فهد طالب المزروعي (21 عاماً) من أبناء «أذن» إحدى القرى الجبلية في إمارة رأس الخيمة. وقبل شهر من الآن تقريباً كان اسمه مدرجاً مع عشرات الشباب العاطلين عن العمل المسجلين في مكتب هيئة توظيف الموارد البشرية الوطنية في رأس الخيمة.

يقول فهد، الذي انضم أخيراً لشركة مقاولات بفضل جهود «تنمية»: خرجت من دائرة «البطالة» وصرت أحد المواطنين العاملين، وحالياً أفكر في الطموحات الشخصية المستقبلية كأن أكون مقاولاً.

وقبل أن يظفر مكتب «تنمية» بفرصة العمل التي أراحته من متاعب البطالة، طرق فهد كل الأبواب التي خطر له أن وراءها فرصة عمل، وتحدث إلى الكثيرين طالباً مساعدتهم، لكن كل تلك المحاولات باءت بالفشل. وعندما عثرت «تنمية» على ثلاث فرص عمل في إحدى شركات المقاولات كمشرف عمّال عرضتها على فهد واثنين من زملائه فأبدوا استعداداً لشغلها. وبعكس زميليه اللذين يسكنان قريباً من مقر الشركة، فإن فهد تفصله عنها مسافة بعيدة تزيد على مئة كيلومتر ذهاباً وإياباً.

وهو يقول: «نظراً لأن وظيفتي هي مشرف عمّال، فإنني مضطر لمغادرة ديرتي قبل شروق الشمس لكي أتمكن من الوصول إلى موقع العمل قبل السابعة صباحاً، أي أنني في اللحظة التي أركب فيها السيارة متوجهاً إلى رأس الخيمة يكون زميلاي لا يزالان على فراش النوم».

ومن اللافت أن طول المسافة التي ينبغي على فهد قطعها جيئة وذهاباً يومياً ليس هو المشكلة فحسب، بل إنه يعاني من وطأة الظروف المادية المزعجة. ونظراً لأنه أكبر أبناء الأسرة، فقد ترك الدراسة بالمرحلة الإعدادية واهتم بالبحث عن العمل ليساعد والده المتزوج من امرأة ثانية على إعالة الأسرتين. ومع أن فهد لديه رخصة سوق لكن ليس بمقدوره شراء سيارة، وحالياً يعتمد على زملائه ليساعدوه في الوصول إلى عمله.

ويقول فهد: في حقيقة الأمر إن المواصلات لا تعني بالنسبة لي مشكلة، فـ «الربع» أطال الله أعمارهم لم يقصّروا أبداً، فهم يجودون علي بسياراتهم ولا أخفي عليكم سراً بأنهم، أي الشباب يتناوبون طواعية لحل مشكلة توصيلي إلى مقر عملي وذلك بأن يتنازل أحدهم عن سيارته لي بعدما يزوِّدها بالوقود. وفي بعض الأحيان أفاجأ بأكثر من سيارة تقف في انتظاري.

وإذا كان شباب أذن ضربوا مثلاً رائعاً وربما غير مسبوق بوقوفهم بصلابة الجبال التي يجاورونها لحل مشكلة زميلهم فهد، فإن الطريق بين أذن ورأس الخيمة والمزدحم بالشاحنات يبقى مشكلة بلا حل.

وبحسب فهد، فإن الشاحنات الثقيلة تثير الرعب في نفوس سائقي وراكبي السيارات الصغيرة «الصالون». وهو يقول: صحيح إن الطريق شهد في الفترة الأخيرة تنفيذ مشاريع إصلاحات وأعمال صيانة واسعة جعلته في أحسن صورة، لكن الشاحنات الثقيلة المحمَّلة بالصخور و«الكنكريت» والاسمنت وغير ذلك بدَّدت الطمأنينة، فأصحاب السيارات الصالون يتملّكهم إحساس بالرعب من أن تدهسهم شاحنة أو تسقط عليهم الأحجار.

وفهد هو أحد سائقي «الصالون» المرعوبين بالسير جنباً إلى جنب مع الشاحنات الثقيلة لكنه مع ذلك مصمّم على المضي إلى عمله الجديد. ويقول: بالطبع لست بمنأى عن متاعب الشاحنات والشارع، لكنني أرفض الاستسلام وأقول في نفسي ينبغي ألا أسمح لمثل هذه المتاعب أن تهزم شعوري بفرحة العمل وتتسبب في إرجاعي إلى مربع البطالة الأول.

وفي واقع الأمر، فإن فرحة فهد العارمة بوظيفته يجسِّدها حرصه الدائم على الوصول مبكراً إلى موقع عمله في شركة المقاولات، حيث يشرف على مجموعة من العمال ينفذون مشروع بناية تحت الإنشاء.

وفور وصوله إلى موقع العمل ينزع فهد العقال والغترة ويتركهما في السيارة ليضع فوق رأسه طاقية واقية من الشمس والغبار ثم يقوم بجولة تفقدية داخل موقع البناء.

ويقول فهد: المهمة الأولى التي أبدأ بها نشاطي هي التأكد من أن جميع العمال التحقوا بمواقع أعمالهم وباشروا عملياً في تنفيذ المهام الموكلة إليهم. وخلال ساعات الدوام الرسمي التي تمتد حتى السادسة مساء يتحرك فهد في كل اتجاه فهو يوفر مواد البناء ويزيل المخلفات ويطمئن على تطبيق إجراءات الوقاية والسلامة، وقبل مغادرته موقع العمل يحرص فهد على وضع المعدات في مكان آمن إلى جانب توفير متطلبات اليوم التالي من المواد والعمالة. وأثناء رحلة العودة إلى أذن يفكِّر فهد في شيء واحد وهو إعادة السيارة إلى صاحبها سليمة.

رأس الخيمة ـ سليمان الماحي: