يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم من سورة النحل: «والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون».
وسورة النحل تسمى بسورة النعم بما تخاطب به قارئها في كثير من آياتها من أن ينظر إلى نعم الله تعالى في نفسه وفي الكون الذي يعيش فيه، من نعم أساسية ضرورية للحياة إلى النعم الخفية التي يمر عليها الإنسان مرور الكرام دون أن يفكر فيها أو يدري بها لغفلته عنها، وهذه السورة تذكر الإنسان بالمنعم عز وجل وتحذره من سوء استخدام هذه النعم: «ولئن شكرتم لأزيدنكم»، وسوء استخدام النعم تكون بعدة صيغ وعدة طرق منها الإسراف في المال أو توجيهها إلى الحرام أو منع الزكاة أو الصدقة، وهذه الأخيرة هي بيت القصيد، فالزكاة والصدقات دعا الله عز وجل عباده ليؤدوها إلى إخوانهم المحتاجين الفقراء الذين هم بحاجة إليها، وسنة الله في خلقه التفاضل والتفاوت في الرزق، فجعل منهم الغني والفقير والموسع عليه في الرزق والمقدر عليه، وهذا التفاوت لأمر يريده الله سبحانه وتعالى لأسباب كثيرة لتستقيم الحياة الدنيا.
وقد بعث عمر بن الخطاب رسالة إلى أبي موسى الأشعري قال له فيها : «واقنع برزقك من الدنيا، فإن الرحمن فضل بعض عباده على بعض في الرزق، بلاء يبتلي به كلا، فيبتلي من بسط له، كيف شكره لله وأداؤه الحق الذي افترض عليه فيما رزقه وخوله». وليس معنى كلامي هذا هو الركون إلى الكسل وعدم السعي في الحياة : «هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور».
وإذا نظرنا إلى الآية من سورة النحل نجد أن مقطعها الذي يقول «فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء» تنفذ إلى طبيعة النفس البشرية، فهذه النفس البشرية مجبولة على حب المال وكنزه والاحتفاظ به، ولا يمكن أو لا يستطيع واحد من هؤلاء أن يرد جزءا من ماله على أقاربه أو مواليه أو حتى أخوته ليكون هو وهم متساوين في المال.
بقي للإنسان أن يعرف حق الله عليه في ما أنعم عليه من مال فيؤدي حقه وشكره ليعود على الفقراء والمساكين وذوي الحاجة وهم كثر بعد زيادة احتياجاتهم في عصرنا الحاضر فنجد المعسرين والمرضى والمقترضين «الغارمين» وغيرهم «إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل».
وكنا في مناقشة مع أحد الزملاء مقدمي البرامج التلفزيونية فتحدث عن الآراء والاقتراحات التي وصلته من جمهور المشاهدين في برنامجه وكان عن تقديم حلول لمشاكل كثير من المقترضين الغارمين، وجاءته اقتراحات وأفكار جديرة بالمناقشة وممكنة التطبيق، ومنها فكرة طرحها أحد المشاهدين ترى إنشاء صندوق خاص يضع فيه رجال الأعمال والتجار الذين انعم الله عليهم زكاتهم وصدقاتهم فيه وتديره جهة حكومية وتشرف عليه تبحث الأولويات لتستطيع حل مشاكل هذه الفئة، واقتراح آخر بتخصيص وقف يذهب ريعه للغارمين.
وفي عالمنا العربي والإسلامي العديد من رجال الأعمال البارزين الذين يمكنهم عمل الكثير في سبيل خدمة مجتمعهم وخدمة أبنائه، ولكن يجب أن تكون هذه الأعمال في شكل مؤسسي تشرف عليها جهة حكومية أو جهة تستطيع القيام بهذا الدور بشفافية.