يعيش الشقيقان رامي (عشر سنوات) وأشرف (ثمانية أعوام)، مصريا الجنسية، ظروفاً لا يحسدهما عليها إنسان على ظهر هذه البسيطة مهما كانت ظروفه. الشقيقان فقدا والديهما، الأم لقيت حتفها حرقاً بيد الوالد أمام أعينهما قبل عامين بمنطقة النعيمية في عجمان والأب يرقد في غياهب السجن.

يواجه الطفلان مصيراً مجهولاً لا يستطيعان السفر خارج الدولة لأن والدهما وضع عليهما قبل دخوله السجن (منع السفر) ثم إلى أين يسافران ومع من يعيشان؟ وحالياً يقيمان مع خالتهما وجدتهما بصورة مؤقتة إلى حين معرفة مصير والدهما الذي حكم عليه بالسجن 3 سنوات، ودفع الدية الشرعية والترحيل عن البلاد.

كما تقدم أهل المتوفاة بالعفو والاكتفاء بدفع الدية الشرعية. هذا ما أكدته جدة الطفلين التي جاءت إلى مكتب «البيان» لتروي فصول المأساة عن واقع الطفلين الأليم والظروف التي يعيشانها وحرمانهما لعامين بالالتحاق بالفصول الدراسية مع أقرانهما.

بداية الحكاية

ترجع فصول الحكاية إلى العاصمة الأردنية عمان عندما التقى والد الطفلين مع أمهما في أحد المصانع الخاصة بصناعة الحقائب فجمع بينهما الحب ثم نما وترعرع وأثمر بزواجهما ورزقهما الله طفلين اثنين، وبعدها قررا الاغتراب والعمل من أجل مستقبل أفضل لولديهما حيث جاء الأب أولاً إلى الإمارات ثم أحضر بقية أفراد أسرته حيث عمل في مجالات مختلفة وآخرها امتلك مقهى في عجمان وظل يعمل في هذا المقهى، ووقفت زوجته إلى جانبه، ويشهد الجميع بدماثة خلقها والتزامها بأداء الصلاة في وقتها.

إضافة إلى عملها في المنزل حيث تقوم بإعداد الحلوى والمأكولات لكي يبيعها زوجها في المقهى، كما عرفت بأنها إنسانة صبورة تتحمل كل صور معاناة الحياة. والاختلاف الذي حصل مع زوجها كان بسبب معاقرته الخمرة دائماً، حيث أصبح مدمناً على تناولها، وتحدثت معه مراراً من أجل طفليهما بأن يترك الخمور، إلا أن العزة بالإثم سيطرت عليه ولم يتوان عن تعاطي المسكرات إلى أن جاء ذلك اليوم الأليم، ويروي رامي الابن الأكبر فصول المأساة فيقول: في ذلك اليوم سكبت أمي على نفسها «الجاز» ووقفت أمام أبي الذي كان يحمل في يده كأساً من الخمر وقالت له: إذا لم تترك شرب الخمر سوف «أولع» في نفسي النار وكانت تظن بأن هذا الأمر يردعه ويعيده إلى صوابه.

وفي تلك اللحظات خرج الأب من المنزل وعاد بعد ساعتين وكانت الأم في ذلك الوقت جالسة في غرفة النوم وترتدي الملابس ذاتها التي سكبت فيها «الجاز» فقال الأب لها: ألم تحرقي نفسك بعد؟ لم تجبه الأم، وظلت صامتة. ويواصل رامي شرح ما حدث مشيراً إلى أن والده قام بإغلاق الباب الخارجي ووضع المفتاح في جيبه ثم أخرج منديل ورق وأشعل فيه النار وقام برميه تحت قدمي زوجته وفي تلك اللحظة اشتعلت النار وظل الأب جالساً يتفرج على ضحيته، وهنا تحرك رامي راكضاً نحو منزل خالته لكي ينقذ والدته وحاول مراراً فتح الباب إلا أنه لم يستطع، وفي ذلك الوقت وقع المفتاح من جيب والده فأخذه وفتح الباب وهو يصرخ الحقوا أمي تحترق وقام زوج خالته بإنقاذها وإطفاء النار، وتم حملها إلى مستشفى الشيخ خليفة بعجمان إلا أنها خلال أربع وعشرين ساعة فارقت الحياة بسبب الحروق والاختناق بالدخان. وهكذا راحت الأم الحنون وبعدها بدأت فصول معاناة ومأساة الطفلين.

