تعاني أكثر من 299 أسرة تضم أكثر 3291 نسمة من سكان منطقة القوز الرابعة بدبي ويقطنون 361 وحدة سكنية من أضرار مصنع الأسمنت القريب من منازلهم والذي لا يبعد عنهم سوى أمتار قليلة. يقبع المصنع الذي يعد الأكبر في الإمارة بجانب شارع الشيخ زايد ولا يبعد عن أرقى كيلو متر مربع في العالم سوى كيلومترين اثنين، وتفوح منه بحسب رأي السكان روائح وأدخنة وخاصة بعد منتصف الليل وتصدر منه أصوات ضجيج تقض مضاجعهم إضافة إلى الغبار المتطاير منه والذي يملأ المكان على مدار الساعة.
«البيان» زارت المنطقة بعد تلقيها شكاوى السكان والتقت العديد منهم لإيصال أصواتهم إلى المعنيين.
أكد أحد السكان «عصام صباغ» وجود أدخنة تفوح من المصنع بصورة محدودة في النهار وبكميات كبيرة في الليل تمنعهم من فتح النوافذ وتسبب لهم السعال إضافة إلى أصوات تكسير الحجارة وعمل الآليات الثقيلة التي تمنعهم من النوم ليلا.
أمراض مستقبلية
وأبدى عصام تخوفه من إصابة سكان المنطقة بأمراض تظهر آثارها بعد فترة من الزمن، وقال إن عدم ظهور آثار صحية سلبية على السكان بسبب المصنع لا يعني أن الأضرار غير موجودة لأن العديد من أمراض السرطانات والأمراض الخبيثة لا تظهر عوارضها إلا بعد فترات طويلة من الزمن. وأوضح أنه كثيرا ما سمع من مسؤولين ببلدية دبي أن عمر المصنع أوشك على الانتهاء وأن إدارة المصنع ستقوم بتركيب (فلاتر) تمنع صدور الروائح الكريهة والأدخنة المضرة غير أن شيئا من ذلك لم يحدث.
أما أحمد السيد فأكد أنه من غير المنطق وجود مصنع اسمنت وسط منطقة سكنية وبجانب شارع يعد من أفخم الشوارع ويتم حاليا بناء أعلى برج في العالم «برج دبي» بجانبه. وأبدى أحمد تعجبه من تجاهل بلدية دبي للخروقات التي يرتكبها المصنع وتجاهلهما للأضرار التي قد تصيب الناس المقيمين بجانبه.
وتساءل: كيف سمحت إدارة التخطيط ببلدية دبي بإقامة منطقة سكنية بجانب المصنع الذي لا يختلف اثنان في أضراره على البيئة وعلى الناس، وقال إنه في جميع بلدان العالم سواء المتطورة أو المتخلفة يمنع إقامة المصانع بجانب المناطق السكنية فكيف إذا كانت هذه المصانع تستخدم مواد كيميائية مضرة بالبيئة وبالسكان. وأكد عبدالله الأسمر من سكان المنطقة وجود 7 أبنية تضم أكثر من 280 عائلة لا تبعد عن المصنع 50 مترا إضافة إلى وجود 80 منزلاً شعبياً يسكنها المواطنون ووجود أكثر من 10 بنايات يسكنها العمال.
وقال: لقد حان الوقت لتحرك الجهات الرسمية للضغط على إدارة المصنع لنقله الى مكان بعيد عن التجعات السكانية. وأشار إلى وجود منطقة داخل المصنع خاصة بعمليات تكسير الحجارة، وقال إن وجود مثل هذا المصنع في منطقة سكنية يحتم وجود شاحنات نقل كبيرة لنقل منتجات المصنع والمواد الأولية وهي تثير الغبار والأدخنة المضرة بالبيئة.
وتساءل الأسمر عن مدى جدية إدارة التخطيط ببلدية دبي في حماية الناس وصحتهم ورفض تحميل المصنع أية مسؤولية بسبب قدمه ووجوده منذ سنوات طويلة قبل وجود المنازل، وحمل إدارة التخطيط ببلدية دبي مسؤولية الأمراض التي قد تظهر في أبناء المنطقة بعد فترات طويلة وعن إنشاء أبنية سكنية بقربه.
توزيع الأراضي مستمر
وقال عبدالله الشامسي من سكان المنطقة: تقوم البلدية حاليا بتوزيع الأراضي على المواطنين في المنطقة وتساءل كيف تقوم البلدية بتوزيع الأراضي على الناس في منطقة غير صالحة للسكن، حيث يقوم الناس بدفع مئات الآلاف للبناء ويكتشفون المعاناة بعد سكنهم بفترة قليلة وتبدأ المشكلات تطفو على السطح دون أن تقدم لهم البلدية حلاً أو حتى أن تعدهم في تقديم حل.
وأضاف: قامت البلدية مؤخرا بعمل مسح للمنطقة المجاورة للمصنع لإقامة شعبية خاصة للشرطة ووضعت اللوحات الدالة على ذلك وكأن المنطقة صالحة للسكن ولا ضرر من وجود مصنع للإسمنت في المنطقة. وتساءل الشامسي عن سبب الروائح القوية الكريهة التي تثير الحساسية، وعن ظهور سحابة سوداء مشبعة بالتلوث، والأدخنة التي تحجب الرؤية وتخنق السكان وخاصة وقت المساء مؤكدا أن تلك الروائح تشكل خطرا كبيرا على السكان.
وأبدى يوسف حمدان تعجبه من وجود مصنع للاسمنت بجانب الأبنية السكنية وعلق قائلا: «في الضفة الغربية جاءت إحدى الشركات السويدية الكبيرة لبناء مصنع للاسمنت يبعد عن منطقتنا 30 كيلومترا، ولكن بعد أخذ ورد قررت السلطة الفلسطينية عدم السماح ببناء المصنع بسبب قربه من منطقتنا مع أنه يبعد 30 كيلو مترا» وأكد أنه يمنع في دول العالم المتحضر وجود مصانع للاسمنت أو الحديد أو المنتجات الثقيلة قرب المناطق السكنية.
وأشار إلى أن الغبار الصادر من المصنع ومن الطرق التي يكثر فيها ارتياد مركبات النقل الكبيرة يسبب الحساسية للأطفال ولكبار السن ويملأ الأبنية والمنازل ويمنع السكان من فتح نوافذهم ويملأ مجاري المكيفات الهوائية. وأوضح أن وجود عدد من المصانع بجانب شارع الشيخ زايد يشوه المنظر الجمالي العام للمنطقة ويجعلها تظهر وكأنها عشوائية دون تنظيم وقال إن مخططات بلدية دبي أشارت إلى وجود حديقة عامة بجانب المساكن غير أن الحديقة ما زالت على الورق.
حديقة على الورق.
وأشار إلى وجود مدرسة تستوعب أكثر من ثلاثمئة طالب يتأثرون بالغبار الذي يملأ المكان وأن هناك مدرسة أخرى في طور التأسيس ستفتح أبوابها في العام الدراسي المقبل وأن وجود مدارس للأطفال بجانب معمل اسمنت أمر غير مقبول. وأكد سيف الهاجري صدور العديد من التوصيات من قبل بلدية دبي بضرورة إزالة مصنع الاسمنت غير أن تلك التوصيات لم تجد طريقها للتنفيذ لأسباب مجهولة.
وأوضح أنه رضي بالسكن في المنطقة بسبب اطلاعه من قبل أحد موظفي البلدية «الكبار» على قرار إزالة المصنع وهو ما شجعه على السكن في المنطقة ولكن لم يحدث شيء ومنذ 3 سنوات ما زال ينتظر إزالة المصنع. وأشار إلى أن المنطقة تفتقر إلى الخدمات العامة وأهمها مجاري الصرف الصحي والحدائق العامة والعيادة الصحية ومكاتب الخدمات «كمكتب للاتصالات وللبريد ولهيئة الكهرباء والماء» وحضانات الأطفال.
وأكد الهاجري تحول مصنع الاسمنت إلى محمية طبيعية للحيوانات القارضة وللحشرات بسبب وجود الآلاف من إطارات السيارات القديمة وغير الصالحة للاستعمال حيث تستخدم الفئران والحشرات كالبعوض والبق الإطارات كمكان ملائم للسكن.
الأدخنة والأمراض
من جهته أكد الدكتور سعيد إبراهيم الحمد اختصاصي صحة عامة أن المواد والأدخنة التي تصدر عن مصانع الاسمنت لها تأثيرات سلبية كثيرة على الإنسان أهمها التأثيرات التي تصيب الجلد والعيون والتي تصيب الجهاز التنفسي كالتهاب الشعب الهوائية والانتفاخ الرئوي وأمراض الحساسية والربو وغيرها. وأضاف أن استنشاق الغبار الصادر من مصانع الاسمنت يصيب المرء بالتليف الرئوي «مرض السيليكوز» وبمرض الصفري (اسبيستوزز) الناجم عن غبار (الاسبستوس) وفي بعض الأحيان يؤدي إلى الإصابة بسرطان الرئة والكبد في حال كان تسرب الأبخرة بكميات كبيرة، وكأن المصنع لا يستخدم سبل الوقاية الحديثة بسبب الأبخرة والشوائب الصادرة عنه.
وأشار أن المشكلات الصحية المتعلقة بالبيئة عدة وتتسبب سنويا في قتل 17 مليون شخص في العالم وترتفع النسبة بين صغار السن في الدول النامية وتساهم البيئة الملوثة في نقل العديد من الأمراض المعدية. وأضاف أن مفهوم التلوث عند علماء البيئة يعرف بأنه التغير في الخواص الطبيعية والكيميائية والبيولوجية المحيطة بالإنسان ما قد يسبب أضرارا على الإنسان وغيره من الكائنات الحية الأخرى.
وأشار د.سعيد إلى أن التلوث البيئي الصناعي ينتج من مخلفات الصناعة كالمصانع والسيارات وغيرها، وبنظرة سريعة إلى البيئة نجد أن التلوث يؤثر في الهواء والماء ما ينعكس سلبا على الأشخاص والحيوانات والنباتات. ولو أخذنا بصورة متعمقة تأثير التلوث في الهواء فسنجد أن ملوثات الهواء عدة منها المصادر الثابتة كمحطات توليد الكهرباء ومنشآت صناعة النفط والغاز الطبيعي ومصانع الاسمنت والسماد والأصباغ والمعادن ومدافن النفايات و محطات معالجة مياه الصرف الصحي والكسارات والمحاجر وأعمال الهدم.
المصنع والالتزام
وبدوره نفى بابكر حمد النيل نائب مدير عام مصنع الاسمنت بالقوز الرابعة أن يكون المصنع تسبب بأية أضرار بيئية أو صحية منذ إنشائه وأكد وجود فريق كامل يعمل في المصنع مهمته ضبط أي خروقات بيئية والعمل على حلها بالسرعة القصوى ولو اضطر ذلك لإيقاف العمل والحرص عل سلامة البيئة وتطبيق شروط السلامة في جميع أقسامه. وأوضح أنه لم يظهر على عمال المصنع الذي يعملون فيه منذ سنوات طويلة أي أعراض تدل على وجود أضرار صحية ولو كان هناك أي خروقات صحية لبدا ذلك واضحا على العمال في الدرجة الأولى.
ونفى عدم تسرب أي أدخنة من المصنع وقال قد يكون ما يتسرب هو بخار الماء ودليل ذلك أنه يختفي بعد خروجه بثوان معدودة، وعن انتشار الغبار في أجواء المصنع أضاف أن المصنع معد بشكل يمنع نفوذ ذرات الغبار من خلال (الفلاتر) المتطورة التي يتم تحديثها كل فترة وأن الغبار الذي يملأ المنطقة هو بسبب كثرة ارتياد سيارات النقل الكبيرة على شوارعها.
وقال: قامت بلدية دبي بتأجير قطع أرض مجاورة للمصنع لشركات تعمل على توسعة الطرقات حيث استخدمت الشركات قطع الأرض الملاصقة للمصنع لوضع معداتها الثقيلة ومركباتها فيها الأمر الذي أثار بسبب تحركاتها أصواتاً مرتفعة وجعل السكان يعتقدون أن الأصوات تصدر من المصنع.
وأكد أن كسارة المصنع تقع تحت الأرض بعمق 17 مترا ولا يصدر منها أية أصوات مزعجة. وأوضح أن المصنع متوقف عن العمل حاليا بسبب تزويده بأجهزة ومعدات للاستفادة من الإطارات المستعملة في عملية الحرق داخل الأفران الحرارية التي تعد مادة الاسمنت.
وأشار إلى وجود اتفاقية مع بلدية دبي للاستفادة من الإطارات المستعملة التي تعمل بلدية دبي على التخلص منها بالطرق السلمية دون ترك آثار ضارة على البيئة وبدون صدور أي أدخنة ضارة حيث تتحول المخلفات والأدخنة التي هي عبارة عن كربون إلى طاقة حرارية تستغل لصناعة الاسمنت.
وعن قرب المصنع من الأبنية السكنية قال إن المصنع موجود في منطقة القوز قبل ثلاثين سنة وقبل أن يوجد أي منزل في المنطقة، وأن الأبنية هي التي فضلت مجاورة المصنع وليس العكس وكان من المفترض ألا تقوم البلدية بالموافقة على البناء بجانب المصنع.
وقال إنه ضمن مفهوم العلم الحديث والتطور التقني والميكانيكي أصبحت العبرة في الآلية التي يتم فيها بناء المصانع والشروط الفنية التي يعتمدونها ومدى التزامهم بالشروط العالمية للحفاظ على البيئة وسلامتها وهذا هو المهم ولم يعد يعتمد مكان المصنع بقدر الاعتماد على التزامه بالشروط المطلوب توفرها وأنه لا تخوف من وجود منطقة سكنية قرب معامل أو مصانع ملتزمة بالقوانين العالمية.
دبي ـ محمد زاهر:
