قبل سنوات عدة كان عدد الكسارات في الدولة ربما لا يزيد على 50 كسارة تقع معظمها في مناطق بعيدة عن المناطق المأهولة بالسكان، ولكن مع النهضة العمرانية التي تشهدها مختلف مناطق الدولة والزحف السكاني بسبب زيادة تعداد السكان في الإمارات وجد سكان العديد من المناطق أنفسهم محاصرين بين صوت الكسارات التي لا تهدأ والغبار المتطاير من تلك الكسارات، الأمر الذي دعاهم لإطلاق صرخة مدوية للمسؤولين في مختلف إمارات الدولة مفادها: ارحمونا من الموت البطيء، فإما أن تنقلونا لمناطق بعيدة عن هذا الكابوس، أو أن تنقلوا الكسارات لمناطق بعيدة رأفة وشفقة بحقنا وحق أطفالنا في حياة هنيئة، حيث لا حول لهم ولا قوة على تحمّل ويلات هذه الكسارات.

وقد كشف تحقيق موسّع أجرته «البيان» أن عدد الكسارات في إمارة الفجيرة وحدها وصل إلى 72 كسارة، ناهيك عن أعداد الكسارات في الإمارات الأخرى، الأمر الذي ينذر بكارثة بيئية على المدى الطويل في حال بقاء هذه الكسارات في أماكنها وسط التجمعات السكانية. الأطباء من جانبهم أكدوا أن الغبار المتطاير من الكسارات وغيرها يعد سبباً رئيسياً لأمراض الجهاز التنفسي وعاملاً مهيجاً لدى مرضى الربو. «البيان» قامت بجولة على بعض المناطق التي تكثر فيها هذه الكسارات والتقت السكان هناك وخرجت بسلسلة من التحقيقات

تحقيق سليمان الماحي:

تشكل ظاهرة انبعاث الغبار الناجم عن نشاط الكسارات مصدر قلق حقيقي لأولئك الذين يسكنون على مقربة منها. ويعترف المهتمون بالشأن الصحي في رأس الخيمة بخطورة الوضع على حياة الناس خاصة في ضوء الازدياد الكبير في عدد الكسارات العاملة بالمنطقة.

وعلى الرغم من مشقة الوصول إلى الأرقام التي تتحدث عن موتى ومصابي غبار الكسارات إلا أن كل الدلائل تشير إلى أنه كان عاملاً مساعداً على نشر الأمراض وزيادة حالات الوفيات والأمراض. ووفقاً للإحصائية المتوفرة لدى منطقة رأس الخيمة الطبية فإن 3359 مريضاً دخلوا قسم الباطنية العام الماضي توفى منهم 98 شخصاً كان بينهم حالات لمصابين بالربو والأمراض الأخرى.

وزيارة واحدة إلى المناطق المجاورة للكسارات تكفي لمعرفة حجم المتاعب المزعجة العديدة التي يعاني منها الأهالي. فهم يكحون بلا انقطاع نتيجة الإصابة بالربو وأغنامهم نفقت ومزارعهم جفت وبيوتهم تصدعت بفعل دوي التفجيرات المستخدمة في تكسير الأحجار.

ويقول الأهالي في القرى الجبلية: غبار الكسارات يدمر كل شيء في حياتنا ومع ذلك لا نعرف كيف ننقذ أنفسنا منه. وشعبية «الرويضة» هي احدى المناطق السكنية التي شاء قدرها أن تجاور احدى الكسارات المثيرة للمتاعب ولذلك فإن ساكنيها يعانون الأمرين جراء نشاط الكسارات.

الربو والسعال

ويقول سعيد علي سعيد اليماحي، من مواطني شعبية «الرويضة» إن الغالبية العظمى من أهل المنطقة يشتكون من حساسية «الربو» وبسبب ذلك فإن الأهالي صاروا زواراً دائمين للمستشفيات في الفجيرة ورأس الخيمة بل إن بعضهم يتوجه إلى دبي وأبوظبي بحثاً عن العلاج الشافي من أسقام غبار الكسارات.

ويقول اليماحي: لنأخذ مثالاً على ذلك أسرتي التي يشتكي بعض أفرادها وأنا منهم من حساسية بالصدر تجعلنا نسعل اليوم كله والسبب في ذلك يرجع إلى الغبار المنتشر في كل مكان، ويعترف بعض الأهالي الذين تحدثنا إليهم في القرى المجاورة للكسارات بأن الأمراض الناجمة عن الغبار كانت القدر الذي أرسل العديد من الناس إلى المقابر في حين ترك الآخرين على فراش المرض، ومن المعلوم فإن العديد من الشركات العاملة في مجال تكسير الاحجار تنتشر بين الجبال ويؤدي نشاطها المثير للجدل لتلوث البيئة بالغبار على نطاق واسع.

ووفقا لما يقوله اليماحي فان الكسارات تمارس عملها ليلاً تفاديا للرقابة لكن السحابة البيضاء من الغبار التي تشاهد بوضوح في كل أرجاء المنطقة مع شروق الشمس تفضح ما تفعله الشركات ليلاً.

ومع حركة الهواء تنتقل سحابة الغبار إلى مسافات بعيدة وحين تمر بالقرى فإنها تستقر على السيارات، وتتسلل إلى داخل البيوت لتتحول إلى طين وأوساخ مزعجة على الأواني والملابس والكراسي والخزانات وأرضية الغرف.

الغبار يهدد حياتنا

ويقول سالم محمد سعيد من جيل الشباب: بصراحة غبار الكسارات يهدد حياتنا ويستنزف أموالنا فإلى جانب الأمراض فإنه يملأ بيوتنا بالتلوث، وهو الأمر الذي يضطرنا لانفاق مبالغ كبيرة لتنظيف الغبار من البيوت والسيارات.

ويقول سالم: إذا كان غيرنا من الأهالي في المناطق البعيدة عن الكسارات يقومون بغسل سياراتهم مرة واحدة في الأسبوع فإن أصحاب السيارات في مناطقنا يجبرهم غبار الكسارات على التردد على المغاسل خمس مرات في الأسبوع ان لم يكن أكثر من ذلك. أضف إلى ذلك فإن الأهالي يأتون بشركات النظافة أكثر من مرة أسبوعياً لإزالة الغبار عن بيوتهم لأن وجوده بكمية كبيرة داخل الغرف يجعل من المشقة بمكان على الأسر إزالته.

ويضيف سالم: من المؤكد فإن مواجهة أضرار غبار الكسارات بات مصدرا اضافيا يثقل كاهل الأسر بالمعاناة خاصة في وجود الظروف المعيشية المرهقة.

وكغيره من الناس فإن سالم يرى بأن إزالة الكسارات من مواقعها المجاورة للمناطق السكنية هو الحل الأمثل لمشكلة الغبار الناجم عنها.

دوي المتفجرات

وفي موقع جبلي يبعد أقل منه كيلومتر تقريباً من شعبية «الرويضة» تعمل إحدى الكسارات الضخمة والغبار المتصاعد منها يشق طريقه بهدوء إلى المنازل والسيارات. لكن أهل الشعبية أنفسهم يقولون: إن الغبار ليس هو الشيء الوحيد المثير للإزعاج بل دوي المتفجرات التي تستخدمها الكسارة يحطم نفوسهم ويشقق بيوتهم قبل أن يدمر الصخور. والملاحظ أنه عندما تبدأ الكسارة عمليات تكسير الأحجار فإن الأرض ومن عليها يرتعد ويرتجف.

ويقول حسن محمد خميس: إذا كان غبار الكسارات أصاب الأهالي بالأمراض القاتلة فإن دوي التفجيرات المزعج يخلف أضراراً فادحة بالبيوت التي تصدعت سقوفها وجدرانها بصورة واسعة وهو الأمر الذي جعل المساكن قاب قوسين أو أدنى من السقوط. لكن الأسوأ من ذلك أيضاً أن دوي التفجيرات الذي يهز الأرض، يهز قلوب البشر ويفقدهم توازنهم ومع مرور الوقت يتحول كل ذلك إلى قلق نفسي تترتب عليه أضرار صحية مؤلمة وعواقب صحية وسيئة وخيمة.

الأطفال يدفعون الثمن

ويؤكد حسن أن الأطفال هم الذين يدفعون الثمن الباهظ لعمل الكسارات في أماكن قريبة من بيوت أسرهم حيث أن الغبار يحرمهم التنفس بهدوء كأندادهم في المناطق الأخرى. فضلاً عن أن دوي التفجيرات يرعبهم ويحرمهم النوم ومن المحتمل أن يجعل منهم أشخاصاً مهزوزي الشخصية مستقبلاً. ويذكر حسن أن المرافق الصحية العلاجية هي شاهد عليان على حجم المتاعب التي يرزح تحت وطأتها أطفال القرى القريبة من الكسارات الذين ربما بعضهم توفي بسبب الغبار والتفجيرات.

وبالنسبة للمواطن سعيد محمد عبدالله البالغ من العمر (80 عاماً) فإنه يرى ان البيئة لحقت بها أضرار مؤلمة جراء نشاط الكسارات. ويقول سعيد وهو يتوكأ على عكازه: قبل أن تأتي الكسارات إلى ديرتنا كانت الأشجار الخضراء تغطي المنطقة بأسرها، كما كانت تنتشر فيها المزارع المثمرة والأغنام الحلوب لكن نتيجة لغبار التفجيرات اختفت مظاهر الطبيعة الخلابة حيث جفت الأشجار ونفقت الأغنام وبقيت زرائبها خالية وأصابت الأمراض أهل الديرة.

ويضيف سعيد: استطيع التأكيد بأن مرض الحساسية الذي يجعلني أسعل وقتاً طويلاً حتى تكاد روحي تفارق جسدي هو من نتائج غبار الكسارات، أضف إلى ذلك فإن البيت الذي اقضي فيه ما تبقى لي من العمر تشقق بالكامل جراء اهتزاز الأرض من التفجيرات وقيل لي أنه غير صالح للسكن.

وباء قاتل

ومن جانبه يرى حمد سعيد علي بأن غبار الكسارات هو وباء قاتل لكل من يستنشقه لأنه يدمر الأجسام بالأمراض حتى يؤدي للموت. ويقول: في غياب الرقابة الصارمة فإن الغبار يملأ كل المناطق الجبلية لذلك أصاب المرض العديد من الناس بل إن بعضهم راح ضحية له. وتحسباً لأمراض الغبار فإن شباب القرى المجاورة للكسارات يحجمون عن اللعب في الهواء الطلق. ووفقاً لحمد فإن بقاء الناس خارج بيوتهم أو سياراتهم يعني الكارثة ولذلك فهم يحافظون على سلامة صحتهم بعدم الجلوس أو اللعب في الهواء الطلق.

وتشتكي سليمة محمد خلف وهي عجوز في الثمانين من العمر من حساسية بالصدر، وتقول: عندما حملني الأهل الى الدكتور قال لي: إن حالتي سببها غبار الكسارات.

وفي كل مرة تتوجه فيها الجدة سليمة إلى المركز الصحي يهرع إليها الفريق الطبي ويضع الأوكسجين على فمها. ومن المعروف ان مرض الربو يمكن ان يؤدي الى الوفاة خاصة اذا لم يحظ المصاب بعملية إنقاذ عاجلة.

وبحسب رأي الدكتور ياسر عيسى النعيمي فإن «الربو» يصيب الرئتين. حيث تضيق مجاري الهواء فيصعب على الشخص المصاب به التنفس. ويقول النعيمي: نظراً لأن مجاري التنفس للأشخاص المصابين بالربو شديدة الحساسية فإنه عند اثارتها بما يطلق عليها المهيجات وهي أجسام غريبة على الجسم تلتهب وتنتفخ ويصاحب ذلك افرازات مخاطية.

ويضيف النعيمي: ليس بالضرورة أن يكون الغبار هو الشيء الوحيد المسبب للربو بل المهيجات كثيرة ويتوقف ذلك على مدى استجابة الشخص لها. وإذا ما حدثت استجابة لأحد المهيجات فإن أعراض «الربو» تبدأ بالظهور على شكل سعال وصعوبة في التنفس وانقباض في الصدر وإفرازات مخاطية واتساع بالأنف. ومع انتشار ظاهرة «الربو» التي يوجه فيها الاتهام لغبار الكسارات فقد وفرت المنطقة الطبية أجهزة لتوسيع الشعب الهوائية في كل المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الأولية.

وتعتقد الجهات الصحية ان ما لا يقل عن عشرين شخصاً يترددون على المستشفيات والمراكز الصحية يومياً كحالات تشتكي من «الربو». وبالرغم من أنه لا يسمح بالاطلاع على الأرقام الخاصة بمن توفاهم الله بسبب الإصابة بالربو، إلا أنه ما من شك في أن بعض المرضى فارقوا الحياة جراء ذلك.

وفي الندوة الأخيرة لجأت هيئة حماية البيئة إلى إجراءات احترازية مهمة تتضمن إلزام الكسارات وعددها في رأس الخيمة عشر كسرات بتغطية مواقعها لمنع تصاعد الغبار ورش الأرض بالمياه وزراعة الأشجار. ونظراً لأن تلك الإجراءات لم تكن كافية لدرء الغبار عن القرى المجاورة، فإن حكومة رأس الخيمة وجهت بحظر التصديق بإنشاء كسارات جديدة في المواقع التي تجاور المساكن.

ومن جانبه، يعترف الدكتور محمد أمين مدير إدارة الرعاية الصحية الأولية بأن الغبار المتصاعد من مواقع الكسَّارات هو أحد الأسباب العديدة المثيرة للربو. ويقول أمين: بالتأكيد فإن نوبة الربو الشديدة يمكن أن تؤدي إلى الوفاة إذا لم يتم إسعاف المصاب بها في الوقت المناسب. وبحسب مدير إدارة الرعاية الصحية الأولية فإن العالم كله يعاني من حالات وفاة سببها الربو ومثال على ذلك أن بريطانيا تشهد سنوياً أكثر من ألفي حالة وفاة.