تذكر بعض المصادر أن الشيشة بدأت رحلتها التاريخية الأصلية انطلاقاً من الهند، لكن يرى المهتمون بتاريخها أنه على الأرجح بدأت من بلاد فارس. لكن الجميع يتفق على أن انطلاقتها العالمية بدأت عندما وصلت إلى تركيا في النصف الثاني من القرن الرابع عشر. وسواء كان أول من اخترعها الهنود أو الفرس، إلا أن أحداً لا يعرف على وجه الدقة متى كان ذلك. أما في تركيا فقد ازدهرت بصورة كبيرة وكان تناولها دلالة على رمز ومكانة اجتماعية مهمة، ثم انتقلت منها إلى بقية أرجاء العالم.
وكان من الطبيعي أن تأخذ طريقها إلى الدول المجاورة والقريبة أولاً مثل العراق وسوريا واليمن ومصر. وتطورت خلال رحلتها وبصورة تدريجية من أدوات بدائية بسيطة إلى جهاز متزايد التعقيد. ففي الهند كانت أول الأمر عبارة عن جوزة هند مثقوبة تغرس فيها قشة، فيما تطورت في تركيا إلى وعاء من (الكريستال) أو الزجاج به فتحات لخراطيم رفيعة ورأس فخاري يحمل التنباك والفحم المشتعل ويتصل في أسفله بأنبوب معدني يمتد حتى الجزء الأعلى من الوعاء الزجاجي، وكان المدخنون في البداية يتنشقون دخان التنباك الثقيل الصافي.
ثم جاءت بعض الدول العربية لتبتكر عجائن مختلفة يدخل في مزجها التنباك، وتعطي عند إشعال الفحم فوقها دخانا عطرا ومتنوع النكهات مثل التفاح والفراولة والعنب والشمام وحتى الورد.
لكن الحقيقة أن الشيشة عرفت المجد الحقيقي في تركيا قبل غيرها، حيث انتشرت المقاهي المتخصصة فيها في شتى أرجاء البلاد وأصبحت نواة للتواصل الاجتماعي، ومقياساً للمركز الاجتماعي ورمزاً للعراقة. وكانت الصالونات الراقية تشهد كثيراً من اللقاءات الاجتماعية حول الشيشة حيث كان الرجال والنساء أيضا في الصالونات الخاصة بهن يستسلمون للخدر اللذيذ الذي يطغى على الحواس.
ولم يقتصر انتشار الشيشة على الشرق الأوسط، بل نقلها البريطانيون معهم حيثما وجدوا، وعرف عنهم ولعهم الشديد بها. كما وصلت إلى الولايات المتحدة في الثلاثينات والستينات من القرن الماضي. وشهد العالم افتتاح المحلات التجارية الاختصاصية المتخصصة ببيع الشيشة ولوازمها والتنباك، حيث تتراوح أسعارها بين 20 دولارا لأكثرها بساطة وأكثر من ألف دولار لتلك المصنوعة من الكريستال والمذهبة.
تحولت الشيشة في الدولة العثمانية إلى موضوع يتفنن فيه صانعوها. فالوعاء أصبح من (الكريستال) أو الزجاج الملون أو حتى الفضة، يزدان من خارجه بنقوش تمثل زهورا أو فاكهة فضية، فيما كانت الخراطيم تغطى بالحرير الموشى بالذهب، وكانت المباسم تصنع من العنبر. كما أصبحت بأشكالها الفاخرة موضوعاً للتباهي في المقاهي وبيوت الأثرياء على حد سواء.
وحتى أوائل القرن الماضي، كانت المقاهي في اسطنبول تخصص زاوية معينة لمدخني الشيشة. وكان هؤلاء أول من يصل إلى المقهى في الصباح الباكر لتدخين شيشة الصباح قبل التوجه إلى أعمالهم. ويمكن القول ان الشيشة غدت من أقدم وأعرق التقاليد التركية. وكان تقديمها للضيف يعتبر تقديراً كبيراً وعلامة على الثقة.
أما الامتناع عن ذلك فقد يعتبر إهانة بالغة. وكانت تستخدم أيام العثمانيين كوسيلة للتصالح بين الناس. بل إن المسؤولين الكبار كانوا يقدمونها للدبلوماسيين الأجانب كرمز للسلام القائم بين دولهم. وقد بلغ من أهمية الشيشة في تركيا أن أزمة دبلوماسية اندلعت عام 1841، وذلك عندما رفض السلطان العثماني أن يمنح السفير الفرنسي شرف تدخين الشيشة معه.
ولا تعتبر جميع أنواع التنباك صالحة للاستخدام في الشيشة، إلا أن أفضلها كان التبغ الداكن المستورد من إيران (والمسمى بالتبغ العجمي). وكان يتم غسله مرات عدة نظراً لطعمه الحاد. وكان الفحم المستخدم مصنوعا من خشب السنديان على وجه التحديد. ودرجت العادة لدى بعض المدخنين على وضع حبيبات من الكرز أو العنب في وعاء الماء والاستمتاع بمنظرها وهي تتقلب في الماء أثناء التدخين. وكان آخرون يضيفون إلى الماء عصير الرمان أو زيت الورد العطر.
دبي ـ عادل السنهوري: