يواجه الإسلام حربا غير تلك التي يشنها أعداؤه الذين يعلنون عن حقد دفين للإسلام والمسلمين، ويتمثل هذا النوع من الحروب في «حرب المصطلحات الغربية»، التي تعد أدوات للتدمير الثقافي وزعزعة القيم الإسلامية الراسخة وإثارة الشكوك والانقسامات داخل المجتمعات الإسلامية، حيث دخلت إلى دنيا المسلمين مصطلحات ومفاهيم غربية تستخدم في غير سياقها ودون النظر إلى البيئة الحاكمة أو الظروف المحيطة لاستخدامها ومنها «الدولة الدينية» والمجتمع المدني «والعلمانية، والأصولية»، هذه المصطلحات تترك حيرة في عقول المسلمين وتبلبل أفكارهم وكأنها حرب مقصودة عوضا عن ألوان وصنوف أخرى من الحروب فماذا يفعل المسلمون في مواجهة هذا النوع من الحرب. حرب المصطلحات؟
يقول المفكر الإسلامي د. محمد عمارة: إن حضارتنا الإسلامية لم تعرف للمصطلح المدني مضمونا يناقض المصطلح الديني.. بل إن كشافات المصطلحات في تراثنا العربي الإسلامي عندما تعرف السياسة الشرعية تقول عنها أنها السياسة المدنية، فالشرعي عندنا مدني وليس نقيضاً له كما هو الحال في الفكر الغربي، الذي يعرف السياسة المدنية بأنها سياسة التمدن والمدنية أي الحواحز والحضارة المقابلة للبداوة السابقة على مرحلة الاستقرار والتحضر.
ويرى أن أكثر الأمور غرابة تحدث عندما يتم استخدام المصطلح الواحد ليطبق على ثقافات متباينة تختلف مضامينها باختلاف المرجعية الفكرية والخلقية الحضارية، فمثلا نحن نؤمن بأن الدين وضع إلهي ثابت أوحاه الله إلى رسله لهداية الناس بينما يطلق عليه التنوير الغربي.. يرى أن الدين ما هو إلا إفرازا بشرياً وثمرة من ثمار العقل الإنساني في مرحلة طفولته ولا مانع من وجهة نظر هذا التنوير الغربي أن يجعل من ارتقاء الإنسان بنفسه أن يتجاوز مرحلة الدين «الذى يعتبره طفولة العقل البشري» إلى مرحلة الميتافيزيقا، ثم إلى الوضع المادي.. إذن فالدين من وجهة نظر التنوير ليس وضعاً إلهيا ولا وحيا سماويا لأنهم لا يؤمنون بوحي أو بغيب ولا حتى بوجود الله، لأن فلسفتهم المادية التي يدورون فى فلكها تجعل العالم المادي هو وحده مصدر المعرفة الحقيقة والعلم الحق ولا يؤمنون مثلنا أن عالم الغيب والوحي مصدر أصيل من مصادر المعرفة الحقة.
حوارات الصم ويقول د. عبد الصبور شاهين أستاذ علم اللغة بجامعة القاهرة : أن خطورة استخدام هذه المصطلحات تكمن في أنها تشبه الوعاء الذي تصنع فيه كل ثقافة من الثقافات الشراب الذي تتعاطاه وأن هذه المضامين تجعل الكثير من حواراتنا أشبه ما تكون بحوارات «الصم» فهم يستخدمون ذات المصطلحات ولكن لكل وجهة هو موليها.. فهي تعنى مفهوما مغايراً للذي يعنيه الفريق الآخر وخطورة ذلك تنعكس على عامة الناس بل وتصيب الحياة الثقافية بالبلبلة والصراعات.. ويظهر ذلك جليا في المصطلحات الأدبية والنظريات والقوالب النقدية المتبعة في دول الغرب والتي يحاول بعض نقادنا وأدبائنا أن يطبقوها على نصوصنا الأدبية ومدارسنا النقدية.
ويقول المفكر الإسلامي د. محمد إبراهيم الفيومي: أن حرب المصطلحات تعد من أخطر الحروب التي يتعرض لها العالم العربي والإسلامي في الفترة الأخيرة من قبل أعداء الإسلام الذين يتربصون به لزعزعة القيم وإحداث الكثير من اللغط والجدل والبلبلة حتى فيما يتعلق بالثوابت التي أرساها، ومكمن الخطر أن دعاة الثقافة الغربية والمستشرقين وأدعياء التنوير يتلقفون مثل هذه المصطلحات ويرددونها ويلحون في استعمالها بل ويثبتوها وكأنهم دعاة لتلك المصطلحات رغم اختلاف المقاصد والمدلولات في الحضارات المختلفة.
وأضاف «الفيومي إن مصطلح مثل مصطلح العقلانية يستخدمه المسلمون للتدليل على نعمة العقل الذي وهبها لنا الله ولهذه العقلية في النسق الفكري الإسلامي وظيفة تتمثل في إقامة البراهين على صدق الاعتقاد الإسلامي والبحث عن معارف وحقائق العلوم الدنيوية وفهم النصوص الدينية ومقاصد الشريعة الإسلامية وهى عقلانية حض عليها القرآن الكريم في مواضع كثيرة وجعلها مناط التكليف فهي عقلانية مؤمنة.. ولكن بالنظر إلى نفس المصطلح في المفهوم الغربي كما حدده فلاسفتهم فإننا نجد معنى مختلفا تمام الاختلاف حيث يعنى تأليه العقل وأن لا سلطان على هذا العقل الذي يعد نقيضا للنقل.
فلاسفة التنوير
أما د. أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر الأسبق فيقول : أن فلاسفة التنوير الغربي قد ذهبوا إلى أبعد من ذلك الفهم، حيث أحلوا ثالوث العقل والعلم والفلسفة محل الله والدين واللاهوت، كما أن مصطلح السياسة الغربية كما صاغها ميكيافيللى تعنى التدابير التى يستطيع الإنسان أن يرسى بها قواعد الدولة أو المجتمع من دون وضع ضوابط لهذه التدابير أما علماء المسلمين فقد وصفوا ذات المصطلح بأنه قيمة أخلاقية وعرفوا السياسة بأنها التدابير التي يكون الناس معها أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد أي أن التدابير السياسية في المفهوم الإسلامي لابد وأن تكون تحت مظلة القيم الإسلامية والأخلاق والشريعة حتى تحقق مبتغاها.
ويرى المفكر الإسلامي طارق البشري أن خطورة هذه المصطلحات تنبع من دور الدول الإسلامية في الوقوف في دور المتلقي أمام هذا السيل الجارف من التدفق الثقافي والإعلامي الغربي نحو العالم الإسلامي، وهذا ما يجعلنا نتعرض لمفاهيم هذه المصطلحات بالشكل الذي يراه الغرب وعلينا ضرورة البحث عن هويتنا الثقافية والإسلامية والتمسك بها أمام هذا السيل الجارف من الثقافات الغربية والمصطلحات التي ينبهر بها البعض في عالمنا الإسلامي وأن تحقق التوازن المطلوب في تصدير ثقافاتنا إلي الغرب بالمفاهيم والمضامين الصحيحة للمصطلحات وهذا هو سبيلنا الوحيد ضد تيار العولمة.
القاهرة: وكالة الصحافة العربية