ما أثير من جدل عن المدارس الحكومية الرسمية ونظيراتها الخاصة ركز على المبنى المدرسي كأساس للمقارنة بينهما، وفي حالات أخرى سلط الضوء على الراتب والمحتوى التعليمي كالمناهج وأساليب التقنية والمقررات وحجم استخدام الحاسوب في الخاصة مقارنة بالحكومية، مطلقا في النهاية أحكاما تؤكد تفوق الخاصة من وجهة نظر البعض وتساوي المستوى من وجهة نظر فريق آخر وتفوق الحكومية من وجهة نظر ثالثة.
فيما لا نجد بين هذه التحليلات من تطرق إلى قضية ثقافة المدرستين من حيث التخطيط وطريقة اتخاذ القرار وجودة التعاون والمشاركة بين العاملين فيهما وطرائق تعاملهما مع أولياء الأمور ومختلف فئات الطلبة، ما يعني أن ثقافتهما المؤسسية تصلح معيارا للمقارنة بينهما أكثر من العوامل السطحية التي أشارت إليها التحليلات في السابق.
ولعلنا في ضوء هذه المقارنة نتساءل: هل تختلف الإدارة المدرسية في المدارس الخاصة مقارنة بالحكومية من حيث أساليب التخطيط والمشاركة والالتزام بالشفافية في العمل والتأكيد على العمل الجماعي مقارنة بالفردي، والى أي مدى تتيح المدارس الخاصة والحكومية لمتعلميها فرصة التعبير عن آرائهم والتحاور معهم لتأثير ذلك على النمو السليم لشخصية المتعلم، وهل تتسم ثقافة الخاصة بالتسامح وإتاحة الفرصة لإبداء الرأي، والحكومية بالتسلط والتأكيد على الطاعة العمياء، وإلى أي مدى تعد طبيعة العلاقة بين المدرسة وأولياء الأمور مؤشرا على جودة ثقافة المؤسسة في تعاملها مع الآخر؟
تقول لطيفة عبيد الخبيرة التربوية مديرة مكتب وكيل وزارة التربية والتعليم: إن الثقافة المؤسسية في المدرسة الخاصة تظهر بوضوح عنها في المدرسة الحكومية، شاهدها في ذلك أن المدرسة الواحدة وحدة مؤسسية بها إداري وفني ومالي ومبنية على لوائح مقننة ومختلف خطوط المدارس الخاصة تصب في هذه الأنظمة وتصير في إطارها سنويا بما يخدم سمعتها وتاريخها، مشيرة إلى أن ذلك هو رصيدها إلى جانب ما تسعى إليه من تنمية وتطوير لأنظمتها.
ولفتت الخبيرة التربوية إلى أن المدارس الخاصة تعد وحدة مؤسسية كاملة بينما الحكومية مجموعة نسخ مكررة للائحة تنظيمية واحدة في المنطقة أو الوزارة بأنظمتها الإدارية والتدريسية عكس المدرسة الخاصة المسؤولة عن تنفيذ أنظمتها التي تصيغها بصبغة خاصة متفردة تميزها عن المدارس الأخرى.
عرض وطلب
وعن مدى تواصل أولياء الأمور مع المؤسستين أكدت لطيفة عبيد أنه مبني في المدرسة الخاصة على مبدأ العرض والطلب بمعنى تسابقها في تقديم أفضل البرامج والأنشطة وأجود السلوكيات والفعاليات في حرم المدرسة والاهتمام بالجوانب المجتمعية الأخرى، إلى جانب أن عنصر المتابعة لدى أولياء الأمور يظهر بشكل جلي كونهم يدفعون ثمن الخدمة التعليمية وبالتالي يودون معايشة المردود على ارض الواقع، مشيرة إلى أن تواصل أولياء الأمور في هذه المدارس أقوى عنه في الحكومية التي توجد بها لوائح وأنظمة ولكن يشوب معظمها التكرار و التقليدية ورتابة استراتيجياتها وتشابهها وبالتالي لا تعكس فكرا متجددا.
وتعتقد نهاد الشامسي مدير مدرسة الاتحاد الخاصة بالجميرا ـ دبي أن الثقافة المؤسسية في المدارس الخاصة لها سماتها المميزة التي تجعل إدارتها بعيدة عن الوقوع في النمطية والتكرار فلا ينحصر دورها فقط في التطبيق الحرفي للوائح والنظم والبرامج المقررة من الوزارة، وإنما يتخطى ذلك إلى تقديم الأفكار المبتكرة والمشاريع الإبداعية الخلاقة التي تتفق مع الظروف والمعطيات وتلبي الاحتياجات التعليمية وتساهم في تحقيق الأهداف التربوية، مرتأية أن المدارس الخاصة لديها مساحة أكبر للتحرك والإبداع فيما لا يتعارض مع النظم وفي نفس الوقت يحقق أهداف الدولة والمجتمع.
وتوضح نهاد الشامسي أن بناء شخصية الطالب يجب أن تكون من أهم أولويات الإدارة المدرسية من خلال إتاحة الفرصة للطلبة التعبير عن أنفسهم لأنها عامل حيوي يعزز الثقة بالنفس، ويتيح لنا التعرف على آراء المتعلمين، وانطباعاتهم فرصة سانحة لتقييم اتجاهاتهم وتحديد احتياجاتهم التربوية وبالتالي الإسهام في تلبيتها وإشباعها.
مشيرة إلى انه من أجل ذلك تضمنت الخطة الاستراتيجية للمدارس العديد من الأهداف التي تخدم هذا الجانب ويتم تحقيقها من خلال الاختيار الجيد للمعلمين القادرين على التحاور مع الطلاب واستخدام أساليب تدريس تحقق التفاعل بين الطالب والمعلم وممارسة الديمقراطية من خلال انتخابات مجلس الطلاب وما يقوم به من اجتماعات للتعبير عن الرأي، وإتاحة الفرصة للطلاب للمشاركة في العديد من الأنشطة التي تبني الشخصية وتؤكد على حرية التعبير عن الرأي في إطار القيم والتقاليد التربوية، مع انتهاج سياسة الباب المفتوح يستطيع الطالب من خلالها الالتقاء بمربي الصف أو المشرف التربوي أو مدير المدرسة ليعبر عن آرائه التي يتم الاستماع إليها وأخذها بعين الاعتبار.
وشدد جعفر الفردان مدير مدرسة السعيدية للتعليم الأساسي في دبي على ان هناك فوارق جوهرية بين المؤسستين التربويتين، فالمدرسة الخاصة مشروع استثماري بحت غير قابل للخسارة المادية حتى لو أدى ذلك لخسائر سلوكية وتربوية وعلمية لكثير من الطلاب، لافتا إلى أن ذلك أمر غير معني تماما ضمن الخطط الاستثمارية للمدرسة الخاصة، عكس المدرسة الحكومية التي تهتم بالتربية الشاملة من حيث بناء الشخصية المتكاملة المعتمدة على العلم والسلوك والانضباط والولاء للوطن والدين، مرتأياً أن ذلك بعيد جدا عن جدولة المدارس الخاصة.
ولفت الفردان إلى أن المدارس الحكومية تهتم بالجوانب النفسية والانفعالية لطلابها لجعلهم أسوياء فاعلين منتجين في المجتمع، في حين أن المدرسة الخاصة تهتم بالجوانب الربحية كأولويات حتى لو انحرفت سفينة السلوك والعلم وتراجعت وتراجعت، موضحا أن لكل مدرسة في إطار هذا الطرح جوانب قوة وجوانب ضعف، لكن الكفة تميل لصالح المدرسة الحكومية لأن المعلم فيها إنسان متخصص أكاديمي يمر عبر قنوات وامتحانات ومقابلات قبل التعاقد معه ويتم اختيار الأفضل من طابور طويل جدا عكس المدرسة الخاصة التي لا تمتلك الأكفاء من المعلمين إلا ما ندر في بعض المدارس، وكذلك في مجال المناهج، فالمدارس الخاصة لا تشبع جوانب الدين والوطن وبناء المستقبل وشواهد ذلك عديدة على حسب قوله.
شريك حقيقي
أما جوانب القوة في المدرسة الخاصة فتتمثل في اللغة الانجليزية لغة العصر والحاسب الآلي، مؤكدا على أن مخرجات المدرستين بينها فوارق جوهرية.
وعن علاقة المدرسة بأولياء الأمور قال الفردان أنها قائمة على ما يتمتع به ولي الأمر من وعي تجاه أبنائه وحرصه على تعلمهم ومتابعتهم، إضافة إلى وعيه تجاه الدور الحيوي والمهم الذي تلعبه المدرسة كشريك حقيقي ومباشر في تربية ابنه، لافتا إلى أن كل ما تبذله المدرسة من جهود مخلصة تصطدم دائما بدرجة الوعي الأسري، مؤكدا أن مختلف المدارس الحكومية تبذل جهودا حقيقية للوصول إلى علاقة وثيقة قائمة على تقاسم الأدوار بمعنى ان كلا الطرفين يعي تماما دوره التربوي والتعليمي،ولكن للأسف أغلب أولياء الأمور لا يتوجهون إلى المدارس إلا في حالة وجود مشكلة أو حال استدعاء المدرسة له.
وأضاف الفردان أن لكل مدرسة استراتيجياتها ورؤيتها الخاصة وقيمها التي تحاول أن تغرسها في طلابها، فالمدرسة الخاصة لها قيم معينة تجدها أولى بالغرس والمدرسة الحكومية لها أيضا أولويات قد تتطابق وقد تختلف ولكن لا يعني ذلك أن كلا المدرستين يسير في اتجاه مختلف بل يصبان في نهر واحد وبوتقة واحدة.
واختتم مؤكدا أن الطفرة التعليمية التي تشهدها الدولة غير مسبوقة، حيث تعاملت القيادة الرشيدة بشكل مبرمج لا سابق له ما يبشر بمستقبل زاهر يعود بلا شك على الإنسان في ربوع هذه الأرض الطيبة ووصل التعليم مداه.
فاطمة الدبل مديرة مدرسة الاتحاد الخاصة بالممزر أشارت إلى أن فلسفتها في العمل تكمن في العمل بروح الفريق الواحد عبر ديمقراطية من شأنها إعطاء صلاحيات واسعة في حدود مصلحة العمل لاتخاذ قرارات تصب في صالح العملية التعليمية، مثنية على علاقة إدارة المدرسة بأولياء الأمور ووصفتها بالجيدة ولطالما رحبت الإدارة بما يطرحه أولياء الأمور من اقتراحات بناءة، مضيفة انها تتقبل النقد البناء من وجهة نظرهم التي تراها ضرورة لتطوير بيئة العمل والارتقاء بمستويات المتعلمين.
تحقيق: يحيى عطية