على الرغم من مضي أكثر من 30 عاما على تأسيس أول جمعية ذات نفع عام في دولة الإمارات وزيادة عددها إلى 121 جمعية تتشعب أهدافها وتتنوع خدماتها والفئات التي تتوجه لها، تشهد دولة الإمارات تراجعا ملحوظا في دور ونشاط هذه الجمعيات التي يعاني معظمها حاليا من جملة مشكلات أهمها قلة الإيرادات، ونقص المتطوعين، وانخفاض عدد المنتسبين، وعزوف الشباب عن المشاركة، وتناقص الحضور في الجمعيات العمومية، ومحدودية الدعم المادي، وغيرها من السلبيات التي تحول دون تفعيل مشاركتها في تنمية المجتمع.

وهذه الجمعيات بمختلف توجهاتها تمثل مخزونا وطنيا يتكامل مع الجهود الحكومية الساعية لخدمة المجتمع، لما يمثله العمل التطوعي والتكافل الاجتماعي اللذان تقوم عليهما من أسلوب حضاري للتعاون بين أبناء المجتمع.

وقد شجعت الدولة هذه الجمعيات منذ البداية، فأصدرت لهذا الغرض القانون الاتحادي رقم (6) لسنة 1974 والمعدل بالقانون الاتحادي رقم (20) لسنة 1981 في شأن الجمعيات ذات النفع العام. لكن البعض يرى أن هذا القانون بات في حاجة إلى تعديلات في بعض بنوده، تمشيا مع توجهات الدولة في البناء الاقتصادي والاجتماعي وتفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني في التنمية.

وحدة الدراسات في «البيان» نظمت ندوة بعنوان «جمعيات النفع العام ودورها في التنمية»، دعت إليها ممثلين عن هذه الجمعيات لمناقشة أوضاعها وواقع العمل التطوعي بشكل عام. وتطرق النقاش إلى القانون الاتحادي بشأن الجمعيات ذات النفع العام ومدى ملاءمته للتطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الدولة ولعمل الجمعيات بمختلف تخصصاتها، كما تناولت دور هذه الجمعيات في الرعاية الاجتماعية والمشكلات التي تواجهها وسبل النهوض بها وزيادة تفاعلها مع البيئة المجتمعية، وآليات الدعم والمتابعة التي تقدمها الدولة ومدى فاعليتها، بالإضافة إلى مستقبل جمعيات النفع العام في الدولة وسبل تفعيل الشراكة بين الدولة والجمعيات الأهلية والقطاع الخاص.

ترأس الندوة د. محمد عبد الله المطوع، رئيس وحدة الدراسات، وقد تناول الحضور في الحلقة الأولى واقع العمل التطوعي في الدولة وسبل تطويره، مطالبين بتعديل القانون الخاص بإنشاء وإشهار الجمعيات ذات النفع العام. واليوم نواصل، في هذه الحلقة، ما دار في الندوة من مناقشات حول أسباب الخلل في عمل الجمعيات والعقبات التي تقف في طريقها.

الوصاية والإشراف

* د. محمد المطوع: اعتقد انه لا يمكن لأي مؤسسة موجودة في المجتمع المدني أن لا تكون لها تبعية لجهة ما. القضية الأخرى، نأخذ الأمر وكأن الوزارة تتآمر على جمعيات النفع العام، وفي الواقع جمعيات النفع العام لا تشكل خطرا على الدولة، لا في وضعها الحالي ولا المستقبلي. جمعيات النفع العام هي بشكل من الأشكال مساندة لعملية التنمية. ولكن دعونا لا نتهرب من عدم أدائنا لدورنا كما ينبغي ومحاولة وضع اللوم على الوزارة أو الدولة أو ما شابه. هناك نماذج من الجمعيات ناجحة وتسير جيدا نتيجة لمجالس إدارتها ولأسباب أخرى. لكن موضوعنا الرئيسي أن هذا القانون الحالي أصبح له أكثر من عقدين من الزمن ولا بد من إعادة النظر فيه.

النقطة الأخرى، حين نتكلم عن جمعيات يبلغ مصروف موظفيها أضعاف مضاعفة عما تقدمه الميزانية معنى ذلك أن هناك خللا ما. في السابق كما نعلم الكثير من التجار كانوا يتبرعون لجمعيات النفع العام ونحن لدينا تجربة في الثمانينات مع الكثير منهم كسلطان العويس وعبد الله الرستماني، رحمهما الله. كانت الجمعيات تقصد هؤلاء الناس وكانت تتوفر الميزانية. لكن هذه ليست القصة الرئيسية.

باختصار، لا بد من أن تكون الجمعيات تحت وزارة العمل أو أن تلتحق مستقبلا بوزارة الثقافة أو الشؤون الاجتماعية. إذا تركت الأمور من غير إشراف، قد تبرز غدا عشرات الجمعيات الجديدة.

* إبراهيم مبارك: حلمنا هو أن نستقل عن الوزارة ويجب في المستقبل ان نفعل ذلك. الاتحادات موجودة في كل العالم والتخوف هذا يجب ان ينتفي.

* د. محمد المطوع: هل الجمعيات ذات النفع العام في يوم من الأيام تكلمت مع المجلس الوطني عن بعض المضايقات التي تتعرضون لها وهل أثيرت هذه الأمور في المجلس.

* إبراهيم مبارك: نعم أثيرت في المجلس؟

* عيسى السري: والمجلس تبنى قضايانا ولكن المجلس نفسه قراره استشاري.

إلزامية العضوية

* د. علي شكر: تصحيح بالنسبة لنا، عندما تحدثت عن أن الجمعيات يجب أن تشهر من قبل الوزارة، لا يعني ذلك انه يجب أن يكون وجودنا في الهواء الطلق وأنه لا يجب أن نكون تحت مظلة. لكن الآن المطلوب أن نرتقي في العمل وليس في الاسم إلى مستوى العمل النقابي. وهذا ما يجب ان نكون عليه، وللأمانة نقول وبحكم تواصلنا القوي جدا مع وزارة العمل والشؤون الاجتماعية سابقا ووزارة الشؤون الاجتماعية حاليا، فنحن نعتبرهم المرجعية التي نتعامل معها، نحن نتعاون سويا لكن نحن هنا نتكلم بشكل عمومي.

حتى دعم وزارة العمل والشؤون الاجتماعية الآن محدود، والعمل النقابي يتطلب دعما قويا. وأنا اتفق معكم انه من المفترض كجمعيات ان لا نعتمد على دخل وزارة الشؤون الاجتماعية والذي هو 50 ألف درهم وفي أقصاه لا يتعدى 90 ألف درهم لجمعية المعلمين وجمعية الإمارات الطبية، هذه مبالغ لا نستطيع أن نفعل بها شيئا، لكن يجب أن يكون هناك قرار موحد ما بين كافة الجمعيات، والمهنية بالذات بإلزامية العضوية في سبيل المساهمة في اتخاذ القرار وللمساعدة في دعم القرار وغيره، أكثر من سبب يؤيد ذلك الأمر، اذهب إلى أي دولة في العالم سواء العالم الثالث أو المتقدم، يمنع على الطبيب أن يدخل الدولة ويعطي وصفة طبية واحدة أو يضرب إبرة لمريض إلا بعد أن يكون مسجلا في نقابتها أو جمعيتها المهنية، وإذا مارس عكس ذلك، يحاكم ويسجن ويمكن أن تلغى شهاداته أو يجمد وضعه ويعمم هذا الأمر عليه.

إذا هناك قوانين تلزم، فالجمعيات المهنية يجب ان تكون فيها إلزامية العضوية ونحن أكثر من مرة طالبنا وقلنا أعطونا قرارا بإلزامية العضوية، ونحن قادرون على ان نستغني عن الدعم المادي الحكومي. يكفي ان يدفع لنا 5000 طبيب في الدولة 200 درهم سنويا، نحصل على مبلغ جيد وهذا دون احتساب دخل المؤتمرات ودعم التبرعات الأخرى.

* د. فاطمة الصايغ: لكن هذا قرار سياسي، يعني ضريبة يجب أن يكون مقابلها تمثيل.

إشراك الوافدين

* د. محمد المطوع: هل هذا يعني مستقبلا ان تسمح لغير المواطنين في ان يكونوا أعضاء عاملين؟

* إبراهيم مبارك: لكن هؤلاء لديهم حقوق كاملة في العضوية ما عدا الترشيح لمجلس الإدارة.

* علي العبيدلي: إذا ألزم الجميع في أن يكونوا أعضاء في الجمعيات، يجب تغيير عملية اكتمال نصاب الجمعية العمومية والاختلاف هو على هذه النقطة.

* د. علي شكر: لا دعونا نتكلم عن الأعراف العامة الدولية. الأعراف الدولية بالنسبة للجمعيات المهنية بالذات حيث ان وضعها يختلف عن الجمعيات التطوعية، هذه الجمعيات المهنية والمسماة بالخارج اتحاد أو نقابة، في كل أنحاء العالم من يمارس المهنة ذاتها يجب ان يكون عضوا في الجمعية، ان كان مواطنا في هذه الدولة يكون له حق الانتخاب والترشيح، وان لم يكن يحرم من هذين الشيئين فقط. وهذا متعارف عليه عالميا.

* د. فاطمة الصايغ: نتمنى أن نصل إلى مستوى بريطانيا، لكن الوضع هنا يختلف. ولا يجوز وضع سقف عال.

المرجعية والمحاسبة

* عيسى السري: ما نريده هو أن تكون لدينا فاعلية في بيئتنا ودولتنا وان نناقش هذه القضايا وننظر إلى ما هو في مصلحة الطرفين، نحن لا نريد أن نقيد أحدا. ليس لدينا شروط كما طرح د. علي شكر لكن نحن في النهاية نريد أن نعطي هذه الجمعيات أدوات وآليات تستطيع من خلالها أن تمارس دورها الحقيقي في المجتمع. ونحن إذ نعطي الجمعيات هذه الآليات لا ننظر إلى الأمر وكأننا نعطيها لأفراد، لأن هؤلاء الأفراد أصلا منتخبون وعندما يقصرون تجرى اقالتهم. عندما أكون منتميا إلى جمعية من الجمعيات ويطلب مني أن أسجل فيها، فاني حين أجد مجلس الإدارة بيده كل هذه الأموال ولا يمارس دوره الحقيقي أمارس حقي في تقرير وضع مجلس الإدارة. إذا القضية ليست أفرادا بل القضية جمعيات.

لعلي أتوقف عند النقطة التي طرحها أ. العبيدلي، حين قال إن الحرية قد تكون نتائجها سلبية، نحن في الواقع ليس لدينا حرية الآن في هذه الطريقة. ما دامت هناك أطر وجمعيات عمومية فهذه ليست حرية كاملة لأنه تجرى سنويا مناقشة أوضاع الجمعيات. هل يوجد لدينا في دولة الإمارات مؤسسات منتخبة تناقش سنويا أوضاعها وتقدم تقاريرها وتعطي الثقة أو تحجب عنها، نحن كل سنة يجب أن نجهز أمورنا ونتقبل النقد ويتكلم عنا أعضاء الجمعية العمومية.

الأمر الآخر، الإخوة في الإعلام نتيجة للحرية الموجودة بدأوا يتساءلون أين دور جمعيات النفع العام ويقولون هي لا تمارس أدوارها، ونحن كأفراد قائمين بهذا الدور بالكاد نستطيع أن نسيّر أمورنا.

قضية الدعم، أريد أن أعطي أمثلة كيف أن هذا القانون مقيد وكيف يجري التدخل، وهنا اتفق مع الأخ إبراهيم تماما، أرسل لنا ديوان المحاسبة العام الماضي رسالة فحواها «لقد اكتشفنا من خلال مصروفاتكم أن الجمعية لا تمارس النشاط الذي أنشئت من أجله». سألناهم ما هو هذا النشاط؟ قالوا لنا: «لقد صرفتم 7000 درهم على إعلان في جريدة للدعوة لمسيرة الانتفاضة»، فقلنا لهم: «هذه قضية فلسطين قضية قومية والدولة تدعمها».

واقول نحن نعرف أدوارنا وحجمنا لم نقم بهذه المسيرة إلا بعد موافقة ورعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، يعني عندما يوجه إلينا أمر كهذا وهناك جهة تقول لنا انتم لا تمارسون دوركم والوزارة تقول لنا أيضا هذا الكلام!!

أنا أتصور انه إذا كنا مؤمنين بأدوار هذه الجمعيات ونريد تفعيل دورها الحقيقي لا بد أن يكون هناك مجلس مشترك بين الجهة المشرفة وهي الآن وزارة الشؤون الاجتماعية ومجالس إدارات لنقل 5 أو 6 جمعيات يناقش قضاياها ويخرج بتصورات واضحة لتفعيل هذه الأمور.

* د. محمد المطوع: في السابق كان هناك اجتماع بين الجمعيات ذات النفع العام والوزارة وتشكلت «جمعية التنسيق» التي انحلت في ما بعد. كان الهدف الرئيسي هو فتح حوار بين الطرفين وقيل كلام حينها اننا جهتان تكملان بعضهما بعضا. ومن هنا جاءت محاولة أن يكون هناك نوع من الحوار والتنسيق. وفي ما بعد تبين أن الهدف عكس ما هو معلن والمقصود منه الوصاية بشكل من الأشكال، والجمعيات استطاعت أن تترك حينها.

* إبراهيم مبارك: ما قلته صحيح، إذا كانت منتخبة فلا بأس أما إذا كانت هذه العناصر التنسيقية آتية من الوزارة بهدف الوصاية، فماذا سيناقشون؟ سيطلبون برنامجنا ليدرسوه وقد يوافقون عليه أو لا يوافقون. هذه عملية خطيرة جدا، فهي تنقل العملية من مجالس إدارات منتخبة ومستقلة إلى مجموعة من الأشخاص يعملون لوصاية اكبر ويكونون الواسطة بين الجمعيات والوزارة. وهذه قضية خطيرة على الجميع.

مشكلة التمثيل

* د. محمد المطوع: ذكرت سابقا أن الإخوة العرب غير المواطنين هم فقط أعضاء مشاركون في الجمعيات. هل لاحظتم أن تطورا حصل في انتخابات غرف التجارة التي تمت في أبو ظبي لناحية انتخاب غير المواطنين. فإذا انتم تسعون إلى المجتمع المدني، لماذا لا يجري في ظل القانون الحالي إدخال واحد أو اثنين من عشرة في مجالس إدارات الجمعيات من غير المواطنين، فهؤلاء لن يؤثروا على وضع الجمعية ويكون هناك تمثيل للآخرين. الآن ما شاء الله لدينا في المجتمع تعددية في الجنسيات ليس لها أول ولا آخر.

الجانب الآخر أن جمعيات النفع العام في الوقت الراهن لديها إشكالية رئيسية وهي أن أعضاءها يتناقصون، فإذا كان عدد الأعضاء العاملين فيها 200 أو 300 عضو، فإن الذين يسددون اشتراكاتهم قد يبلغ عددهم 20 عضوا أما الذين ينتخبون فيبلغ عددهم 15 عضوا فقط. وبالتالي، حتى لو أخذنا الأمور من الناحية الديمقراطية، كمجالس إدارة أنتم تمثلون فقط هذا العدد من الاشتراكات ونطرح هنا في المحور الثاني ما هي أسباب تراجع جمعيات النفع العام؟ لننتقل للكلام عن أسباب تراجع عمل جمعيات النفع العام بالرغم انه في الوقت الراهن من المفترض مع ارتفاع نسبة التعليم والوعي وغيرهما أن يكون الوضع معكوسا. لنأخذ مأزق الجمعيات ذات النفع العام في الوقت الراهن، ما هي أسبابه؟

* د. محمد المطوع: ما هي أسباب تراجع نشاط جمعيات النفع العام؟

* علي العبيدلي: أتصور أن ظروف الحياة عامل أساسي، والظروف الاقتصادية بشكل خاص، حيث ان ظروف العمل تجعل الكثيرين يترددون في الذهاب إلى الأعمال التطوعية بعد انتهائهم من يوم عمل طويل، وربما لا يجدون الوقت الكافي للتطوع في جمعيات النفع العام. كما أن الظروف الاجتماعية عامل آخر، خاصة مع وجود مراكز وأماكن للتسلية في كل منطقة على عكس ما كان في السابق حيث لم يكن هناك مكان آخر للترفيه والتسلية غير الجمعيات ذات النفع العام.

* إبراهيم مبارك: أنا اعتقد أن هناك أسبابا أخرى، وأرى أن نقص الوعي سبب رئيسي. في هذا الوقت تغير الوعي تماما، فأنت تلاحظ أن المنخرطين في الجمعيات في السابق كان بينهم اتصال دائم وكانوا مثقفين وعندهم هم اجتماعي ولهم رؤية وقراءة مختلفة للواقع. أما الآن فقد حدث ابتعاد عن الجمعيات وانسحب الكثير من أعضائها، وأصبح همّ البعض هو البحث عن مصالحه الشخصية الخاصة، مع أن البعض ما زالوا يحرصون على التواصل وعلى العمل في هذه الجمعيات. لذلك اعتقد أن مستوى الوعي بأهمية العمل التطوعي يلعب دورا كبيرا في عمل الجمعيات ونشاطها.كذلك نجد أن مؤسساتنا الاجتماعية والتربوية والثقافية وغيرها، لا تنمي الاهتمام بالعمل الاجتماعي، مع غياب الاهتمام بالجانب السياسي. كما أن «الإعلام المطبل» اخذ كل الشباب ووضعهم في صور أخرى، فصار معظم الشباب الجدد ليس لديهم اهتمام بالشأن الاجتماعي وليست عندهم رؤية اجتماعية.

* د. محمد المطوع: أنا اختلف معك، فهذا كلام غير صحيح ، الوعي موجود والناس عندهم إحساس بالواقع وبالمشاكل الموجودة. لكن يبقى الخلل في الجمعيات ذاتها، فما الذي حققته برامج هذه الجمعيات من طموحات أعضائها؟

* إبراهيم مبارك: السبب الثاني أن هذه الجمعيات لا تستطيع وضع برامج قوية وفاعلة، لأنها لا تملك الميزانيات اللازمة لذلك!

* د. محمد المطوع: هل حاولت الحصول عليها؟ أنا أشك في ذلك..

* إبراهيم مبارك: نعم حاولت. لكن من الذي ينشط الآن في هذه الجمعيات؟ إنهم بضعة أشخاص فقط ما زال عندهم شيء من الحس الوطني، بقايا شيء من الوطنية.

* د. محمد المطوع: الحقيقة أن مشروع الجيل السابق فشل.

* إبراهيم مبارك: بل أفشلوه!

نقص القناعة

* د. علي شكر: نحن عندنا مشكلة في القناعات العامة بالنسبة للأفراد ذوي المهنة الواحدة، فليست هناك قناعة بان المؤسسة لا يمكن تفعيلها إلا بتواجد الأعضاء ونشاطهم. البعض يبحث فقط عن مصلحته الشخصية وما الذي يمكن أن تعطيه له الجمعية! لكنه لا يسأل نفسه كيف يحصل على حقه من الجمعية وهو بداخلها. إذن، القناعة الذاتية بهذا العمل المهني التطوعي غير موجودة.

الشيء الآخر غياب الوعي العام بالعمل التطوعي في الجمعيات، وأنا هنا لا أتحدث عن الجمعيات الخيرية لان فيها شبابا جزاهم الله خيرا على ما يقومون به، وإنما أتحدث على مستوى جمعيات النفع العام المهنية حيث لا يوجد وعي ذاتي، مقارنة بما كان عليه الوضع بالنسبة لجيل السبعينات والثمانينات وبداية التسعينات الذي يختلف كليا عن الجيل الحالي. وهذا الخلل تشترك فيه المؤسسات كلها بما فيها المؤسسات التعليمية وحتى الجمعيات ذاتها.

لقد فشلنا، بشكل عام، في الوصول إلى الشخص بذاته.

هذان سببان أساسيان لعدم تحقيق الجمعيات لأهدافها، لكن هذا لا يعني أن نضع المسؤولية فقط على الجمعيات. فالمؤسسات التعليمية، اليوم وغدا، لم تستطع توصيل القناعة الحقيقية بأهمية العمل التطوعي في هذا المجال. بل ما زالت المؤسسات التعليمية بكافة أنواعها توصل أن هذه الجمعيات ضياع وقت، بشكل أو آخر ومباشرة أو بصورة غير مباشرة. أما القول ان كل الجمعيات لم تحقق أهدافها كلية فهذا إجحاف في حقها، فالجمعيات عملت واجتهدت. وعندما نقول اننا في جمعية الإمارات الطبية كنا نعقد اجتماعات يحضرها أكثر من 150 شخصا واليوم لا نستطيع عقد جمعية عمومية لقلة الحضور، فهذه مصيبة ونحن نعتبرها حالة خطيرة جدا على مستوى الواقع العام للعمل التطوعي في الدولة.

إذن، لا بد أن نرفع من مستوى الوعي العام بالعمل التطوعي. الآن يأتيك بعض الشباب ويعلنون رغبتهم في العمل ضمن الجمعيات، لكنهم يسألون ماذا ستعطيهم هذه الجمعيات؟ كذلك، ومع احترامي لرأي الأخ علي (العبيدلي)، مسألة الوقت وان البعض انصرفوا لاتجاهات أخرى، فهذه ـ للأسف ـ مجرد شماعة للشخص اللامسؤول، فما دام ليس لدي إحساس ذاتي لبناء هذا المجتمع فبإمكاني أن أعطيك بدل العذر الواحد ألف عذر! لكن لو كان عندنا هذا الحس لاستطعنا أن ننظم العمل ونفعله. نحن لا نطالب الشخص بالتواجد في الجمعية يوميا، بل يومان في الأسبوع، أو يوما واحدا، لمدة ساعتين فقط من الخامسة إلى السابعة مساء.

مغرم لا مغنم!

* عيسى السري: لعل من أسباب التراجع أيضا تناقص الكفاءات، وهذا موضوع مهم يجب أن يطرح، فنحن كانت لدينا قيادات ممتازة في النفع العام وكانوا من أفضل ما يمكن من حيث القدرات والتفكير والتخطيط، لكنها تساقطت كلها.. اقصد أننا لم نحرص عليها والنظام المعمول به لم يساعدها على البقاء والنمو والتميز، فما الذي يدعوها للبقاء في الجمعيات التي ليس فيها مغنم وكلها مغرم؟!

الأمر الثاني أن حياة أي مجتمع مرتبطة بحراكه السياسي والاجتماعي، فإذا لم يكن لديك حراك سياسي واجتماعي ولا مؤسسات مجتمع مدني قوية ولها دور فاعل، فلن تكون هناك، أيضا، جمعيات فاعلة. فالمجتمع لا يقدر الإنسان المبدع صاحب الرأي وصاحب الفكر، وبالتالي لا يأخذ هذا الإنسان وضعه على المدى البعيد. وأعطيك مثالا، فانا قبل فترة قصيرة كنت في الكويت، وحين تدخل مجالسهم وقضاياهم تجد عندهم حراكا قويا جدا، وتصميم الحياة العامة هو الذي يقودك في هذا الاتجاه.

بالطبع، أنا لا اقلل من ضغوط الحياة وبريق القطاعات الأخرى. فالقطاعات الأخرى أصبح لها بريق أفضل بكثير مما نحاول نحن أن نحرثه في هذا الطريق.

* د. محمد المطوع: كيف؟ أعطني مثالا واحدا.

* عيسى السري: نحن الآن نمثل الدولة في اتحاد المعلمين العرب، وأنشأنا رابطة للمعلمين الخليجيين، ومع ذلك فإن زملاءنا من دول الخليج الأخرى حين يذهبون لمشاركات خارجية يحصلون على تذاكر من الدولة ولهم بدلات. أما نحن فنستجدي المؤسسات لتعطينا التذاكر، وليست لنا بدلات وندفع من جيوبنا، وإذا اتصلنا من خارج الدولة لتلقي مكالمات تأتينا فواتير عليها أكثر من الفواتير التي تأتينا ونحن في بيوتنا ومع أهلنا. ألسنا ننتمي إلى هذه الجمعيات التي تمثل الدولة؟

هناك فكرة أخرى موجودة بأننا نحن كخليجيين ما زلنا نجلس في الخيمة والناقة أمامنا، ومع ذلك فقد دخلنا في الأطر الخليجية والعربية وكنا من أفضل القيادات الموجودة. بل على العكس حققت دولتنا نتائج أفضل من بعد الأقطار التي تعقد فيها هذه الاجتماعات. فنحن، حتى على المستوى العربي، يجب أن نعكس صورة الإنسان في الإمارات والإنسان الخليجي عموما. فإلى متى سنتحمل ونقاوم؟

هناك تراجع حقيقي في جمعيات النفع العام، وهناك عزوف عن هذه الجمعيات. وهذا الوضع لن يتغير إلا عندما تعطيها الدعم أنت كمشرع وكقانون ويكون لها وضع يمكنها أن تتكلم بموجبه واستطيع أنا كرئيس لمجلس إدارة جمعية المعلمين في هذه الدولة أن احترم وان آخذ مطالب المعلمين وأجلس مع الشخص المعني.

نحن نريد أن نكون شركاء، وقد ذهبنا إلى جميع وزراء التربية في الدولة، وكان آخر لقاء مع الشيخ نهيان بن مبارك وقلنا له إننا جزء من وزارة التربية وإذا نجحت الوزارة فهذا نجاح لنا وان نحن نجحنا فهذا نجاح لكم. وقد تقبل منا ذلك بصدر رحب، لكن هذه طبيعة الشخص نفسه ولم يكن هذا هو الحال دائما مع غيره.

لذلك يجب تغيير هذا النظام، وأنا أدعو إلى مجلس مشترك ينقل همومنا للجهات الرسمية، ولا بد أن يكون للجهات الرسمية دور في تحويل هذا المطلب إلى قانون يفعّل أدوارنا. فنحن لا نعمل لأنفسنا، بل نعمل لأجل جهات كثيرة نمثلها. ومع ذلك فإن أكثر من يتعرّض للاتهام وللنقد هم العاملون في هذه الجمعيات، وهم مساكين لا يحصلون على شيء. ثم أليس من الظلم أن لا تعطيني أدوات الحركة وبعد ذلك تتهمني بأنني لا اعمل؟ عليك أن تنظر إلى كل الجوانب نظرة واقعية.