يعتبر مرض الثلاسيميا من أكثر الأمراض الوراثية انتشارا في الدولة حيث يقدر عدد المصابين بهذا المرض حوالي 3700 مريض ما بين مواطن ووافد منهم حوالي 800 مصاب يتلقون العلاج في مركز الثلاسيميا في دبي. وتشير إحصائيات صادرة عن المركز العربي للدراسات الجينية التابع لجائزة حمدان بن راشد للعلوم الطبية أن هناك شخصا واحدا من كل شخصين من المواطنين يحمل صفة الألفا ثلاسيميا (49%) في حين هناك شخص من كل 12 مواطنا يحملون صفة البيتا ثلاسيميا (5,8%) من مجموع سكان الدولة وهي نسبة ليست قليلة بل تعتبر من أعلى النسب العالمية.

ويصنف مرض الثلاسيميا ضمن سلسلة الأمراض الخطيرة نظرا لعدم توفر علاج ناجع له، حيث تقف غالبا طرق العلاج عند منع المضاعفات الناتجة عن فقر الدم والحد من عمليات نقل الدم، وغيرها من طرق العلاج كما انه من الأمراض المكلفة جدا حيث تصل تكلفة علاج المريض الواحد شهريا ما يقارب 2000 درهم ناهيك عن المعاناة النفسية والصحية والجسدية ليس فقط للطفل المصاب وإنما أيضا لعائلته. ومن هنا فقد بادرت الجهات الرسمية في الدولة لاتخاذ سلسلة من الإجراءات للحد من انتشار هذا المرض وتم الإعلان رسميا عن خطة إستراتيجية لمنع ولادات جديدة مصابة بالمرض بحلول العام 2012.

فما هو مرض الثلاسيميا وما هي طرق الوقاية من المرض وما هي إمكانيات شفاء مريض الثلاسيميا وما هي الخطط الإستراتيجية للقضاء على هذا المرض في الدولة. كل هذه التساؤلات وغيرها نحاول الإجابة عليها في سياق هذا التحقيق:

المعاناة بصمت في مركز الثلاسيميا التابع لمستشفى الوصل مناظر تقشعر لها الأبدان، أطفال بعمر الزهور لا تقوى أجسادهم على تحمل كل هذه المتاعب والمعاناة يتمددون بصمت على أسرة بيضاء لنقل الدم أو للتخلص من الحديد، وأمهات لا يملكن سوى ذرف الدموع والتوسل إلى الله في علاه لتخليص هؤلاء الأطفال مما حل بهم بسبب عدم وعي وإدراك أبويهم لأهمية فحص ما قبل الزواج.

أم محمد مواطنة لديها طفلان مصابان بالمرض وتحضرهما بشكل منتظم للكشف وتبديل الدم تنصح جميع المقبلين على الزواج بضرورة الفحص الطبي لتجنيب الأطفال مثل هذه الأمراض. وتقول بان حياتها مع زوجها انقلبت رأسا على عقب وبدلا من الاستقرار تشعر بأن حياتهما تدمرت خاصة وان طفليهما اللذين انتظراهما على أحر من الجمر مصابان بهذا المرض الخطير.

وتشاركها الرأي زميلتها أم عبد الله التي تعرفت عليها في المركز لزيارتهما المتكررة لديها طفلة عمرها الآن 13 عاما اكتشفوا إصابتها بالمرض بعد ستة أشهر وبعدها توقفت عن الحمل خوفا من ولادة طفل آخر مصاب بالمرض فالفحوصات التي أجرياها تشير إلى أن احتمالية إصابة الطفل الثاني هي 75%. وتقول لا نريد أن يكون لدينا طفل آخر مصاب بالمرض فيكفي ما نحن فيه ويكفي ما تتحمله هذه الطفلة البريئة من عذاب وألم.

الدكتور غازي تدمري نائب مدير المركز العربي للدراسات الجينية التابع لجائزة حمدان بن راشد للعلوم الطبية يقول «الثلاسيميا، أو بشكل أدقّ، البيتا ـ ثلاسيميا، ويُعرف أيضاً باسم فقر دم البحر المتوسّط أو فقر دم كولي Cooley's anemia ـ هو أحد أشهر الأمراض المزمنة الناتجة عن أخطاء وراثية. وتشتقّ التّسمية من الكلمة اللاتينية «ثلاسا» thalassa وتعني البحر، وقد استُعمِلت هذه الكلمة للدّلالة على هذا المرض لأنّه اكتُشِف في بادئ الأمر لدى سكّان حوض البحر الأبيض المتوسط. ولكننا نعلم حالياً أن المرض لا يقتصر على هذه المنطقة فقط، بل يتعدّاها ليشمل كلّ البلاد التي يعود أصل شعوبها إلى المنطقة الواقعة حول البحر الأبيض المتوسط، الشرق الأوسط، أو آسيا الجنوبيّة.

يتمثّل السبب في حدوث مرض البيتا ـ ثلاسيميا بعدم قدرة الخلايا المُنتجة لمكونات الدم، والموجودة في نخاع العظام، على إنتاج سلاسل الغلوبين ـ بيتا وهو بروتين يدخل في تركيب جُزيء الهيموغلوبين في كريّات الدم الحمراء. ويتسبّب وجود علّةٍ ما في جينة البيتا ـ غلوبين بإنتاج هيموغلوبينات مختلّة، وأحيانا عدم إنتاجها تماماً، وبالتالي يحدث خللٌ في وظيفة كريّات الدم الحمراء.

عوارض المرض

وأوضح الدكتور غازي تدمري أن عوارض المرض تبدأ بالظهور على الطفل المصاب ابتداءً من شهره السادس بعد الولادة، ويكون ذلك على شكل فقر دم ناتج عن اضطراب دمويّ لا يلبث أن يصبح على جانب كبير من الخطورة، يظهر واضحاً في شحوب لون وجه الطفل، والذي غالبا ما يشكو من تعبٍ وضعفٍ دائمين.

ويتطور المرض إلى أن يتضخّم كبد وطحال المريض. والمعروف أن مهمة هذين العضوين تدمير كريّات الدم المعطوبة، فيؤدي تضخمهما إلى تدمير أكبر عدد من خلايا دم المريض المعطوبة دون تزويد الجسم بالبديل، ممّا يؤدي إلى عجزٍ عن المحافظة على النِّسب المطلوبة من هذه الخلايا بالرغم من اجتهاد خلايا نُخاع العظم bone marrow في محاولة سدّ العجز، ولكن دون جدوى. فتظهر بالتالي عوارض ضعف عامّ في الهيكل العظمي للمريض وتشوّه وتمدُّد للعظام التي تدعم الوجه، ولا سيّما عظام الرأس والفكّين. ونتيجة لكلّ هذه الأمور تظهر على المريض عوارض ضعف وإعياء مترافقة مع نُموٍّ وتطوّرٍ بطيئين، وفي هذه الحالة لا يحيا المُصاب أكثر من عِقْدٍ من الزمان.

وفي إحصائية تعود إلى العام 1986، قدّرت منظمة الصحة العالمية عدد حاملي السِّمة بأنّه يفوق ال150 مليون شخص في العالم، وأن أكثر من 100 ألف طفل مُصاب بالمرض يُتَوَقَّع ولادتُهم كلّ عام. ومما لا شكّ فيه أن تلك الأرقام هي أضخم بكثير في وقتنا الحالي.

نقل دم مستمر

وأشار إلى أن أقصى ما يمكن أن يقدّمه الطبّ لمرضى البيتا ـ ثلاسيميا في الوقت الحاضر ليس إلاّ تدابير مُسَكِّنة يجب تفريقها عن تلك المستخدمة لمداواة مرض نقص الحديد في الجسم. فلقد أصبح من المُسَلَّم به وضع برنامج منظَّم لنقل دم جديد للمريض، الأمر الذي يُعتبر حجر الأساس في محاولة التخفيف من حدّة المرض ـ مع مراعاة الفرق بين كلمتي التخفيف والشفاء ـ خاصَّة لتجنُّب حدوث أيّة تطوّرات للكبِد أو الطُّحال، أو ظهور التَّشوُّهات في العظام.

وقد تصل عمليات نقل الدم إلى تواتر قد يبلغ مرّة كلّ ثلاثة أو أربعة أسابيع ممّا قد يؤدّي إلى عوارض جانبية، كتَرَسُّب كميّات من الحديد في الجسم. وقد يتسبّب هذا الأمر بنُمُوٍّ غير قويم عند الطفل، وتأخُّر في سنّ بلوغه، بالرغم من وجود الإفرازات الطبيعية لهرمونات الجسم المؤثّرة على عملية البلوغ. وقد ينتج عن ترسُّب الحديد إضرار بالبنكرياس والأعصاب، وتشمُّع للكبِد، وفي النهاية توقّف لعمل القلب.

ويُعالَج هذا الأمر عادة بإعطاء المريض مُستخلباتٍ للحديد iron chelators على شكل 60 إلى 90 حقنة ديسفيريوكسامين desferrioxamine (ديسفيرال) شهرياً حيث يُعبَّأ الدواء في حُقنة يتمّ تركيبها داخل مِضَخّة تعمل على ضخّ الدواء نقطةً نقطة تحت الجلد، لفترة خمس إلى سبع ساعات ليلياً، طوال أيّام الأسبوع، لالتقاط الحديد، ليتمّ نقله إلى خارج الجسم عن طريق البَول.

بارقة أمل

وأشار نائب مدير المركز العربي للدراسات الجينية إلى انه ابتداءً من العِقد الماضي بدأت تجربة إجراء عمليّات نقل وزرع النُّخاع العظميّ bone marrow transplantation من أشخاص سليمين إلى آخرين مُصابين بالبيتا ـ ثلاسيميا. وبعد تراكم الملاحظات على تلك العمليات استُنْتِج أنّها في النهاية تقدّم أملاً كبيراً للوصول إلى مرحلة شبه خالية من التعقيدات، بشرط الحصول على متبرّع ملائم، يصعب وجوده عادةً، إذ يجب أن تكون أنسجته متطابقة مع أنسجة المُصاب بالبيتا ـ ثلاسيميا، حتّى لا يرفضها جسم المستقبل.

ويقوم مقام المتبرّع عادة أحد أخوة المريض إذ يَنْدُر أن يكون هنالك تطابُقٌ تامّ من غير الأقارب أو الوالدين، وقد أجريت هذه العمليات للكثير من مرضى الثلاسيميا في العالم من ضمنهم أكثر من 30 مريضا من دولة الإمارات.وهناك أيضا بارقة أمل جديدة أمام الأطفال المصابين بالثلاسيميا وغيره من الأمراض حيث بدأت بعض المراكز العالمية باستخدام خلايا خاصة تسمى الخلايا الجذعية عن طريق تجميع دم الحبل السري أثناء الولادة من مشيمة الأمهات بعد الولادة وتخزينه وحفظه تحت ظروف خاصة في أماكن يطلق عليها بنوك دم الحبل السري والتي يوجد منها الآن أكثر من 950 بنكا على مستوى العالم.

وتتميز هذه الطريقة عن نقل النخاع بان جمع دم الحبل السري أسهل من شفط نخاع المتبرع كما أن احتمال العدوى أثناء النقل اقل واحتمال رفض الخلايا المحقونة يكون اضعف، إضافة إلى أن عدد المواليد كبير جدا مما يعطي احتمالات أكثر للمطابقة من حيث البحث عن متبرع والتكلفة المادية اقل من زرع نخاع العظم إضافة لسهولة الحصول عليه دون أي الآم للأم أو الطفل ويمكن القبول بمستوى للمطابقة اقل من نخاع العظام، وهناك الآن مركز لدم الحبل السري في مركز الثلاسيميا في مستشفى الوصل وهذا سيوفر فرص علاج جيدة لمرضى الثلاسيميا وغيرهم من أمراض الدم الوراثية في المستقبل.

خطة وطنية

وحول الخطة الوطنية التي تم إعدادها للقضاء على المرض في الدولة بحلول العام 2012 تقول الدكتورة مريم مطر رئيسة إدارة البحوث وبرامج المجتمع في دائرة الصحة والخدمات الطبية المشروع تم إطلاقه حقيقة في العام 2004 وقد حقق نتائج ايجابية في مختلف فئات المجتمع وعلى رأسها فئة المقبلين على الزواج، ونظرا لما حققته الحملة فقد قمنا بوضع خطة إستراتيجية لغاية العام 2012 تهدف للحد من ولادات جديدة لهذا المرض حتى نصل إلى الهدف المنشود وهو إماراتنا خالية من الثلاسيميا تماما.

وأوضحت الدكتورة مريم مطر أن الهدف الرئيسي من إطلاق المشروع هو نشر الوعي بين كافة فئات المجتمع حول هذا المرض لاعتباره من أكثر أمراض الدم انتشارا في الدولة بين المواطنين حيث تشير إحصائيات وزارة الصحة ودائرة الصحة والخدمات الطبية في دبي إلى وجود ما يقارب 3700 مريض في الدولة يعانون من مرض الثلاسيميا وبناء مراكز متخصصة بالأمراض الجينية الوراثية كمرض الثلاسيميا في الإمارات الشمالية لفحص الأشخاص المقيمين في الإمارات الشمالية عن الأمراض الجينية الوراثية بالإضافة إلى تثقيف ونشر الوعي بين كافة شرائح المجتمع لتقليل نسبة الإصابة بالأمراض الوراثية.

وسيتم تزويد المركز الذي سيقام في كلية التقنية بدبي بإشراف المركز العربي للدراسات الجينية التابع لجائزة حمدان بن راشد آل مكتوم للعلوم الطبية مباشرة بأحدث الأجهزة والمعدات الطبية. وأوضحت أن الحملة تهدف أيضا لرفع توصية لحث القضاء العام بإلزامية إدراج فحص الثلاسيميا في كشف اللياقة الصحية لخريجي المرحلة الثانوية والمنتسبين لمؤسسات التعليم العالي العام والخاص وذلك من خلال جمع اكبر عدد من التواقيع بما يقارب 10 آلاف توقيع من مختلف فئات المجتمع كموافقتهم على إلزامية الفحص الطبي.

وأشارت الدكتورة مريم مطر إلى أن الفئات المستهدفة في الحملة تشمل طلاب وطالبات المرحلة الثانوية ومؤسسات التعليم العالي في القطاعين العام والخاص والمقبلين على الزواج، وسيتم تنظيم حملات التوعية لكافة فئات المجتمع في الجمعيات النسائية ومؤسسة صندوق الزواج والمراكز التجارية والصحية والعيادات والمستشفيات.

تحقيق عماد عبد الحميد: