ليس هناك أدنى شك في ان النظام التربوي التعليمي في الإسلام هو منهج فكر وأسلوب حياة، ونظام تنشئة ورعاية لشريعة هذا الدين ورؤيته لعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان وعلاقته بخالقه وبالكون والحياة.

انه نهج رباني متكامل في بناء إنسان يعيش في سلام مع النفس ومع أفراد المجتمع بالبذل والمحبة والتعاون والشورى، انها تربية تقوم على الإيمان وتنشئة الطفل على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، كما انها تربي المسلم على الإيمان بأن الله خلقه وسخر له الكون. منهج تربوي على امتداد رحلة الحياة و«كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه او ينصرانه أو يمجسانه».

ان التربية الإسلامية تقوم على التكامل فهي تسعى لتنشئة الفرد من جميع نواحيه: الروحية والعقلية والجسمية والإنسانية دون تمييز ، انها تربية علمية تطبيقية تقوم على الممارسة، فالتربية الإسلامية تعد الفرد لعمارة الحياة حتى اللحظة الأخيرة وتربيته على العمل وإتقانه وجودته.

وحين نلاحظ العبادات المختلفة في الإسلام نجد فيها عنصر الشمول لجوانب الحياة المتنوعة، فلم تختص العبادات بأشكال معينة من الشعائر، ولم تقتصر على الأعمال التي تجسد مظاهر التعظيم لله سبحانه وتعالى فقط، كالركوع والسجود والذكر والدعاء، بل امتدت إلى كل قطاعات النشاط الإنساني، فالجهاد عبادة وهو نشاط اجتماعي، والزكاة عبادة وهي نشاط اجتماعي مالي، والصيام عبادة وهو نظام غذائي، والوضوء والغسل عبادتان وهما لونان من تنظيف الجسد.

وهذا الشمول في العبادة يعبر عن اتجاه عام في التربية الإسلامية يستهدف ان يربط الإنسان في كل أعماله ونشاطاته بالله تعالى، ويحول كل ما يقوم به من جهد صالح إلى عبادة مهما كان حقله ونوعه، ومن أجل إيجاد الأساس الثابت لهذا الاتجاه وزعت العبادات الثابتة على الحقول المختلفة للنشاط الإنساني، تمهيداً إلى تمرين الإنسان على ان يسبغ روح العبادة على كل نشاطاته الصالحة، وروح المسجد على مكان عمله في المزرعة أو المصنع أو المتجر أو المكتب، مادام يعمل عملاً صالحاً من أجل الله سبحانه وتعالى.

وفي ذلك تختلف الشريعة الإسلامية عن اتجاهين دينيّين آخرين، وهما أولاً: الاتجاه إلى الفصل بين العبادة والحياة، وثانياً: الاتجاه إلى حصر الحياة في إطار ضيق من العبادة كما يفعل المترهبون والمتصوفون.

ومن هنا جاءت الشريعة ووزعت العبادات على مختلف حقول الحياة، وحثت على الممارسة العبادية في كل تصرف صالح، وأفهمت الإنسان بأن الفارق بين المسجد الذي هو بيت الله وبين بيت الإنسان ليس بنوعية البناء أو الشعار، وإنما استحق المسجد أن يكون بيت الله لأنه الساحة التي يمارس عليها الإنسان عملاً يتجاوز فيه ذاته ويقصد به هدفاً أكبر من منطق المنافع المادية المحدودة، وان هذه الساحة ينبغي ان تمتد وتشمل كل مسرح الحياة. وكل ساحة يعمل عليها الإنسان عملاً يتجاوز فيه ذاته ويقصد به ربه والناس أجمعين فهي تحمل روح المسجد.

والشريعة الإسلامية تريد العبادات من أجل الحياة، فلا يمكن ان تصادر الحياة من أجل العبادات. وهي في الوقت نفسه تحرص على ان يكسب الإنسان الصالح روح العبادة في كل تصرفاته ونشاطاته، ولكن لا بمعنى ان يكف عن النشاطات المتعددة في الحياة ويحصر نفسه بين جدران المعبد: بل بمعنى ان يحول تلك النشاطات إلى عبادات، فالمسجد منطلق للإنسان الصالح في سلوكه اليومي، وليس محدداً لهذا السلوك، وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم) لأبي ذر: «إن استطعت أن لا تأكل ولا تشرب إلاّ لله فافعل».

وهكذا تكون العبادة من أجل الحياة، ويقدر نجاحها التربوي والديني بمدى امتدادها مضموناً وروحاً إلى شتى مجالات الحياة.

أحمد عبد المجيد