معاناة.. معاناة

تقول «أم محمد» جدة الطفلين: عندما جاء خبر وفاة ابنتي ظننت بأن ابنتي الأخرى هي التي ماتت وذلك لأنها حامل ولم أتخيل بأن الضحية هي «أم رامي»، وأضافت وهي تمسح الدموع من عينيها حضرت في تلك اللحظة إلى الإمارات ولم ألتقِ بابنتي، إذ وجدتها جثة هامدة وتم دفنها في عجمان وواجهت أقسى الأمرين أمام عيني طفلي ابنتي، ثم أبنائي الذين يطالبون بإعدام قاتل أختهم إلا أني قلت لهم إن هذا الأمر حرام، كيف سيعيش الطفلان؟ ماذا نكسب إذا تم إعدام الوالد؟ الأم راحت ضحية بيديه ولكن كيف نترك طفلين يواجهان الحياة وحدهما؟ وتواصل سرد الحكاية لذلك ذهبت إلى الأردن وقمت ببيع منزلي من أجل الوقوف إلى جانب حفيدي من أجل تعويضهما عن حنان الأم ومواجهة الحياة، كما قررت العفو عن الوالد من أجلهما.

وقالت «أم محمد»: أنا امرأة مؤمنة بقضاء الله وقدره، وأعرف أن ما حدث بمشيئة الله، ولكن أعرف جيداً ابنتي «أم رامي» التي وقفت بجانبه تعمل دائماً من أجل تربية طفليهما ولم تشتك يوماً. وفي الأردن كانت تعمل أكثر من 18 ساعة من أجل أسرتها وعندما حضرت لم أكن أتخيل بأن هذا الزوج سيقوم بحرقها أمام طفليها!

وأكدت أم محمد أنها الآن تواجه ظروفاً صعبة بسبب بيعها كل ما تملك في هذه الحياة في الأردن بالإضافة إلى بيع أثاث بيت ابنتها المتوفاة كله.

العفو عند المقدرة

وقالت «أم محمد»: لا أستطيع أن أرضى بإعدام والد الطفلين، رغم إقدامه على قتل ابنتي وذلك بسبب حبي الكبير لحفيدي اللذين لا ذنب لهما يحلمان في هذه الحياة بالتعليم ورؤية والدهما رغم كل ما فعله، لذلك قررت العفو عنه من أجل أن يعيش الطفلان حياة سوية ويتعلما، مؤكدة بأنها تنتظر خروج الوالد من السجن.

وتضيف «أم محمد»: الطفلان يعيشان اليوم مع خالتهما ولم يقصر زوجها يوماً، ولكن إلى متى هذا الأمر. وقالت: آمل أن يتحرك أهل الخير بإيجاد مسكن من أجل احتضان الطفلين وتربيتهما وتعليمهما وتعويضهما حنان الأم الذي فقداه إلى حين معرفة مصير والدهما.

والمؤسف أن «أشرف» يعاني من المرض وليس لدى «أم محمد» من مال لعلاجه وطالبت أهل الخير بمد يد العون والمساعدة من أجل مساعدة طفلين لا حول لهما ولا قوة إلا بالله العزيز الجليل.

رأي الشرطة

أكد العميد علي ماجد المطروشي مدير عام شرطة عجمان بأن والد الطفلين نزيل بالمنشآت الإصلاحية والعقابية بعد أن قضت عليه المحكمة بالسجن 3 سنوات ودفع الدية الشرعية والترحيل عن البلاد.

وتساءل العميد المطروشي ما سبب غياب دور القنصلية عن الطفلين مشيراً إلى أن الجانب الاجتماعي يجب أن تقوم به القنصلية المصرية باعتبار أن أهل الطفلين موجودون في مصر كما يجب على أعمامهما رعايتهما وتربيتهما.

وفي تعليقه على مدى تأثير مشهد حرق الأم أمام طفليها أشار إلى أن هذا الأمر قد لا يمحى من ذاكرتهما، مشيراً إلى ضرورة رعايتهما وتأهيلهما نفسياً لمواجهة الحياة.

إعداد أسامة أحمد: