قدمت هيئة الهلال الأحمر أمس مساعدات عينية تم شحنها لإغاثة ضحايا المجاعة في القرن الإفريقي بحراً وجواً على العديد من معسكرات النازحين، وذلك من خلال الجولات التفقدية التي قام بها الوفد لعدد من المناطق التي تأثرت كثيراً بعوامل الجفاف والتصحر. وزار الوفد برئاسة الدكتور صالح موسى الطائي مدير إدارة الإغاثة والطوارئ بهيئة الهلال الأحمر ومحمد الزرعوني نائب رئيس الوفد منطقة نيوبي في كينيا التي يبلغ عدد سكانها ثلاثة آلاف نسمة وكلهم من المسلمين.

والحقيقة أنه لا يدرك المرء حجم المتاعب الصحية الموجعة التي حلت بالإنسان في القرن الإفريقي إلا حين تطأ قدماه المستشفى المركزي لإقليم «مانديرا» الوحيد لاستقبال النازحين من كل الفئات العمرية. فالمستشفى ينطبق عليه المثل القائل (فاقد الشيء لا يعطيه) فهو يعاني من متاعب تفوق تلك التي يشتكي منها المراجعون المرضى ذاتهم.

وباختصار فإن المستشفى ليس فيه ما يوحي بأنه مكان للعلاج إلا تلك اللوحة المكتوبة باهتمام عند مدخله. ويقول احد الأطباء «إبراهيم الشيخ» كل ما هو متوفر لدينا هو أننا نحاول إعطاء المرضى جرعات معنوية تمكنهم من البقاء على قيد الحياة لأيام معدودة.

وحينما زار وفد الهلال الأحمر الإماراتي برئاسة الدكتور صالح الطائي مدير إدارة الإغاثة والطوارئ شاهد ما أثار انزعاجهم واستدر عطفهم وأبكى قلوبهم فقد وجد بالمستشفى مرضى على هيئة هياكل عظمية تفترش الأرض ولم يبق أمامها من خيار آخر سوى الموت.

والأكثر فاجعة في هذا الصدد أن الغالبية العظمى من المرضى هم من الأطفال الذين تنحصر أمراضهم في الحصبة والسعال والجفاف والإسهال والسل.

ويقول الطائي وهو طبيب أطفال قبل أن يتفرغ لأعمال الإغاثة: هؤلاء الأطفال في الرمق الأخير لأنهم لم يجدوا التغذية المناسبة التي تمكنهم من مقاومة الأمراض وتساعدهم على النمو. وكما هي الحال دائما فقد بادر وفد الهلال الأحمر بتقديم مساعدات غذائية للمستشفى عبارة عن حليب للأطفال. ووعد الطائي إدارة المستشفى بالمزيد من أجل إنقاذ المرضى الكبار والصغار.

ولطالما أن مستشفى مانديرا يعاني من مرض خطير هو فقر الوسائل التي تساعده على القيام برسالته الصحية مثل المعدات الطبية والأدوية فإن الأطباء يقفون عاجزين تماما تجاه مرضاهم إذ ليس بوسعهم فعل شيء آخر سوى تغذيتهم بجرعات من الصبر على الألم والانتظار بهدوء لما يخبئه لهم القدر.

ويعترف الأطباء بأن مستشفاهم أجبرهم على ممارسة أعمال لم تكن أصلا ضمن مناهج كلية الطب التي تخرجوا فيها. ونظرا لأن المستشفى ليس لديه سيارة إسعاف وربما مثل هذه الخدمات لا تدخل في الأحلام فإن المرضى يكونون أمام خيار واحد إن هم أرادوا الوصول إلى المستشفى هو الاعتماد على الحمير لتقوم بدور الإسعاف.

وبرأي الطبيب مختار شيخ عمر فإن الاعتماد على الحمير يضاعف من متاعب المرضى الذين غالبا ما يموتون وهم على ظهورها قبل وصولهم المستشفى وبخاصة أولئك الذين يأتون من مناطق بعيدة. ومن الملاحظ في هذا الصدد أن أخطر الأمراض التي تصيب الناس هنا وتؤدي بهم إلى القبر هي الملاريا والسل.

والأشد حزنا هو أن الغالبية العظمى من الوفيات هم من الأطفال ولذلك فإن المخاوف تتزايد من حدوث انقراض لجيل كامل من الأطفال الحاليين الأمر الذي من المحتمل أن يؤدي لحدوث خلل في التركيبة السكانية التي غالبيتها من المسلمين.

ويقول مسؤول في مدينة «مانديرا» وهو محمد علي إدريس نتيجة للجفاف الذي ضرب المنطقة بأسرها فقد مات العديد من الأطفال وأن ما بقي منهم على قيد الحياة هم الآن في وضع صحي غير آمن بل إن بعضهم يقف قاب قوسين أو أدنى من الموت.

ومن المعلوم بأن ظاهرة الجفاف التي ضربت منطقة القرن الإفريقي على مدى السنوات الثلاث الأخيرة لعبت دورا أساسيا في هلاك صحة الأطفال وأمهاتهم وجلب الأمراض لهم لأن نفوق الحيوانات وهي الأبقار والأغنام والجمال حرم الأطفال من مصدر غذائي مهم لا ثاني له وهو اللبن كما انعكس ذلك على صحة الأمهات وحرم الآباء من مصدر دخل يجلب الأموال التي تساعدهم على توفير الغذاء والدواء.

وبما يمثل الاعتراف الدولي بدور الإمارات العربية المتحدة الرائد في مجال المساعدات الإنسانية وبخاصة إنقاذ الأطفال في منطقة القرن الإفريقي من الأمراض فقد وجه المكتب الاقليمي لمنظمة اليونيسيف في كينيا دعوة لهيئة الهلال الأحمر للقيام بعمل مشترك من أجل صحة الأطفال يتضمن تنظيم حملات تطعيم تشمل جميع أطفال القرن الإفريقي ضد مرض الحصبة والملاريا.

وقد جاء ذلك خلال اجتماع مع محافظ إقليم مانديرا محمد جلجوا وحضره الدكتور صالح الطائي رئيس وفد الهلال الأحمر الإماراتي ومحمد الزرعوني نائب رئيس الوفد وممثلون من منظمة اليونيسيف ووزارة الصحة ووزارة الزراعة الكينية. وقال الطائي إنه تم خلال الاجتماع مناقشة سبل تعزيز التعاون المشترك بين الهلال الأحمر ومنظمة اليونسيف.

ومن جانبه أشاد جلجلو بالدور الإنساني الكبير الذي تقوم به دولة الإمارات العربية المتحدة ممثلة في هيئة الهلال الأحمر التي يقودها بحنكة سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس هيئة الهلال الأحمر لافتا إلى الدعم والمساندة لبرامج إغاثة المتضررين في شمال شرق كينيا والتي كان من بينها إرسال 140 طنا من المواد الغذائية عبر الجبر والبحر.

مانديرا ـ سليمان الماحي: