جوهر أزمة التعليم عندنا يتمثل باختصار في تمركز النظام التعليمي بكامله حول الامتحان، وبالتالي يفهم التعليم بهذا المنظور على انه مجرد إعداد للاختبار النهائي كل سنة دراسية وليس إعدادا للحياة أو المستقبل. ولعل الأزمة التي ترتبت على آفة الامتحانات تكمن في أساليب وطرائق التدريس التي تميل وبقوة نحو نمط التلقين والحفظ كاستراتيجية للإعداد للامتحان، وما أكثر مظاهر ترسيخ هذه المفاهيم البالية ومنها : ظاهرة بيع مذكرات وكتيبات تتضمن أسئلة وأجوبة نموذجية تنتشر في مختلف المحال والمكتبات بالدولة، مؤكدة جذور أزمة التعليم بدلا من معالجتها.
إذا كان تفشي هذه الظاهرة في المحال التجارية مفهوما ومبررا لأنها مؤسسات ربحية بالدرجة الأولى ومبدأها «الغاية تبرر الوسيلة» إلا أن ما لفت انتباهنا قيام مؤسسة تربوية تقع على عاتقها مسؤولية الإسهام في علاج هذه الأزمة التعليمية بمنافسة المكتبات التجارية الخاصة في عملية بيع هذه المذكرات بأسئلتها وأجوبتها وهي «جمعية المعلمين» التي نعقد عليها كثيرا من الآمال والتطلعات كمؤسسة تربوية بدلا من تبنيها الدفاع عن الظواهر المعتلة في نظامنا التعليمي.
في معرض الكتاب في أبوظبي وتحديدا في مبنى المجمع الثقافي تروج الجمعية لهذه المذكرات بدلا من عرضها لفكر جديد يختلف عن الفكر القديم الذي درجنا عليه وأوصلنا لهذه الأزمة الخانقة، ما يدعونا للتساؤل: هل تتناسب هذه الظاهرة مع طبيعة المرحلة الحالية التي نتحدث فيها عن أهمية تنمية الشخصية ومهارة التفكير، أم أنها تصلح للتلقين والحفظ وفي زمن ربما يختفي فيه الكتاب المدرسي وستتحول المناهج من حالتها القائمة إلى برامج مرنة على أقراص - الحاسوب والانترنت - وفي وقت ننتظر فيه تغيير وسائل تقويم الطلبة بدلا من الاعتماد على الاختبار التحريري في نهاية السنة كوسيلة وحيدة للتقييم.
يقول خليفة بن فارس مدير تعليمية دبي بالإنابة: الطالب تهمه مصلحته الشخصية، ومصلحته هنا النجاح بأي شكل ولو كان طريقه إلى ذلك المذكرات التي تحوي أسئلة وأجوبة نهاية السنة الدراسية وصارت متفشية بين الطلبة لأنها تختصر وقته وجهده وتجعله مستودعا لحفظ المعلومات وتخزينها، مرجعا أسباب الظاهرة للمنهاج الدراسي الذي يعتمد مضمونه على الحفظ والتلقين وليس إطلاق قدرات ومهارات المتعلم ولابد أن تكون الإجابة منه، مشيرا إلى أنه ليس بمقدور إدارة المنطقة محاسبة من يطلق هذه المذكرات سواء المعهد أو المدرس الخصوصي أو المعلم لأن واقع الحال يؤكد ذلك والكل يبحث عن النجاح بأية طريقة مطالبا بضرورة تغيير طرائق الامتحانات ومواكبة المنهاج لعقلية الطالب بعيدا عن الطرق التقليدية.
لطيفة عبيد الخبيرة التربوية مديرة مكتب وكيل وزارة التربية والتعليم أشارت إلى ان ظاهرة المذكرات الجاهزة مرفوضة تربويا لأن السؤال والجواب فيها يتناولان الجانب المعرفي للمادة العلمية في أضيق صورها ومحدوديتها وتتغافل المذكرة عن مجموعة الجوانب التربوية المدعمة للمعرفة للمادة العلمية،واصفة تلك المذكرات بأنها كمن يصعد درجة في السلم إلى الأعلى ويرجع إلى الخلف ثلاث درجات، متسائلة : كيف ينادي التربويون والمؤسسة الرسمية بالتطوير وتغيير طرائق التدريس وأساليب التعلم والتعليم وتخرج علينا المذكرة تغرد خارج السرب.
سينات وجيمات
وأوضحت الخبيرة التربوية أن التطوير يعني تنويعا في طرائق التدريس يتبعه تنويع في أساليب التقويم وعروض أخرى لتقويم الأنشطة، والمرتكز الأساسي تطوير أداء المعلم وفق مواقفه التعليمية وهذا يتنافى مع السؤال الجامد والإجابة الجاهزة، لافتة إلى ان السؤال والجواب وفق هذه الآلية قد يؤدي إلى الرجوع إلى الخلف نظرا لأن السينات والجيمات تكون متداولة بأيدي الطلبة سنة بعد أخرى وعلى الأقل على مدى ثلاث أو أربع سنوات ما يعني عدم ملاحظة الأبناء لما يطرأ على الكتاب المقرر من تغييرات ومستجدات أخرى واكتشافات علمية وبالتالي يصبح المتعلم بعيد عن كتابه لأن غايته في هذه الحالة الإجابة عن السؤال في الورقة الامتحانية دون النظر للتغييرات، وبناء على آلية هذه الطريقة سنجد بعض الطلبة من يفتح المذكرة في محال الحلاقة أو السيارة أو السناتر والأسواق ظنا منه أنه يذاكر أو يوهم نفسه انه يقوم بواجب المذاكرة والدراسة، ولعلنا كتربويين نكون بهذه الطريقة قد دفعناهم إلى آلية هشة وضعيفة لا تتماشى مع ما نتطلع إليه فيهم من جد واجتهاد.
وأشارت إلى أن المنحى الحديث للتعلم هو التعلم بالتجريب والمشاريع، بل يصل الأمر إذا كانت طموحاتنا منطلقة وفق هذا التطوير العالمي أن يضيف المعلم والطالب جزءا غير يسير على المنهاج المطروح بالنتائج التي يتوصلان إليها وتصب في النهاية عبر شراكة حقيقية بين الأطراف المعنية لصياغة المنهاج متسائلة: هل بقيت بعد ذلك كله حاجة لكتابة هذه المذكرات؟، داعية كتربوية المتعلمين إلى أعمال العقل وتحدي الذات علميا وطرح الأسئلة التي من شأنها استفزاز قدراتهم وأذهانهم نحو إطلاق إبداعاتهم وملكاتهم واكتشافهم من خلال التعلم.
ويرى الدكتور صالح هويدي أكاديمي ومختص بالشأن التربوي أن المؤسسة التربوية في عالمنا العربي لم ترتق بعد في ممارساتها التربوية إلى الطموح الذي تصبح معه مجسدة للفعل التربوي الخلاق، مشيرا إلى انه ليس خافيا على القارئ العربي الجاد أن الممارسات التربوية جزء من الواقع ا لثقافي والمعرفي للأمة التي تعيش لحظة الانسحاب الحضاري والحضور الهامشي بين المجتمعات المتقدمة اليوم، وهو على حد قوله ما يؤسف له.
ولفت الدكتور هويدي إلى أن ثمة عددا من الممارسات السلبية لم تزل تعشش في مؤسساتنا التربوية من دون ان تنجح في الوصول إلى اجتراح آليات ناجعة لوضع حد لها، لقد تضافرت عوامل اللامبالاة من لدن المؤسسات التربوية مع العوامل الاقتصادية والثقافية التي تعيشها مجتمعاتنا في إنتاج ظواهر سلبية كهذه، عزا انتشارها تدني حالة الوعي ومحدودية ثقافة الأطر التعليمية، لافتا إلى ان الظاهرة الأبرز من هذه الممارسات الآخذة في الاستشراء هي المتمثلة في انتشار المذكرات المقدمة إلى الطلبة، وهي نمطان، الأول يشمل مذكرات أسئلة وإجابات نهاية العام الدراسي.
والثاني: مذكرات شرح وتلخيص المنهاج الدراسي، ويحسب ان النمط الثاني هو الأخطر والأشد ضررا في آثاره السلبية، في الطلبة والميدان التربوي على حد سواء، فهذه المذكرات تنظر إلى التلميذ نظرة سلبية، إذ تراه مستودعا للمعلومات وطرفا سلبيا من شأنه التلقي وحفظ ما يقدم إليه من دون أن تتاح له فرصة التعبير والتأمل والتفكير النقدي فيما يقرأ ويتحرى، ولاسيما في العلوم الإنسانية التي تتخطى طابع المواد التي تقوم على عرض القوانين العلمية والفرضيات الرياضية، ما يعكس خطرا من وراء ذلك يكمن في تعميق قيم التلقين وغرس قيم النموذج السلبي وتبديد طاقات الطلبة ومواهبهم الإبداعية وقدراتهم في المناقشة والنقد والتعبير، ظانا في خطورة مذكرات أسئلة وأجوبة نهاية العام أنها تتمثل في فرديتها وانتشارها العشوائي من دون ضوابط، اذ يفضل ان تنهض بهذه المهمة المؤسسة التربوية تفاديا من الوقوع في شراك الحس التجاري لدى بعض معدي هذه المذكرات، فضلا عن أن اللجوء إلى المؤسسة من شأنه إقامة هذا المنجز على أسس من الاختيار النوعي المدروس لمن ينهض بها.
وربما كانت صيغة اللجان الجمعية القائمة على التنسيق من قبل المؤسسة التربوية هي الأمثل لمثل هذه الممارسات.
أحمد النجار موجه أول الأحياء تساءل: ما الذي تحويه هذه المذكرات، تحوي مادة طبيعتها الحفظ والبعض من الاستيعاب والفهم وتنوعا من الأسئلة يتوقع الطالب أن تأتي خلال الاختبار، مشيرا إلى ان الاختبارات تسترجع مفاهيم درست في السابق ولذلك تأتي لقياس مفاهيم حفظت وتم استيعابها. وعزا تفشي ظاهرة المذكرات إلى طبيعة ما يقدم في الاختبارات النهائية، حيث ما تقدمه أسئلة تقيس التذكر والاستيعاب وجانبا من التطبيق لكنها لا تتيح الفرصة للتعبير عن رأي الطالب ولا يمكن أن توضع فيها أسئلة التفكير الناقد إلا الأسئلة التي تحوي أجوبتها في كتاب نظري للطالب.
أما حين إحداث تطوير في المناهج وتضمينه مهارات كل مادة على حدة بأدوات قياس مختلفة ومتنوعة بجانب الاختبارات التحريرية واختبارات عملية لجوانب تطبيق أخرى يمكن قياسها بالمقابلات والتجريب وتقديم العروض والمشاريع والبحوث، عندها ستتغير طريقة التقويم ليكون شموليا لا يعتمد على التذكر في ورقة الاختبار النهائية، داعيا إلى تواجد المذكرات شريطة اعتماد مادتها من قبل وزارة التربية والتعليم والإعلام عن المصادر المشتقة منها، مقترحا أن يكون لكل توجيه أول كل حسب تخصصه موقعا الكترونيا تقدم فيه الخدمات للطالب والمعلم من حيث الرد على استفسارات وأسئلة الطلبة وتقديم نوعيات من الاختبارات وأشكال أخرى من أدوات القياس وبرامج تمكنهم من استيعابهم لموادهم.
معطيات التجديد
سناء عبد العظيم موجهة الرعاية النفسية بوزارة التربية والتعليم تعتقد أن وجود مجموعة كافية من الأسئلة وأجوبتها النموذجية كدليل عملي للطالب المتوسط ليدله على كيفية تناول الإجابة بصورة صحيحة، أمر ليس كله سلبيا، بمعنى أنه من الضروري إيجاد معين للمتعلم أثناء مذاكرته او مراجعته قبل الامتحان.
وعن مدى تماشي ظاهرة مذكرات الأسئلة والأجوبة مع معطيات التجديد، فترى انه طالما ان مناهجنا الدراسية وطرق التدريس المتبعة ونظم الامتحانات لا تزال تسير بنفس الاتجاه وتقوم على قياس مدى ما يحفظه المتعلم ومستقبله المهني متعلق بالدرجة التي سيحصل عليها في الامتحان كأسئلة توجه إلى عموم الطلبة دون فرق يذكر بين المتفوق والأقل من المتوسط ووقت الحصة لا يكفي في كثير من الأحيان لكي يفهم الطالب المتوسط والأقل من المتوسط، فسيبقى الحال على ما هو عليه لأن شيئا لم يتغير، معتقدة أن ما يعد ظاهرة لمذكرات الأسئلة والأجوبة هو إفراز طبيعي للنظام التعليمي بوضعه الحالي، فلا يمكن أن نقيم هذه الظاهرة وتربويتها بمعزل عن تقييمنا لأسلوب التعليم بأكمله، مشددة على انه إذا كنا ندعو للتجديد التربوي وتعليم التفكير وتنمية المهارات فعلينا ان نضع هذه الملامح محل التنفيذ ثم نبحث فيما يترتب عليها من نتائج وليس العكس.
تحقيق: يحيى عطية