ليس بمقدور الزائر للعاصمة الكينية نيروبي أن يسمع الشيء الكثير عن ملايين الجياع في القرن الإفريقي الذين يزيد عددهم على عشرة ملايين شخص فالغالبية العظمى هنا في نيروبي منهمكون في مباهج الحياة العصرية بدروبها المختلفة.
ومثال على ذلك فإن الفندق الذي استضاف الإعلاميين الذين وفدوا برفقة الهلال الأحمر الإماراتي لتفقد أحوال الجائعين هو من فئة 6 نجوم ومع ذلك يتزاحم عليه العديد من أثرياء نيروبي لقضاء أوقاتهم أو تناول بعض وجباتهم وليس من أحد هنا ذكرا أو أنثى إلا وتتملكه رغبة عارمة لزيارة دبي التي سمعوا عنها كثيرا أو شاهدوها في القنوات الفضائية.
وبحسب أحد رواد الفندق فإن الناس في نيروبي لا يتذكرون المجاعة إلا عندما يشاهدون طائرات الشحن العملاقة تهبط محملة بمواد الإغاثة في المطار الذي يحمل اسم الزعيم الكيني جومو كينياتا في العاصمة نيروبي.
والغريب في الأمر أن منظمات العمل الإنساني التي كثيرا ما يدوي صوتها في قضايا بسيطة لا وجود لها هنا أبدا بل هي تتجاهل عن عمد بحسب المصادر مشكلة جياع القرن الإفريقي الذين 90% منهم من أصول عربية وديانتهم الإسلام. لكن الخبر الجيد بالنسبة لهؤلاء أن الهلال الأحمر الإماراتي تؤرقه معاناتهم وقد بدأ فعلا في الإعداد لشحذ همم الخيرين من أبناء أمتهم ودينهم لنجدتهم عاجلا.
ويقول الدكتور صالح الطائي مدير إدارة الإغاثة والطوارئ في هيئة الهلال الأحمر: إن درء الخطر المتمثل في الجوع القاتل عن هؤلاء البشر وهم من صلب امتنا وعلى عقيدتنا ينبغي أن ننظر إليهم كواجب إنساني وديني.
ومن واقع المتابعة الميدانية لأحوال الجياع في القرن الإفريقي فإن أكثر المناطق تأثرا بالجفاف هي التي تقع في الشمال وتحديدا مناطق مانديرا وقارسيا وأجير. وفي الحقيقة فإن الزائر لتلك المناطق يتبادر لذهنه السؤال التالي لماذا جاع هؤلاء؟
والإجابة التي يمكن سماعها تؤكد بصراحة أن المتهم الرئيسي في ذلك هو الجفاف الذي ضرب تلك المناطق على مدى أكثر من 3 سنوات الأمر الذي دفع السكان للهجرة عشوائيا مع حيواناتهم والأخطر في ذلك فإن من نتائج تلك الهجرة حدوث خلل كبير في النسيج الاجتماعي والأسري حيث تشتت الكثير من العوائل لدرجة ان الأم لا تعرف المكان الذي ذهب إليه زوجها أو أبناؤها.
ومن حسن الحظ فإن هجرة الجياع من الصومال إلى الدول المجاورة مثل كينيا وأثيوبيا لا تخضع للعمل بنظام الإجراءات الرسمية وإن كان هؤلاء النفر الهاربين بأرواحهم وحيواناتهم هم أصلا من دولة لم يصل أهلها رغم مرور عشرين عاما على القبول بحكومة لهم بل ما يزال زعماء قبائلهم يتقاتلون على لا شيء حتى أصبح حالهم كحال أصلعين يتصارعان على مشط.
وبالرغم من أن الهلال الأحمر الإماراتي يأتي للجياع في كل مرة محملا بكميات ضخمة من المواد الغذائية وغير الغذائية بيد أن المسؤولين فيه على قناعة بأن الحل الأمثل لمعاناة الجياع ينبغي أن تكون جذرية كإنشاء السدود لحجز مياه الأمطار وحفر الأبار إلى عمق 300 متر.
ويضيف لطالما أن هؤلاء يعتمدون على الرعي والزراعة فإن الحل الأمثل الذي نفضله هو إنشاء مشاريع دائمة توفر لهم الماء الذي يشربونه ويزرعون به إلى جانب مساعدتهم على الاستقرار.
ونظرا لأن المشاريع من هذا النوع تتطلب توفير مبالغ طائلة فإن الهلال الأحمر رأت التوجه مباشرة إلى الخيرين لحملهم على التبرع لإنشاء تلك المشاريع وذلك من خلال حملة واسعة تم الإعداد لها جيدا للتنفذ اعتبارا من يوم الجمعة المقبل.
ويشعر القائمون على الحملة بالتفاؤل من أن تفتح جهودهم شهية العديد من أبناء الإمارات الذين جبلوا على إغاثة المستغيثين وغيرهم من أشقائهم الخليجيين والعرب لنجدة إخوانهم الجوعى في القرن الإفريقي وبحسب أحد هؤلاء فإن التجارب الناجحة السابقة والمتمثلة في حملات فلسطين والعراق وأفغانستان تؤكد بما لا يدع مجالا للشك بأن الأمة فيها من الخيريين ما يكفي لإنقاذ سكان القرن الإفريقي من خطر الموت جوعا وعطشا ومرضا.
ويقول بصراحة ينبغي أن يعلم الجميع بأنه إذا لم يتم إنقاذ الملايين من الجوعى على وجه السرعة فإن شعبا كاملا سيكون في عداد المنقرضين قريبا. ويقول محمد عثمان علسو مسؤول مركز الهداية في منطقة مانديرا إذا تعذر على أهلنا العرب والمسلمين مساعدتنا فإننا نطلب منهم شيء واحد وهو إرسال أكفان للموتى حيث انه في كل يوم يموت ما لا يقل على 5 إلى 10 أشخاص.
وخلال زيارة قام بها وفد هيئة الهلال الأحمر الإماراتي يرافقه وفد الإعلاميين لمدينة واجير الحدودية بين كينيا والصومال على متن طائرة خاصة اطلع على أحوال النازحين وتفقد مركز الإغاثة الإماراتي الذي أنشأه طلال خوري ودعمه بثلاثة ملايين درهم.
وبالرغم من أن واجير مدينة ريفية فهي تضم 400 ألف نسمة وقد تفاقمت مؤخرا متاعبها بالكم الهائل من النازحين من داخل الصومال الذين أقاموا 75 قرية ترقد في ضواحيها وتضم اكثر من ألفي نسمه. ومن الواضح فإن حال النازحين في تلك القرى هي أشبه بالمستجير من الرمضاء بالنار حيث ان منطقة واجير التي هربوا إليها هي عبارة عن صحراء جرداء.
وبعكس المناظر الفظيعة التي يراها المرء الزائر لأكواخ النازحين فإن من تحت شجرة ظليلة تبرز صورة تبعث على الارتياح وتتمثل في مجموعة من الأطفال شعث حفاة يتجمعون كل يوم لحفظ القرآن الكريم بإشراف طفل لا يزيد عمره على 15 عاما.
وينادي مسؤول في المنطقة يدعى معلم عبيد حسن بدعم هؤلاء الأطفال لكي يستمروا في مشروعهم العظيم وهو حفظ القرآن الكريم مشيرا إلى وجود العديد من هؤلاء الأطفال الذين يتخذون من الأشجار مراكز للتعليم. ويشعر أهالي قرى النازحين من الجفاف بالارتياح لما يقدمه لهم أهل الإمارات من دعم مادي وعيني واهتمام معنوي وفي مقدمه ذلك الهلال الأحمر الإماراتي.
ويقول هؤلاء في هذه الأثناء نقتات من مشروع تبرع به فاعل خير من الإمارات هو طلال خوري الذي أنشأ مركزا للإغاثة و وفر له دعما بقيمة ثلاثة ملايين درهم يتم توزيعها على شكل مواد غذائية بإشراف هيئة الهلال الأحمر وبالتعاون مع لجنة مسلمي إفريقيا حيث توزع تلك المواد للمحتاجين من كبار السن والأمهات والحوامل والمعاقين. ووفقا لما يقوله الأهالي فإن اتجاهاتهم الملحية يتصدرها المدارس النظامية والمساجد ودور الأيتام وآبار المياه الجوفية.
سليمان الماحي ـ نيروبي:
