قبل سنوات عدة كان عدد الكسارات في الدولة ربما لا يزيد على 50 كسارة تقع معظمها في مناطق بعيدة عن المناطق المأهولة بالسكان، ولكن مع النهضة العمرانية التي تشهدها مختلف مناطق الدولة والزحف السكاني بسبب زيادة تعداد السكان في الإمارات وجد سكان العديد من المناطق أنفسهم محاصرين بين صوت الكسارات التي لا تهدأ والغبار المتطاير من تلك الكسارات، الأمر الذي دعاهم لإطلاق صرخة مدوية للمسؤولين في مختلف إمارات الدولة مفادها: ارحمونا من الموت البطيء، فإما أن تنقلونا لمناطق بعيدة عن هذا الكابوس، أو أن تنقلوا الكسارات لمناطق بعيدة رأفة وشفقة بحقنا وحق أطفالنا في حياة هنيئة، حيث لا حول لهم ولا قوة على تحمّل ويلات هذه الكسارات.
وقد كشف تحقيق موسّع أجرته «البيان» أن عدد الكسارات في إمارة الفجيرة وحدها وصل إلى 72 كسارة، ناهيك عن أعداد الكسارات في الإمارات الأخرى، الأمر الذي ينذر بكارثة بيئية على المدى الطويل في حال بقاء هذه الكسارات في أماكنها وسط التجمعات السكانية. الأطباء من جانبهم أكدوا أن الغبار المتطاير من الكسارات وغيرها يعد سبباً رئيسياً لأمراض الجهاز التنفسي وعاملاً مهيجاً لدى مرضى الربو. «البيان» قامت بجولة على بعض المناطق التي تكثر فيها هذه الكسارات والتقت السكان هناك وخرجت بسلسلة من التحقيقات.
أكد الأطباء أن غبار الكسارات يعتبر من أهم الأسباب التي تؤدي إلى انتشار الأمراض الصدرية في المناطق القريبة من الكسارات وخاصة أمراض الربو، فقد قال الدكتور محمد خليل من قسم الأطفال بمستشفى الفجيرة ان الغبار يعتبر احد أهم أسباب الالتهاب المزمن في القصبات الهوائية أو ما يعرف «بالربو» مشيرا إلى ازدياد حالات الإصابة بالربو في السنوات القليلة الماضية نتيجة ارتفاع التلوث لأسباب عدة أهمها التوسع العمراني في الإمارة والذي صاحبه ازدياد في معدلات التلوث نتيجة تشغيل المصانع والسيارات والميناء إضافة إلى انتشار الكسارات في مختلف أنحاء إمارة الفجيرة.
وأضاف أن الأطفال هم أكثر الفئات العمرية إصابة بالمرض وخاصة الذين لا تتجاوز أعمارهم ست سنوات وينتشر بصورة واسعة بين الفئة العمرية التي تتراوح بين 13 ـ 16 عاما، مشيرا إلى خطورة هذا المرض خصوصا إذا كان من النوع المزمن حيث من الممكن أن يؤدي إلى الموت ما لم يتم علاجه مباشرة بصورة سليمة.
وحول أهمية العلاج وطرقه قال د. خليل: هناك أدوية وقائية وعلاجية للربو ويتم وصف طريقة العلاج الصحيحة لكل مريض إذ يوجد ثلاث حالات من الإصابة فمنها الضعيف والمتوسط والقوي، حيث تحتاج بعض الحالات إلى بخاخ عادي يتوافر في معظم الصيدليات، وجهاز آخر يمكن أن توضع به أدوية «الكورتيزون» و«الفلتالين» والتي يتم وضعها بنظام معين وبمعايير دقيقة في جهاز علاج (الربو).
خطورة الأجهزة
وأشار إلى أن أجهزة علاج (الربو) التي يستخدمها بعض الأهالي في المناطق القريبة من الكسارات قد تشكل خطورة على أبنائهم، لأنهم يطمئنون لوجود الأجهزة في البيوت ويعتبرونها حلا مجديا للمرض فلا يقومون بنقل أبنائهم إلى المستشفى عند حدوث أزمة حادة، بينما قد لا تكون الأجهزة المستخدمة مجدية في بعض الحالات التي تستدعي النقل إلى اقرب مستشفى، وطالب بضرورة تركيب أجهزة خاصة في جميع مناطق الفجيرة وخاصة القريبة من الكسارات لقياس نسبة التلوث بحيث يتم اتخاذ إجراءات صارمة بحق الجهة المتسببة في ارتفاع معدلات التلوث البيئي.
الغبار مهيج
الدكتور ميرزا علي الصايغ اختصاصي الأمراض الصدرية نفى أن يكون الغبار هو المسبب الرئيسي لمرض الربو وقال انه لم يتم التعرف حتى الآن على أسباب مرض (الربو) غير أن هناك مهيجات للربو من أهمها الغبار وتلوث البيئة بالغازات المضرة كعوادم السيارات، وأوضح أن كثرة التعرض لها ترفع من نسبة تهيؤ الجسم لقبول الحساسية التي تثير الربو.
وأشار إلى أنه عبر السنوات الماضية كان المعتقد أن (الربو) نوع من أنواع الحساسية، ولكن العلم الحديث أظهر أنه نوع من الالتهاب المزمن الذي يصيب الجهاز التنفسي ويؤدي إلى إثارة الحساسية فيتقلص ويضيق مجرى التنفس والذي ينتج عنه الكحة والبلغم وخروج الدم وضيق التنفس وأزيز وثقل على الصدر.
ونصح الصايغ مرضى (الربو) الابتعاد عن الأماكن التي يكثر فيها الغبار المتطاير وعدم التعرض للزوابع الهوائية قدر الإمكان وعدم الخروج من المنزل في حال هبوب الرياح وإحكام إغلاق النوافذ والأبواب لمنع دخول الغبار وخاصة بالنسبة للأطفال الصغار.
أما الدكتور ناصر صلاح اختصاصي الأمراض الصدرية فيقول: (الربو) التهاب مزمن يصيب القصبات الهوائية في الرئتين حيث تلعب الالتهابات دوراً كبيراً، ويؤدي هذا الالتهاب إلى أعراض (الربو) التي تصاحب انسداد الممرات الهوائية والذي غالباً ما يكون مرتداً إما بشكل تلقائي، أو بواسطة العلاج، ويحدث ازدياداً في رد فعل القصبات الهوائية للعديد من المؤثرات.
أسباب الانتشار
وحول أسباب انتشار المرض يقول أسباب انتشار (الربو) وزيادة نسبة الإصابة به غير معروفة بالتحديد، ولكن هناك عوامل تساعد على انتشاره منها ازدياد نسبة البروتين المناعي (إي) عند بعض الأفراد أما الأسباب البيئية فإنها مهمة لتقرير ما إذا كان هذا الشخص سوف يتحول إلى مريض (ربو) أم لا؟ من هذه العوامل أيضاً تدخين الأم، التعرض لكم كبير من المحسسات، الإصابات الفيروسية في القصبات والتشعيبات الهوائية والتلوث البيئي وتغير أسلوب الحياة العصرية، كما أن تشخيص (الربو) صار أكثر دقة الآن.
ويشير الدكتور ناصر الصلاح إلى أن (الربو) يصيب الفئات العمرية كافة، فهو يصيب حديثي الولادة والرضع، وغالباً ما يتوافق مع حدوث الأكزيما في الوجه أو في أي مكان آخر في الجسم، والأطفال ما قبل دخول المدرسة وفي المرحلة الابتدائية في الدراسة والمراهقين عند حدوث التغيرات الهرمونية والبالغين ومتوسطي العمر (الحمل عند سيدات يساعد أحياناً في ظهور أعراض (الربو) عند من لديهن الاستعداد لذلك) وكبار السن، وهنا يجب التفريق بين (الربو) والتهاب القصبات الهوائية المزمن وانتفاخ الرئة، حيث أن أياً من هذه الأمراض قد يترافق مع (الربو).
المظاهر السريرية
وحول المظاهر السريرية للمرض يقول الدكتور ناصر الصلاح اختصاصي الأمراض الصدرية تظهر الأعراض إما تلقائياً أو بالتعرض لأحد المحسسات أو مخرشات الممرات التنفسية داخل المنزل (دخان، روائح بخور، زغب، شعر الحيوانات المنزلية وغيرها) أو خارج المنزل (الرطوبة الزائدة أو التلوث البيئي) كما تظهر الأعراض بعد ممارسة بعض أنواع الرياضة، في أحد فصول السنة، ذات العلاقة ببعض الوظائف المهنية، بحدوث التهابات فيروسية أو بكتيرية في الممرات التنفسية العليا أو بعض أنواع الأدوية، إضافة إلى الضغوط العصبية والانفعالات العاطفية، والأطعمة المضافة للون أو للطعم، تغييرات الطقس، العناصر الهرمونية في الحمل، والدورة الشهرية والوقت ليلاً أو ساعات الصباح الأولى.
حيث تحدث أعراض (الربو) بشدة، كلها عوامل تلعب دوراً في إثارة أعراض (الربو) التي تتضمن المظاهر السريرية التالية: صعوبة في التنفس قد يصل إلى حالة الإحساس بالاختناق في الحالات الحادة مع صفير مسموع في الصدر ناتج عن تضيق الممرات التنفسية، وسعال متقطع أو مستمر، وكثيراً ما يستيقظ مريض (الربو) أثناء النوم أو في ساعات الصباح الأولى على سعال شديد أو ضيق في التنفس وبلغم يكون غالباً أبيض إلا إذا حدث التهاب جرثومي يصيب القصبات الهوائية عندها يتغير اللون.
وحول طرق علاج (الربو) يقول الدكتور ناصر الصلاح « معرفة (الربو) وتقدير درجة شدة الإصابة به، والأدوية المعطاة للمريض وطريقة استعمالها، وإيصال الدواء إلى القصبات الهوائية للمريض حجر الزاوية في علاج (الربو).
ويقول: بان (الربو) قد يكون تحسسياً أو مصاباً بالزكام ألتحسسي أو الاكزيما الجلدية، وقد يكون (ربواً) وظيفياً، أو له علاقة بالجهد الرياضي، وقد يكون باستعمال بعض الأدوية أو يحدث ليلاً في الغالب «ارتجاع مريئي» فقد يكون له علاقة بالحمل أو موسمياً فقط ، ربما يكون (الربو) من النوع الخفيف أو المتوسط أو الشديد، كما أن هناك (ربواً) يصيب المريض بالأعراض مرة سنوياً، أو أكثر، كما أن هناك أنواعاً خطيرة من (الربو) وهي التي تهدد حياة المريض كما أن هناك (ربواً) يقاوم الفائدة الفورية التي تمنحها مركبات الكورتيزون في الحالات الحادة.
علاج (الربو)
الأدوية المخففة التي تسيطر على أعراض (الربو) توسع القصبات الهوائية وهي متوفرة بصورة حبوب أقراص، شراب، حقن، بخاخ إلى أو مستنشقات قرصية وهي آخر ما توصلت إليه الأبحاث لعلاج مرض (الربو) حيث أنها تحتوي على مواد ناعمة مثل البودرة وهذه يتم استنشاقها. والبخاخات هي الوسيلة المفضلة لدى الأطباء للتخفيف من أعراض (الربو) للأعمار كافة حيث تتوفر الوسائط لاستعمالها حتى للذين لا يتمكنون من استعمالها بصورة صحيحة أما المستنشقات القرصية فليست بحاجة إلى أكثر من شفط الهواء لداخل الرئة.
وهناك أدوية وقائية تمنع أو تقلل من حدوث التضييق في الممرات الهوائية بعد تعرضها للمؤثرات أو المخرشات وذلك بتقليل الالتهابات التي تحدث في الممرات الهوائية والتي تسبب أعراض (الربو). كما أنه يجب على المريض أن يتناول الأدوية الوقائية بانتظام حتى أذا كان المريض بحالة جيدة ولا يشكو من أية أعراض. والعلاج المناعي وذلك بإعطاء أدوية تمنع نشوء أو تطور تحسس الأنسجة أو بعض المضادات للبروتين المناعي أي للتقليل من إفراز بعض المواد الوسيطية في الخلايا المتحسسة في القصبات الهوائية والتي تسبب أعراض (الربو)، أو بإعطاء أدوية عملها إزاحة بعض أنواع الخلايا البيضاء التائية في الدورة الدموية والتي تنظم رد فعل القصبات الهوائية. والعلاج الجيني يكون بتحديد من هو المعرض لـ (ربو) بواسطة دراسة الجينات الوراثية والتعامل معها ولكن ذلك ما زال قيد البحث والدراسة.
قواعد أساسية
ـ تناول العلاج حسب ما يصفه الطبيب في مستحضرات قرصية أو بخاخات أو غير ذلك واستشر طبيبك فوراً إذا فشل العلاج في إراحتك أو إذا تغير لون البلغم احتفظ بالبخاخات في متناول يدك فلا أحد يعلم متى ستكون الحاجة ماسة لها. وتعرف على العوامل التي تثير الأزمات وحاول تجنبها وحافظ على المنزل نظيفاً من الغبار بقدر الإمكان مع ممارسة نوع مناسب من الرياضة ولا داعي للخوف من (الكورتيزون) أو مشتقاته حيث أنه أساسي في علاج الحالات الحادة في (الربو) للمرضى من الأعمار كافة مع ضرورة استيفاء جميع الاختبارات الصدرية والتحسسية واستعمال جهاز مراقبة قوة التنفس، حيث أنه يعطينا فكرة جيدة عن حالة (الربو).
ويؤكد الدكتور ناصر الصلاح بان مرضى (الربو) أصبح بإمكانهم أن يعيشوا حياة طبيعية وعادية ويمارسوا نشاطهم اليومي باستعمال الأدوية الحديثة بإشراف وعناية طبية فائقة حيث أن علاج (الربو) قد يكون أحياناً لفترة مؤقتة ولكنه في معظم الأحيان يمتد لفترات طويلة قد تستمر سنين، أو مدى الحياة. لذا فمن المهم جداً فهم طبيعة المرض وطرق علاجه بإشراف الطبيب الاختصاصي.
أما العوامل التي تثير نوبات (الربو) فهي الروائح العطرية القوية أو المواد الكيماوية النفاذة، وبر الحيوانات المنزلية، ممارسة الرياضة والإجهاد والانفعال، الدخان والغبار، الإصابة بالتهابات الجهاز التنفسي. والوقاية من العوامل المثيرة للربو تتلخص في المواظبة على أخذ العلاج الموصوف من قبل الطبيب، غسل وتنظيف فتحات المكيفات أسبوعيا، تنظيف السجاد باستمرار أو إزالته، واستخدام السيراميك بدلا منه، غسل أغطية السرير (الشراشف) بالماء الساخن أسبوعيا، التخلص من الحيوانات المنزلية والحشرات والصراصير وتجنب عادة حرق البخور أو تدخين السجائر في البيت.
إعداد: قسم الشؤون المحلية