثقة موجودة وان يتم دعم الاتحاد ماديا وإعطاؤه فرصة كافية للعمل، فنحن كلنا ننتمي لهذا البلد وكلنا نخاف عليه ونحرص على رفعته.

* د. علي شكر: نحن أيضا يجب أن نكون واقعيين، فلو قارنا دولة الإمارات بدول أخرى كثيرة جدا، نجد أننا نعيش في وضع ممتاز. نحن لدينا حرية الكلمة وحرية الحوار، وبالتالي ينبغي ألا نحصر أنفسنا في تسميات وعبارات عامة، رغم أن هناك بعض القيود بالنسبة لجمعيات النفع العام. لكن عندما نقارن أنفسنا بالدول المحيطة فليس هناك وجه للمقارنة.

* إبراهيم مبارك: هذا صحيح، ولكننا نحن نريد الأفضل.

* د. محمد المطوع: الصورة فعلا ليست سوداوية، وأنا اعتقد أن من الانجازات استمرار وجود هذه الجمعيات، بالرغم من أن بعضها ليس له أي نشاط يذكر، والجمعيات التي لها نشاط واضح ربما لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، وهذا دليل على أن الدولة تدعم العمل التطوعي ودور الجمعيات بشكل عام. لذلك اعتقد أن إحدى الإشكاليات الرئيسية هي عدم التواصل مع الجيل الجديد، للأسف، فالجمعيات لم تستطع تكوين كوادر جديدة حتى الآن. فلو لاحظنا على مدى العشرين سنة الماضية لوجدنا أن مجالس الإدارات لم يتغير منها إلا واحد أو اثنان، وفي أحسن الحالات ثلاثة. وهذه إشكالية كبيرة.

* علي العبيدلي: أرى ضرورة تفعيل قانون الجمعيات وتعديله في ما يتعلق بالصلاحيات وحماية الأعضاء، وكذلك فتح الباب أمام العضو للحصول على مكافأة ولو بسيطة، إذا كان هناك مجال لذلك.

* د. فاطمة الصايغ: كذلك يجب تفعيل العلاقة بين الجمعيات والقطاع الخاص، لأننا بذلك نضرب عصفورين بحجر واحد، فننشر الوعي بالعمل التطوعي من ناحية وفي الوقت ذاته نحصل على الدعم الذي تحتاجه الجمعيات.

* د. محمد المطوع: في الختام نشكركم على حضوركم وتلبيتكم دعوة البيان للمشاركة في هذه الندوة، التي نأمل أن تكون قد ساهمت في إيضاح بعض النقاط والإشكاليات المتعلقة بهذا القطاع الحيوي للمجتمع، وان تكون خطوة إلى الأمام على طريق تفعيله وتطويره.