قبل سنوات عدة كان عدد الكسارات في الدولة ربما لا يزيد على 50 كسارة تقع معظمها في مناطق بعيدة عن المناطق المأهولة بالسكان، ولكن مع النهضة العمرانية التي تشهدها مختلف مناطق الدولة والزحف السكاني بسبب زيادة تعداد السكان في الإمارات وجد سكان العديد من المناطق أنفسهم محاصرين بين صوت الكسارات التي لا تهدأ والغبار المتطاير من تلك الكسارات، الأمر الذي دعاهم لإطلاق صرخة مدوية للمسؤولين في مختلف إمارات الدولة مفادها: ارحمونا من الموت البطيء، فإما أن تنقلونا لمناطق بعيدة عن هذا الكابوس، أو أن تنقلوا الكسارات لمناطق بعيدة رأفة وشفقة بحقنا وحق أطفالنا في حياة هنيئة، حيث لا حول لهم ولا قوة على تحمّل ويلات هذه الكسارات.

وقد كشف تحقيق موسّع أجرته «البيان» أن عدد الكسارات في إمارة الفجيرة وحدها وصل إلى 72 كسارة، ناهيك عن أعداد الكسارات في الإمارات الأخرى، الأمر الذي ينذر بكارثة بيئية على المدى الطويل في حال بقاء هذه الكسارات في أماكنها وسط التجمعات السكانية. الأطباء من جانبهم أكدوا أن الغبار المتطاير من الكسارات وغيرها يعد سبباً رئيسياً لأمراض الجهاز التنفسي وعاملاً مهيجاً لدى مرضى الربو. «البيان» قامت بجولة على بعض المناطق التي تكثر فيها هذه الكسارات والتقت السكان هناك وخرجت بسلسلة من التحقيقات.

قال فيصل علي موسى أحد مسؤولي الكسارات بالفجيرة إن العمل داخل الكسارات محفوف بالمخاطر، فحوادث الكسارات أليمة وتؤدي إلى الموت في اغلب الأحيان، لأن المعدات التي يتعامل بها العمال ثقيلة، لذا فمن الممكن أن تؤدي أي هفوة مهما كانت صغيرة إلى الموت، وخاصة أثناء عملية التفجير، لأن أي إهمال أو خطأ في وضع (الديناميت) قد يؤدي إلى حدوث إصابات خطيرة ووفيات، مشيرا إلى ان الدولة تتخذ العديد من الإجراءات عند تفجير الديناميت بالجبال، حيث يتم توفير دورية شرطة ودفاع مدني وتتم عملية التفجير من خلال شركات اختصاصية ومهندسين محترفين حاصلين على شهادة من وزارة الداخلية، كما يتم إغلاق المنطقة وقت التفجير وإبعاد العاملين بالكسارة إلى مسافة آمنة.

وعن كمية الديناميت المستخدمة في التفجير قال موسى إن الكمية المسموح فيها هي 5 أو 6 أطنان، حيث يحفر بالجبال (80-90) حفرة على عمق 16 متراً ويتم التفجير عن بعد، مشيرا إلى ان الكسارة تعتبر من اخطر الأماكن التي يجب ان يأخذ العاملون بها وسائل وأساليب الأمان والاحتياطات كافة، وبخاصة في موضع الصيانة لأن العمال يكونون بهذا الوقت داخل الكسارة، ومن الممكن أثناء حدوث أي خطأ ولو كان بسيطا ان يؤدي إلى مجزرة، وهذا ما حصل في إحدى الكسارات مؤخرا، حيث تم تشغيلها أثناء الصيانة ما أدى إلى وفاة 4 كانوا فيها على الفور، لذا يجب فصل التيار الكهربائي عن الكسارة بالكامل أثناء الصيانة. ومن أساليب الاحتياط أيضا ينبغي لبس (الافرهول) وبدلة كاملة ونظارات وقفازات وغيرها من الأدوات التي تحمي العامل وتحافظ على حياته.

وقال (ن، ص) من إحدى الكسارات: إن هناك إهمالاً واضحاً من قبل بعض الكسارات في عدم الالتزام بوسائل الحماية والأمان ما يؤثر على العاملين فيها، فبعض الكسارات لا تلزم العاملين بها على ارتداء كمامات للحد من تأثير الغبار على الجهاز التنفسي، كما ان هناك بعض الإهمال من قبل العاملين ما يؤدي إلى حوادث خطيرة، أو أمراض مختلفة حيث يؤدي الغبار المنبعث من الكسارات إلى صعوبات وأمراض خطيرة على الجهاز التنفسي، فالإهمال وعدم الانتباه في الكسارات سيؤديان إلى موت محقق.

وأضاف: لا مجال أبداً للعب أو الإهمال في عملنا، واذكر في إحدى المرات ان قامت رافعة «شول» بوضع الحجارة بسيارة قلاب دون الانتباه إلى وجود عمال به ما أدى إلى مقتلهم جميعا.

وطالب البلدية والجهات المعنية إلزام أصحاب الكسارات بإجراءات السلامة والوقاية وبوضع مخالفات صارمة على الكسارة التي لا يمتثل العاملون فيها لمعايير السلامة والأمان للحد من الحوادث التي أصبحت تتكرر في هذه الكسارات.

أما ناصر الصايغ فقال: إن هناك العديد من إجراءات السلامة تتبعها الكسارات وتفرض من قبل الحكومة وأهمها التفجيرات، فهي لا تتم إلا بإشراف الشرطة والدفاع المدني، ومن خلال مهندس مصرح من وزارة الداخلية لإجراء التفجيرات. لذا فمن المستبعد ان تحدث الحوادث خلال عملية التفجير لكن اغلب الحوادث تتم خلال أعمال الصيانة والنقل نتيجة الإهمال وعدم الاكتراث.

ويقول المهندس أنور يونس نائب مدير مجموعة الوحدة للمشاريع برأس الخيمة والخبير الفني في مجال عمل شركات الكسارات: إن المواد المتفجرة المستخدمة في شركة الكسارات تحتوي على مادة كيماوية خطرة هي «امونيوم مايتريت» وخطورتها تكون قبل وبعد عملية التفجير مباشرة وهي ضارة وتؤثر على صحة وجسم الإنسان خاصة الرئتين، كما أن مادة «الديناميت» خطرة أيضاً، وهناك كبسولة «ديتونايتور» وهي دقيقة جداً ومعرضة للانفجار بمجرد سقوطها.

الهاتف المتحرك

وعن مدى توفر عنصر السلامة في آلية عمل شركات الكسارات أكد المهندس أنور توفر هذا الجانب في جميع الشركات ذات الصلة وفقاً لتعليمات صارمة ودقيقة تتم على معايير وأسس علمية مدروسة، حيث تشترط التعليمات الابتعاد عن هذه المواد المتفجرة لمسافة لا تقل عن 500 ـ 800 متر كما يُمنع استعمال الهاتف المتحرك نهائياً وذلك بسبب احتوائه على ذبذبات وترددات من شأنها التأثير على عملية التفجير الكهربائي «نون اليكتريك Nonel».

التأمين ضد الأخطار

أما نظام التأمين على العاملين في مجال التفجيرات داخل شركات الكسارات فيقول نائب مدير مجموعة الوحدة للمشاريع: إن نظام التأمين متوفر وساري المفعول وهو يشمل جميع العاملين بالشركة ضد جميع الأخطار ولا يقتصر فقط على الأخطار الناجمة عن التفجيرات وحدها.

ويتحدث المهندس أنور يونس عن الجانب الرقابي والأمني في عمل شركات الكسارات فقال: إن التواصل والتنسيق مستمران في هذا السياق مع رجال الشرطة والدفاع المدني قبل وأثناء أية عملية تفجيرية ونحن بدورنا نقوم بإخطارهم للإشراف على كل عملية من الناحية الأمنية، حيث يقومون بإخلاء المواقع جميعها تمهيداً لبدء عمليات التفجير.

رقابة أمنية دقيقة

وأضاف المهندس أنور ان الجهات الأمنية لا يقتصر دورها على الجانب الإشرافي فحسب، بل تقوم تلك الجهات بفرض رقابتها الدقيقة على تلك المواد والتأكد من مطابقتها للكميات والنوعيات المسموح بها، وفي حالة وجود بقايا إضافية من المواد المتفجرة لم تستخدم في العملية التفجيرية يتم التخلص منها مباشرة بالحرق، حفاظاً على أمن وسلامة الأفراد والممتلكات.

وأشار المهندس أنور يونس إلى أن عدد مرات التفجيرات في الأسبوع الواحد يختلف من شركة إلى أخرى في رأس الخيمة وإن كان متوسط عدد العمليات يتراوح بين عملية إلى عمليتين، وهناك تفجيرات يومية في بعض الشركات، وهذا يخضع لحجم ونشاط كل شركة.

المتفجرات والقانون

وحول الإجراءات التي تتخذها الكسارات أشار سالم الشعالي من مكتب الشعالي وشركائه للمحاماة والاستشارات القانونية إلى أن حيازة المتفجرات واستخدامها تخضع لتشريعات واضحة وتطبيق امني صارم حيث يعرف القانون المتفجرات في قانون الأسلحة النارية بأنها جميع المواد المتفجرة مهما كان نوعها وآلات تفجيرها والكبسولة والعتاد والتحاليل المتفجرة مثل (النيتروجلسرين).

