هذان المفهومان ليسا مترادفين، وليسا متناقضين كذلك، ولكنهما على الأصح مفهومان متكاملان يخدم كل منهما الآخر ولا يقوم أحدهما في غياب الآخر أو انحرافه عن مساره.

ومفهوم (إصلاح التربية) الذي نؤمن بأهميته وضرورة قيامه والأخذ به أخذاً تطبيقياً صحيحاً لا يقف عند حدود تعديل الهياكل وتغيير بعض اللوائح وإحلال موظف مكان آخر إلى غير ذلك من التغييرات الشكلية، كما أنه لا يتوقف عند طرح بعض الأفكار الحديثة الجاذبة والتي لا يعرفها الكثير من الناس إلا سماعاً، ولا يعرفون معانيها إلا من باب التخمين والاجتهاد. ولكنه يعني ما هو أعمق من ذلك وأصدق، إنه يعني، أول ما يعني معرفة عناصر الإصلاح التي يريدها المجتمع وتتطلبها المتغيرات المتوقعة فيه، والمعرفة هنا تعني المعرفة المنظمة القائمة على التواصل المنظم بين النظام التربوي والمؤسسات المجتمعية والتي من خلال هذا التواصل يتم تحديد عناصر الإصلاح المطلوبة والمستقبل.

ولعل سوق بعض الأمثلة يوضح المراد هنا، إن النظم التربوية العربية بصورة عامة موسومة بأنها ماضوية، تهتم بالماضي أكثر من اهتمامها بالحاضر والمستقبل وتجعل أبناءها يعيشون على تمجيد الماضي والتغني بالأمجاد، وذلك من خلال المناهج التي تضعها بين التلاميذ ومن خلال أساليب المعلمين واهتماماتهم، وهي في الوقت نفسه تربية تقليدية ترفض التجديد والإبداع ولا تربي المواطنة الصالحة بالمعايير الموجودة في البلدان المتقدمة، فإذا غيرنا الهياكل وكل الوظائف والأشخاص وظلت هذه السمات تسري في جسدنا التربوي فكأننا ما فعلنا شيئاً، وإذا ظلت مؤسساتنا التربوية بمستوياتها المختلفة تقيم احتفالات ومراسم وتخرج طوابير الشباب والشابات أمام عدسات التصوير ووسائل الإعلام ولكن هؤلاء الخريجين، لم يقدموا للعلم شيئاً، ولم يضيفوا للمجتمع جديداً، ولا يقوى أحدهم على التعبير عن نفسه بجمل قليلة صحيحة، فكأننا ما فعلنا شيئاً كذلك، وإذا لم تقم في هذه المؤسسات مشروعات جديدة تخدم قطاعات المجتمع أو تحسن وجهاً من وجوه الحياة، ولم تسجل اختراعاً في الساحات العلمية والعالمية فكأننا ما فعلنا شيئاً أيضاً. وإذا ظلت حياتنا على حالها وربما تراجعت وزادت سوءاً، فأي حق وضع؟ وأي باطل رفع؟

إن التربية هي (أقنوم) التقدم المجتمعي وآلته. ولكن التقدم الحقيقي المقصود هو التقدم الفكري والثقافي والقيمي، وليس التقدم الشكلي الخارجي في الملبس والمسكن والمشرب فقط إنه التقدم الذي يثري العقل والروح ويحقق مضمون الآية الكريمة (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) إن الإصلاح التربوي يحب أن يتجه وينصب بكل ثقله على إصلاح (المؤسسة التربوية) وعلى إصلاح (المنظومة القيمية) التي تدير هذه المؤسسة وتحكم سلوك أفرادها وتكون المعايير الحقيقية للتخطيط والتعليم والتقويم، إنها المعايير التي تقوم على الحكمة القائلة (إذا اجتمعت الكفاءة والنزاهة فإن الحقيقة لا تتأخر عن الظهور).

هذا هو مفهوم (إصلاح التربية) كما نرغب فيه ونتمنى حدوثه في هذا المجتمع وفي كل المجتمعات العربية.

أما (تربية الإصلاح) فإنها التربية التي صمم نظامها، واستقر لصنع الصلاح والإصلاح في المجتمع، وهي التي تربي وتنشئ المقتدرين على الفهم والتفكير وعلى الوعي والتميز، وعلى العمل والإنتاج، وعلى السلوك القويم الكريم، وعلى تخريج أناس يقولون (نعم) في وقتها ويقولون (لا) في وقتها ويفهمون أن المواطنة حقوق وواجبات وليست حقوقاً فقط.

ويخدمون الوطن بأيديهم ويزيدون بإنتاجهم في الدخل القومي للوطن، ويسهمون في جوانب التنمية فيه. ويحافظون على ثرواتهم الوطنية ولا يبددونها.

يلتزمون بما أوجب عليهم الوطن والمجتمع من واجبات ولا يتهربون من المسؤولية بالتحايل أو المحسوبية أو غيرها. ويندمجون في قضايا أمتهم العربية والإسلامية، ولا يظلون غير مبالين ولا مهتمين بما يدور حولهم من أحداث. هؤلاء هم نتاج (تربية الإصلاح) الذين تخرجوا في مؤسسات تربوية صالحة بنفسها مصلحة لغيرها، يمارس العاملون فيها أنساقاً من القيم ويطبقون بفهم ووعي مجموعة من البرامج والمناهج المتكاملة التي تكون معطياتها عقولاً مفكرة وهمماً عالية وأيادي ماهرة مقتدرة على صياغة المجتمع المتقدم.

يونس شتات