إن الحادث الذي وقع في الوسط التعليمي باعتداء طالب على معلمه بسكين خلال الأسابيع الماضية وما أثاره من ردود فعل في جميع الأوساط الاجتماعية بالاستغراب وبالاستهجان والرفض ينم بوضوح عن قناعة هذا المجتمع بدور المعلم والمكانة التي ينبغي أن يتمتع بها، وخطورة هذا السلوك، الذي يستحق الإدانة بالإجماع من كل الأطراف، تكمن في رسم صورة المستقبل للمجتمع، فلبنات المجتمع الذي يربيهم عبر نظامه التعليمي إن تطاولت على هذا النظام وتجاوزت كل الخطوط الحمر ولم تقدر وتحترم المعلمين فلا شك أبداً أنها ستمارس هذا السلوك في ساحات المجتمع مستقبلاً، فعدم احترام المعلم الذي يمثل العلم والنظام والانضباط والإنسان الكبير هو مؤشر على نوع الإنسان الذي سنتعامل معه مستقبلاً وبمختصر القول لا يمكن التفريط والاستهانة بما حدث خاصة إن كان الحادث يشكل ظاهرة وليس حادثاً معزولاً بسيطاً وهذا لا يستطيع المجتمع الحكم عليه وإنما الأقدر على ذلك هم المعلمون والقائمون على النظام التعليمي، ولا يكون ذلك بالانطباع والأحاديث التي تأتي من هنا وهناك بل لابد من دراسة علمية لمعرفة حجم هذا السلوك وهل وصل إلى حد الظاهرة بهذا الشكل الصارخ أو بأشكال قد لا تقل خطورة عن هذا الحادث.
وللحادثة أيضاً دلالات كثيرة ومؤشرات أولية تقودنا إلى وجود خلل واضح في المجتمع نجم عن التغييرات الكبيرة التي طرأت على بنيته وقيمه ودور الأسر فيه وممارستها للتربية السليمة لأبنائها كما يؤشر ذلك لوجود خلل أيضاً في النظام التعليمي بدءاً من الإدارة المركزية للمناطق وإدارات المدارس والمعلمين والطلاب، وأن يصل هذا الموضوع لهذا الحادث الصارخ فيدل ذلك على وجود احتقان ما قاد إلى هذا الانفجار وهنا تثور العديد من الأسئلة، ما هي قيم المجتمع التربوي في استيعابه لأمثال هؤلاء الطلاب؟
وكيف هي العلاقة بين الإدارة المدرسية والمعلمين والطلاب؟ كم هي الفعالية لأساليب الثواب والعقاب المدرسي؟ وكيف نتعامل مع هذه الحوادث؟ وما هي الضوابط العامة؟ وما هي سبل الوقاية؟ وإنني سأتحدث عن سبل الوقاية لأهميتها وأريد قبل ذلك أن أقول إن دور المدرسة وإعطاءها الفرصة الكاملة في التعامل مع الطلاب يأخذ أولوية قصوى والأفضل عدم تدخل المجتمع إلا للضرورة القصوى.
أما عن سبل الوقاية فتبدأ من المعلم حيث لابد من الارتقاء به من جميع الجوانب ووضع هذه الوظيفة في درجة لا تقل عن الطبيب والمهندس وتحسين مكانته الاجتماعية وظروف معيشته وسن قانون لحماية هذه المهنة وجعل المعلمين أصحاب رسالة يعتزون بالانتماء إليها ويلتزمون بأخلاقها المهنية وتزويدهم بجميع المهارات اللازمة من حيث التعامل مع التلاميذ وما يتبع ذلك من لوازم، واعتبار المعلم شريكاً حقيقياً في القرارات التربوية عبر آليات تمكنه من ذلك ثم الاهتمام بالإدارة المدرسية، وللأسف الكثير ممن ليس لديه خبرة في الميدان التربوي ربما قلل من أدوار الإدارة المدرسية وسلط كل الضوء على مهنة المعلم فقط وأقول ومن خلال خبرة 19 سنة (12 سنة منها داخل المدارس وسبع منها مديراً لمدرسة) إن تقليل دور مدير المدرسة لن يكون في مصلحة المعلم بل أكاد أجزم أن على مقدار تطور الإدارة المدرسية على مقدار تمكن المعلم من القيام برسالته ولذلك تطوير الإدارة المدرسية يأخذ أولوية لا يمكن التنازل عنها إذا رغبنا في تربية ناجحة تحقق أهدافها والوصول بالإدارة المدرسية للمهنة العالية واستكمال كل ذلك ببنية تنظيمية وتشريعية متطورة وفكر تربوي حديث.
إن تربيتنا وصلت إلى منعطف خطير من حيث انخفاض دافعية جميع أطراف العمل التربوي ولابد من تدارك الموضوع قبل أن نرى ظواهر أخطر وأكبر.
عيسى السري