ظهور الضوء لا يبدد الظلام والشعاع اللامع يطفو ويطغى على الرؤية الرديئة بظهوره فالرجال الأفذاذ الذين أضاءوا نور الهداية للناس بمآثرهم ومؤلفاتهم في شتى ميادين العلم والمعرفة كانت معرفتهم محدودة فترى الواحد منهم يبرع في ميدان معين وقد يجمع ميادين عدة، فإذا ما عظمت جماعة ما لهؤلاء الرجال الأفذاذ لتحيي ذكرى احد العلماء البارعين في تلك الميادين كان هذا التعظيم محدودا لان هؤلاء العلماء ليسوا معصومين من الذل والوقوع في الخطأ فالكل يؤخذ منه ويرد إلا المعصوم الحقيقي لهذه البشرية جمعاء نبي الرحمة للرسالة الخاتمة محمد صلى الله عليه وسلم الذي فجر ينابيع المعرفة الغزيرة والوفيرة للبشر فهذه الينابيع صالحة لكل زمان ومكان.

لقد انبجس من هذه الينابيع الطاهرة عدّة أشياء نافعة ومفيدة للبشرية لا يمكن لنا حصرها وإبراز كافة معالمها فهي جل من أن تحصى وتعد فمن هذه الينابيع ما تمثل في التوحيد المطلق والخالص لله تعالى وينابيع الرحمة والعدل و المساواة قد عمت للناس كافة بين المسلمين وغيرهم وينابيع في العبادة والمعاملات المختلفة في السياسة والقضاء والسلم والحرب ينابيع في الطب والمعرفة والفكر .. هذا ولم يكن مولده عليه الصلاة والسلام من خوارق العادات كميلاد المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام فمولده كان من المعجزات الخارقة للعادة بخلاف مولد خير البرية فكان أمرا لا يستدعي العجب والاستغراب بل كان أمرا طبيعيا كميلاد سائر البشر، إلا أن هناك بعض الإرهاصات كما روى عن بعض المحدثين (..بالبعثة وقعت عند ميلاده صلى الله عليه وسلم فسقطت أربع عشرة شرفة من إيوان كسرى؛ وخمدت النار التي يعبدها المجوس؛ وانهدمت الكنائس حول بحيرة(ساوة) بعد أن غاضت قال: البوصري:

أبان مولده عن طيب عنصره

يا طيب مبتدأ منه ومختتم

يوم تفرس فيه الفرس أنهم

قد أنذروا بحلول البؤس والنقم

وبات إيوان كسرى وهو منصدع

كشمل أصحاب كسرى غير ملتئم

والنار خامدة الأنفاس من أسف

عليه؛ والنهر ساهي العين من سدم

وساء ساوة أن غاضت بحيرتها

ورد واردها بالغيظ حين ظمي

فهذا الكلام تعبير غلط عن فكرة صحيحة فإن ميلاد محمد عليه السلام كان حقا إيذانا بزوال الظلم واندثار عهده واندكاك معالمه البائدة..«في ذلك العصر فكان عصر ميلاده صلى الله عليه وسلم إيذانا ببدء حياة جديدة للبشر حياة تسودها الألفة والمحبة والرحمة والمودة وحب الوحدة ونبذ طريق الفرقة ومسح ألم القسوة والغلظة ونشر مبدأ العدل وهجر الظلم..فمبعث هذا النبي الأمي كان مفتاحا لميلاد الدعوة الراشدة لتخليص العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد جلّ وعلا فهذه الدعوة كالهواء النقي ليس ملكا لأحد بل هو ملك مشاع للبشرية جمعاء تستنشق منه لتحيا حياة ملؤها السعادة والرقي فكذلك تراث النبي محمد صلى الله عليه وسلم ملك للبشرية جمعاء حياة للإنس والجن فالكل يأخذ من هذا التراث الغنيّ بوسائل المعرفة والفكر والعلم إلا المعرضون من البشر من المغضوب عليهم والضالين ومن سار على شاكلتهم.

اعتراف أهل الكتاب بقدوم النبي الأمي: لقد بشر بالنبي الأعظم الأنبياء السابقون فقد جاء على لسان المسيح عليه السلام يبشر بني إسرائيل بمقدمه صلى الله عليه وسلم قال: تعالى«وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَد» الصف/6 وكل الأنبياء عليهم السلام اعترفوا بنبوته ومدون ذلك الاعتراف في كتبهم السماوية وصدق الله في قوله«الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ «الأعراف/157 فهذا النبأ العظيم الذي جاء به نبي الرحمة للعالمين الأولين منهم والآخرين يشهد بنو إسرائيل به أنه قد جاءهم الخبر اليقين بالنبي الأمي، على يد نبيهم موسى ونبيهم عيسى عليهما السلام منذ أمد بعيد.

جاءهم الخبر اليقين ببعثه، وبصفاته، وبمنهج رسالته، وبخصائص ملته. فهو النبي الأمي، يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهو يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، وهو يضع عمن يؤمنون به من بني إسرائيل الأثقال والأغلال التي علم الله أنها ستفرض عليهم بسبب معصيتهم، فيرفعها عنهم النبي الأمي حين يؤمنون به. وإتباع هذا النبي يتقون ربهم، ويخرجون زكاة أموالهم، ويؤمنون بآيات الله..

وجاءهم الخبر اليقين بأن الذين يؤمنون بهذا النبي الأمي؛ ويعظمونه ويوقرونه، وينصرونه ويؤيدونه، ويتبعون النور الهادي معه أولئك هم المفلحون، فمولد خير البرية لا يحجبه أي دخان يحاول تشويه سمعة هذا النبي الامي عليه السلام وان كثرت هذه المداخن الباطلة الذي يصعد تلوثها على وجه الأرض ليلوث عقول الضعفاء من الناس ممن استهواهم الشيطان والذين لا يفرقون بين الجمرة والتمرة.

إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي