(تلك هي الأمة الإسلامية وحدّها الله تعالى وجمعها على كلمة التقوى وأقام وحدتها على دعائم ثابتة من الأخوة والتعاون والتضامن والتراحم، والأخلاق الكريمة، وفي سبيل هذه الدعوة قضى الإسلام على الحواجز الجغرافية، والعصبيات الإقليمية والقبلية).
إن الوحدة الإسلامية غاية وهدف يسعى إليها كل مسلم غيور على دينه، محب لأمته. ولقد صنع الإسلام للوحدة الإسلامية كل ما يقتضيه التوحيد من دعائم وركائز، وقد قامت الوحدة الإسلامية في صدر الإسلام على هذه الدعائم والركائز، وأثرت هذه الركائز في الأمة مادياً وروحياً، وثبت لدينا جميعاً أن الوحدة الإسلامية والدعوة إلى إقامتها لا ينطلق من فراغ وليس أمراً خيالياً بل كان واقعاً حياً أقيم على يد بشر وليسوا ملائكة.
تلك هي الأمة الإسلامية وحدّها الله تعالى وجمعها على كلمة التقوى وأقام وحدتها على دعائم ثابتة من الأخوة والتعاون والتضامن والتراحم، والأخلاق الكريمة، وفى سبيل هذه الدعوة قضى الإسلام على الحواجز الجغرافية، والعصبيات الإقليمية والقبلية، وقضى على اختلافات اللغة والجنس واللون، فسوى بين المسلمين تسوية عامة مطلقة غير مقيدة، وأقام التفاضل على الدين والعمل الصالح والتقوى
قال تعالى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم).
ومن أهم الركائز التي قامت عليها الوحدة الإسلامية:
* الركيزة الأولى : وحدة العقيدة :
لا شك أن وحدة العقيدة هي الأساس القوى والدافع الرئيس الذي يمكن أن يجتمع عليه البشر، ولقد خص الله المسلمين بعقيدة تجمع شملهم وتربط بين قلوبهم، وتوحد صفوفهم.
والعقيدة الإسلامية هي العقيدة التي نؤمن فيها بالله رباً وبالإسلام ديناً وبسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولا، ونؤمن فيها بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ويتطابق الإيمان مع العمل، والتمسك بالإسلام عقيدة يستوجب التمسك به تشريعاً ومعاملة وسلوكاً وأخلاقاً، والتمسك بعقيدة التوحيد يجعل من الأمة وحدة واحدة لا تختلف ولا تتفرق بل تعتصم بحبل الله.
يقول الأستاذ سعيد حوى: إن عقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله هي أصل وحدة المسلمين، متى قالها الإنسان كان من هذه الأمة، وما دام خارج دائرتها فليس منها، إنه متى أسلم الإنسان وجهه لله على طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد تحقق بالعبودية لله وتحرر من رق ما سواه، وإذا كان الله واحد فقد وحدت العبودية له قلوب المسلمين من كل لون وجنس.
إن التوحيد هو روح الإسلام وجوهره، وسبيل الإسلام وغايته وليس التوحيد الذي يضمن سر الدين كله مقصوراً على ما يعرفه الناس من تنزيه الله سبحانه وتعالى عن الشريك والند، وإنما يشمل كل ما يكفل الأمة والإنسانية والوحدة والتعاون. فمن توحيد الله سبحانه وتعالى توحيد العقيدة، و توحيد الكلمة، وتوحيد الغاية وتوحيد الدنيا والدين، وفى سبيل التوحيد في شتى مظاهره كابد الرسول صلى الله عليه وسلم ما كابد من عنت الشرك وسفه الجهالة، وإفراط العصبية
* الركيزة الثانية: المؤاخاة
إذا كانت الأمة الإسلامية ترتبط فيما بينها بروابط العقيدة والعبادات فإن محصلة هذين البعدين هي الأخوة التي هي أقوى من أخوة النسب، ومن هنا كان قول القرآن الكريم « إنما المؤمنون إخوة ». ولقد كانت الخطوة الأولى لبناء صرح المجتمع الإسلامي الجديد في المدينة المنورة على أسس سليمة هي المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وبهذا التآخى كون رسول الله صلى الله عليه وسلم أسراً إسلامية جديدة تآلفت قلوبها وتعاقدت على أن تسير في حياتها وفق المنهج الإسلامي الذي يرتقى بالسلوك البشرى إلى درجة لم تصل إليها الإنسانية من قبل.
ويعقب الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق رحمه الله على هذا الحدث قائلاً : «وقد ابتدأ عمل الرسول صلى الله عليه وسلم لإيجاد هذا المجتمع المتساند المتعاطف بوضع روابط تربط إخاء الأمة الإسلامية الناشئة بحيث تكون وحدة تحتوى العناصر المختلفة الأنساب والأوطان، ويصير مجتمعاً مؤتلفاً في شعوره تنمحى منه الفوارق وتنساب مسببات الفرقة، فكانت المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين، كما كانت بين كل صنف منهم، فانعقدت الألفة وتكاملت الوحدة، وارتبطت القلوب المؤمنة بالمودة وبالإيثار بدلاً من الأثرة، فلم يكن هذا التآلف قلبياً فحسب، بل شمل جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والحربية، حيث وضعت الهجرة أسس إقامة المجتمع الجديد الرشيد».
ولما أكرم الله المسلمين بهذا الإخاء، وفق الله نبيه صلى الله عليه وسلم بإبرام معاهدة بين المسلمين تعاهدوا فيها على أن يسودهم الأمن والأمان وروح التعاون والوحدة، وقد جاء تكوين هذه الأمة لما أمر الله به سبحانه وتعالى في قرآنه الكريم (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فأعبدون).
* الركيزة الثالثة: وحدة التاريخ
يبدأ التاريخ الإسلامي من يوم أن صدر أمر الله تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بإبلاغ رسالته إلى الناس كافة في شتى بقاع الأرض وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وقد ينكر البعض أن يكون للمسلمين في العصر الحاضر تاريخ مشترك بل وينكرون أن يكون للعرب تاريخ مشترك زاعمين أن تكون لكل دولة عربية تاريخها المستقل، وهذا الزعم يتسم بالتغرير السياسي والخداع الثقافي ومجافاة الواقع، ويكفى أن نلاحظ تفاعل جماهير العرب والمسلمين مع القضية الفلسطينية لنتمكن من معرفة كوامن الشعور بالتاريخ المشترك، حتى إن قيادة الجهاد في البلاد غير العربية أعلنوا أنهم يتمنون الشهادة على أرض القدس مما يؤكد وحدة الآلام والآمال، وبعيداً في أعماق ذكريات التاريخ يقف المسلمون أمام جهود صلاح الدين الأيوبي ونور الدين محمود موقفاً موحداً يتسم بالعرفان، ويقوى الشعور بوحدة الموقف التاريخي بالنسبة لعصر السيرة والراشدين حيث يتسم بالإجلال.
وهكذا نجد أن التاريخ الإسلامي هو تاريخ شعوب العالم الإسلامي من يوم أن اعتنقته، وأصبح جزءاً من حياتها تدافع عنه وتموت في سبيله.
* الركيزة الرابعة : الموقع الجغرافي لقد خص الله سبحانه وتعالى هذه الأمة بخاصية فريدة بأن جعلها قلب العالم كله من كل ناحية، وقد صور العالم الجليل الراحل الدكتور محمد عبد الله دراز هذه الوحدة الجغرافية تصويراً طريفاً معبراً نقتبسه هنا لأهميته في إعطاء صورة واضحة المعالم لهذا البعد الجغرافي . يقول رحمه الله : « إنها صورة جمل ضخم قد برك على الأرض بمؤخرته ولكنه أخذ يهم بالنهوض فنصب ساقيه الأماميتين ورفع رأسه ومد عنقه، وقد سحب إلى الأمام من مشفره بحبل وتدلى من عنقه حبل ثان، واجتذب إلى الوراء من منكبه بحبل ثالث كأنه المقود في يد الراكب، أما مبرك الجمل فهو الجزء الأعظم من القارة الأفريقية، أعنى كتلتها العظمى المحصورة بين المحيط والبحر الأبيض والبحر الأحمر.
وأما ساقاه الأماميتان فهما الصومال وأوغنده، وأما صدره فهو جزيرة العرب وما يليها من الشمال، وأما عنقه ورأسه الممتدان في قلب القارة الآسيوية فهى بلاد إيران وأفغانستان وباكستان وما فوقها، وأما الحبلان الممدودان من مشفره ومن عنقه فهما سلسلتان من الأقاليم الآسيوية، تمتد إحداهما إلى أقصى الشرق على المحيط الهادي أمام الجزر اليابانية، وتمتد الأخرى إلى الجنوب حتى تعبر القارة الآسيوية عند ملتقى المحيطين الهادي والهندي.
وهناك تؤلف مجموعة الجزر الاندونيسية، وأما المقود الذي يجذبه من منكبه إلى الوراء فهو سلسلة من الأقاليم الأوروبية تبتدى من الأقطار التركية وتسير في اتجاه شمالي غربي حتى تصل إلى بحر البلطيق.
«وهذه الوحدة الجغرافية التي تتضح لنا من خلال هذه الصورة الملموسة من شأنها أن تمحو بين أقطار العالم الإسلامي تلك الحواجز الإقليمية المصطنعة في شئون الاقتصاد والإنتاج، ومن شأن الوحدة الجغرافية أيضاً أن تيسر توزيع ثرواتها المادية بينها توزيعاً ينشر فيها الرخاء ويحقق لها الاكتفاء الذاتي والاستغناء عما سواها».
*الركيزةالخامسة: اللغة العربية
إن اللغة العربية هي الرباط المتين الذي يربط المسلمين شرقاً وغرباً، وهى اللواء الذي يوحد صفوفهم، ولم يكن غريباً أننا وجدنا القوى المعادية للإسلام تبدأ هجومها أولا على اللغة وتعمل على إضعاف مكانتها في نفوسنا . وكلنا يعرف فعلة الاستعمار الفرنسى في الجزائر، ومحاولة الإنجليز الترويج للعامية في مصر على سبيل المثال.
إن العربية هي أقرب اللغات إلى نفوس جماهير المسلمين في أنحاء الأرض وهى قادرة على جمع أمة الإسلام، ولتكن هذه رسالة جامعة للشعوب الإسلامية. يقول صاحب المنار: «وما زال الحكماء الباحثون في مصالح البشر العامة يتمنون لو يكون لهم لغة واحدة مشتركة يتعاونون بها على التعارف والتآلف ومناهج التعليم والآداب والاشتراك في العلوم والفنون والمعاملات الدنيوية».
«لقد ساعد القرآن على انطلاق اللغة العربية مع الإسلام من جزيرة العرب إلى ربوع آسيا وأفريقيا وأوربا في نصف قرن من الزمان، فغلبت العربية على الرومية في الشام، ونزعت القبطية من أهل مصر فأعطتهم نفسها، وطاردت البربرية من شمال أفريقيا، واحتلت مكانها، وذلك كله من فضل التزام الإسلام للعربية، لا من قوة فتوحات العرب لتلك البلاد».
د. محمد محمد عيسى
كلية الشريعة والقانون ـ جامعة الإمارات