أما نصوص القانون فقد جاء في المادة رقم (2 ) أنه لا يجوز لأي شخص طبيعي أو معنوي أن يقتني أو يحمل أو يتاجر أو يتصرف بأية صورة من الصور في أي سلاح ناري أو ذخائر أو مواد متفجرة إلا إذا كان حاصلا على ترخيص بذلك صادرا من سلطة الترخيص، وفي المادة رقم (4) تصدر تراخيص استيراد الأسلحة النارية والذخائر عن سلطة الترخيص بوزارة الدفاع، وفي المادة رقم (42) أنه على كل من يتاجر بالأسلحة النارية والذخائر والمتفجرات أن يتقدم بطلب إلى السلطة المعنية للترخيص له بممارسة مهنته وفقاً لأحكام القانون، ويلحق بطلبه خلال مدة أقصاها شهر كشفا وافيا يبين فيه ما لديه من أسلحة وذخائر ومتفجرات مع ذكر لأنواعها ومصادرها وأماكن حفظها.

وأضاف أن المادة رقم (43) أشارت إلى أنه يجب على جميع المؤسسات والهيئات الحكومية التي يتطلب عملها أو عمل من تتعاقد معهم لتنفيذ أعمالها أو حيازة المتفجرات أن تتقدم إلى سلطة الترخيص خلال مدة أقصاها شهر بكشف مفصل يتضمن بيان نوع وكمية ومصدر تلك المواد وأمكنة حفظها، وكذلك اسم الخبير المعتمد لصيانة وحفظ ما لديها أو لدى المتعاقدين معها أو صورة عن الوثائق الثبوتية التي تزكي خبرته في هذا المجال.

القضاء الاتحادي

وجاء في المادة (47) أن القضاء الاتحادي هو جهة الاختصاص في نظر جميع المخالفات المرتكبة ضد أحكام القانون وما يصدر بشأنه من لوائح وقرارات. وأشار الشعالي الى أن الرسوم المستحقة على تراخيص الأسلحة النارية والذخائر والمتفجرات هي خمسة دراهم عن رخصة الاقتناء، وخمسة دراهم عن رخصة الحمل، و2500 درهم عن رخصة الاتجار والاستيراد و2500 درهم عن رخصة تصدير و50 ألف درهم عن رخصة الصنع.

وحول التطبيق العملي أوضح الشعالي أن الشركة تتقدم باستمارة طلب ترخيص باقتناء وحيازة متفجرات لتنفيذ الأعمال لإدارة الشرطة المعنية بعد استيفاء البيانات وتحديد كمية المتفجرات تقوم إدارة الشرطة بالتدقيق واعتماد الموافقة وإرسالها للأمن الجنائي بالوزارة، الذي يقوم بدوره باعتمادها ويحدد كميات المتفجرات المصرح بحيازتها وشرائها من إحدى شركات الاتجار بالمتفجرات للتنفيذ، ولا يحق للشركة سحب أية كمية من المتفجرات إلا بعد استيفاء الرسوم عن كل كيلوجرام من المتفجرات.

شروط نقل المتفجرات

وأضاف أن إجراءات التصريح بشراء ونقل المواد المتفجرة تتم وفق شروط وحراسة مشددة، حيث يشترط في النقل أن تحتوي الشركات على مخازن ذات مواصفات أمن وسلامة خاصة، وكذلك بالنسبة لمهندس المتفجرات المعتمد لدى الشركة بحيث لا يتم تعيينه إلا بعد أن يجتاز اختبارات شفوية وتحريرية وعملية وأن يكون حاصلا على مؤهلات دراسية معينة للاعتماد من قبل الجهات الأمنية كخبير متفجرات، وفيما يخص سيارات النقل يجب أن تكون ذات مواصفات خاصة وأيضا كذلك بالنسبة للسائق، وعند خروج سيارات النقل الخاصة بشركة المتفجرات إلى موقع الكسارات تكون بحراسة أمنية مشددة من قبل الشرطة، ويتم التخاطر مع الجهات الأمنية لكل إمارة تمر خلالها شحنة المتفجرات لتولي الحراسة والتأكد من وصول الشحنة إلى مكانها الصحيح.

وأوضح أنه عند إجراءات التفجير يجب أن يتواجد مهندس المتفجرات المعتمد بحضور الدفاع المدني والشرطة للتأكد من إتمام عمليات التفجير ضمن شروط السلامة، وبعد الانتهاء من العملية يتم التأكد من استخدام الكمية الموجودة بأكملها وفي حالة وجود بقايا من المتفجرات يتم تجميعها والتخلص منها بتفجيرها في الوقت ذاته.

تحقيق: فراس العويسي ووليد الشحي وسامية الحمودي: