الشريعة الإسلامية من أفضل الشرائع التي احترمت مكانة المرأة وكرمتها، وعلى الرغم من كوننا نعيش في مجتمعات إسلامية، ونعرف جيداً وضع المرأة المتميز في الإسلام إلا ان معلوماتنا عند معالجة الإسلام للقضايا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ومن بينها قضايا المرأة خاصة معلومات محدودة وقاصرة فهذه المحدودية سبب في تدهور أوضاعنا بصفة عامة، ووضع المرأة بصفة خاصة، ولذلك عجزنا عن إدارة حوار ديني وحضاري ناجح مع الآخر، لذا فعلينا أن نعرف ديننا ونتحاور فيما بيننا، وأن نجتمع إلى كلمة سواء وأنه يكون اتفاقنا وتوافقنا العام خطوة لحوار مستمر مع الآخر، فلا نُغلق على أنفسنا ونعيش في ثقافة القرون السابقة، ولا نرتمي في أحضان هيمنة الثقافات الوافدة بصرف النظر، عما إذا كانت ضارة أو نافعة.

من هذا المنطلق نظمت رابطة الجامعات الإسلامية بالمشاركة مع كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بجامعة الأزهر ومنظمة الايسيسكو وجمعية الدعوة الإسلامية العاملية بليبيا المؤتمر الدولي الأول حول «قضايا المرأة المسلمة بين إحالة التشريع وبريق الثقافة الوافدة»، والتي أقيمت بالمركز الاقتصادي بجامعة الأزهر بمشاركة 90 عالماً ومفكراً يمثلون مختلف البلدان العربية والإسلامية والمنظمات والهيئات والمؤسسات الإسلامية المحلية والإقليمية والعالمية برعاية شيخ الأزهر د. محمد سيد طنطاوي، وترأس المؤتمر د.أحمد محمد الطيب ـ رئيس جامعة الأزهر.

وقد أكدت د. سعاد إبراهيم صالح عميدة كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بجامعة الأزهر ومقرر عام المؤتمر أن الإسلام قد كرم المرأة أبلغ تكريم ووضعها في أعلى المراتب وأجلها وقرر لها حقوقاً لم تكن مسبوقة بأي حال حين نزول الوحي على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، واحتاجت البشرية إلى قرون من الصراع والكفاح حتى تقرر المرأة بعض هذه الحقوق، والنبي محمد صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء، والمرسلين والقرآن الكريم هو خاتم رسالات السماء إلى الأرض، ومن ثم كان طبيعياً أن تقوم هذه الرسالة كل معوج، وتصحح كل خلل في حياة البشر وتكمل كل ما نقص، ومن ثم فإن ما ينسب إلى أوضاع المرأة في المجتمعات الإسلامية من تخلف لا يرجع إلى الإسلام ولكن يرجع إلى الموروث الثقافي الذكوري من ناحية، وإلى التخلف العام لأوضاع المجتمعات الإسلامية بصفة عامة من ناحية أخرى، لذلك فإن النهوض بأوضاع المرأة في هذه المجتمعات لا يأتي من خلال الصراع بين المرأة والرجل بل من خلال إصلاح أوضاع هذه المجتمعات بصفة عامة رجالاً ونساء، ولا شك أن قضايا المرأة المسلمة متعددة ومتشابكة وتعلن من اختلاط، بل وخلط مقصود للمفاهيم، وحل هذه القضايا حلاً صحيحاً يتطلب تحرير هذه المفاهيم من الجمود الذي يدعو إليه فريق من المتعاملين مع قضايا المرأة وحفظها في الوقت ذاته من الانفلات الذي يمكن أن تقود إليه الثقافات والأفكار الوافدة التي لا تستند إلى أسس دينية أو منظومات أخلاقية.

وتضيف د. سعاد: ان قضية المرأة تتجاذب في المجتمع الإسلامي المعاصر لثلاثة تيارات لكل منها منطلقاته الفكرية.

فالتيار الأول: التيار المحافظ الذي يرى أسفاره أن المرأة إنما خلقت لإنجاب وتربية الأبناء والقيام على خدمة الرجل وتلبيه احتياجاته، وهو تيار مجاف للواقع، ويؤدى الركون إليه إلى تجميد الحراك الاجتماعي مفضلاً عن مجافاته لما قرره الإسلام من إنصاف المرأة وإعلاء لشأنها.

أما التيار الثاني: فهو التيار التحرري الذي يدعو لحرية مطلقة للمرأة ومساواة كاملة لها مع الرجل دون مراعاة الفروق الخلقية بينما التي تؤثر في وظائفها الحيوية، وبالتالي في توزيع الأدوار بينهما في المجتمع ونشأ تعبير النوع الاجتماعي ليتحول إلى فلسفة جديدة تتحكم في علاقة المرأة بالرجل، وقد انتقل هذا التعبير من المجتمعات الغربية إلى المجمعات الإسلامية وصار يهدد بناء الأسرة المسلمة.

أما التيار الثالث: فهو التيار الوسطي المعتدل الذي يرفض الجمود الذي يؤدي للتخلف،كما يرفض الحرية المتفلسفة التي تضيع معها المبادئ، والقيم ويتهدد بها كيان المجتمع، وتضيف د. سعاد: أن حل قضايا المرأة المسلمة لن يكون إلا من خلال هذا المنهج الوسطي أن المبدأ الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، ولا ضرر فيه ولا ضرار، ومن هنا كانت فكرة هذا المؤتمر الدولي الأول، فإن المقابلة بين التشريع الإسلامي والثقافة الوافدة وفقاً لمنهج البحث العلمي إنما تهدف إلى تنقية المفاهيم وبيان حقائق الإسلام والوصول إلى نقاط الاتفاق ومواضع الاختلاف بين الثقافات.

أما د. جعفر عبد السلام ـ أمين عام رابطة الجامعات الإسلامية، وأمين عام المؤتمر ورئيس قسم القانون الدولي بجامعة الأزهر ـ فيقول: لقد سبق لرابطة الجامعات الإسلامية، والتي تهتم دائماً بمشكلات الأمة، وتعمل على التصدي لكل التحديات التي تواجهها، فقد عقدت عدة ندوات ومؤتمرات تتصل بالأسرة عقد بعضها في مقر جامعة الأزهر، وعقد البعض الآخر في الأردن في جامعة آل البيت، وهي اليوم تتعاون مع كلية الدراسات الإسلامية بنات جامعة الأزهر في تعظيم هذا المؤتمر الذي يغوص في مشكلات المرأة المسلمة التي تعيش هذا العصر، وتتجاذبها تيارات إلى اليمين وإلى اليسار جعلت إيمان البعض يتزعزع في تقدير قيمة ما أنزل من السماء لحكم العلاقات الإنسانية، وبيان العلاقة السوية التي يجب أن تقوم بين الرجل والمرأة، لذلك تتلخص أهداف المؤتمر في إبراز الجوانب العقيدية والتشريعية المؤسسة لوضع المرأة في المجتمع انطلاقاً من الأصل المشترك لهما انطلاقاً من قوله تعالى: «ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير» بجانب عرض التطبيقات العلمية الخاصة بوضع المرأة في العبادات والمعاملات الاجتماعية والاقتصادية في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وأيضاً مناقشة القضايا المُستجدة المتعلقة بالمشاركة العامة للمرأة، مثل القضاء والإفتاء والممارسة السياسية من المنظور الإسلامي، ومناقشة المستجدات العلمية الخاصة بالمرأة وخاصة في المجال الطبي والرد على الشبهات المثارة حول مكانة المرأة في المجتمع الإسلامي، مثل الطلاق ـ تعدد الزوجات ـ ميراث المرأة وشهادة المرأة، ومن الأهداف الأساسية للمؤتمر فتح حوار ثقافي مستنير بين الرأي، والرأي الآخر حول مختلف هذه القضايا تحت مظلة الإسلام.

ويؤكد د. جعفر: ان قضايا المرأة من القضايا المهمة في الوقت الحاضر وبريق الثقافة الوافدة يهيمن عليها بشكل أو بآخر، فنحن نذكر مؤتمر السكان الذي عُقد في القاهرة عام 1994، والذي عقد مرة ثانية في بكين بعد ذلك بعام واحد بعد أن فشل المؤتمر الأول في القاهرة لعرض وثيقة الأمم المتحدة للسكان التي تحدد ما يراد بالمرأة المسلمة في ظل التغيرات المعاصرة، وهى قضايا تصدى لها الأزهر الشريف في حينها وأصدر بشأنها وثيقة مغايرة، فالحرية الجنسية لا يمكن أن تسود في مجتمع مسلم بل ان الإسلام يحرم هذه الحرية بغير زواج، فلا سماح بعلاقة في هذا الميدان إلا بالزواج الذي يقوم على الرضى الحر لطرفي هذه العلاقة المقدسة، كما أن قيام واستمرار الأسرة المسلمة هو قوام المجتمع المسلم، ولا تفريط في هذا الأمر الذي هو أحد أعمدة الدين الإسلامي، والمجتمعات المسلمة في كل مكان، فلا شك أن من موبقات الثقافة الوافدة علينا ذلك الصراع بين الرجل والمرأة على التقدم والصدارة في كل شؤون الحياة، والذي أفسد الحياة الزوجية، ومناخ العمل والإنتاج والحياة، وهي عامل لم يكن في حياتنا ولا لزوم له - إن الإسلام يقيم صرح المجتمع على التوازن، ويجعل الحياة عربة يسيرها الرجل والمرأة معاً في تكامل وتقاسم لأعباء الحياة والعمل من دون تنافر أو صراعات وهو ما نأمل لتحقيقه.

أما د. محمد سيد طنطاوي ـ شيخ الأزهر الشريف ـ فقد أكد على أهمية فكرة هذا المؤتمر، حيث إن قضية وضع المرأة في الإسلام قضية محورية في الأعمال العلمية التي تتولاها مشيخة الأزهر باعتبار أن مركز المرأة في التشريع الإسلامي مسألة تهم المسلمين بشكل عام، وتدخل في أبواب عديدة من أبواب الفقه الإسلامي، وفقه المرأة المسلمة والقروض والمعاملات، لهذا لابد من صياغة لأفكار تُسهم فيها أكثر من منظمة إسلامية كلها تهتم بعلوم الإسلام، والمشكلات التي تتصل بالحياة المعاصرة، وإذا كان أعداء الإسلام يريدون تشويه صورة المرأة في الإسلام تشويه متعمد، لذلك كان علينا أن نوضح للغرب الصورة المضيئة للمرأة المسلمة، فقد خلق الله سبحانه وتعالى حواء وآدم، وهذا الخلق يرجع إليه جميع الخلائق، وتبنى عليه جميع العلاقات الاجتماعية بين الإنسان وأخيه والتقوى وأحبة والمسؤولية عند الحياة الاجتماعية وحسن سيرها بين الرجل والمرأة أساسية في شرعنا الإسلامي، ولقد عبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم عند ذلك بعبارة واضحة عندما قال: «النساء شقائق الرجال»، وحدد القرآن الكريم الحقوق المتبادلة بين الرجل والمرأة في قوله تعالى: «ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة»، وتمضي بنا سورة النساء في وضع أسس قيام الأسرة على التقوى والإيمان وتفصل بين الحلال والحرام بشكل واضح وجلي، فيما يتصل بعلاقات الأسرة، والحقوق المتبادلة بين الزوجين بشكل عام.

ويضيف د. طنطاوي: لقد سوت الشريعة الإسلامية بين الرجل والمرأة في طلب العلم فطلب العلم، فريضة على كل مسلم سواء كان ذكراً أو أنثى، بل ان الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعلم الرجال أمور دينهم، ويجتمع بهم، وكان يجتمع بالنساء أيضاً يناقشهم في أمور دينهم، ويجيب عن أسئلتهم دون تحرج وأقوى دليل أن معظم الأحاديث الشريفة الصحيحة روتها السيدة عائشة رضي الله عنها، ولقد ساوى الإسلام بين الرجل والمرأة في العمل الشريف، فنرى المرأة مديرة وسفيرة بل وقاضية في مصر والدول العربية ولا يتعارض ذلك مع الشريعة الإسلامية، وقد ساوى الله تعالى بين الرجل والمرأة في الكرامة الإنسانية فكرامة المرأة من كرامة الرجل، وكرامة الرجل من كرامة المرأة، ولكن حكمة الله اقتضت لمصلحة الكون أن يجعل للرجال خصائص، وللنساء خصائص أخرى، ولقد دعمت التعاون بين خصائص الرجل والمرأة لأعمار الكون، لأن هذا الكون لا يمكن أن يستمر بالرجال فقط أو النساء فقط ولو وجد الذكور في هذا الكون لمدة 50 سنة بمفردهم سوف ينقرض النوع البشري والعكس صحيح.

أما د. علي الزيادي عميد كلية الدعوة الإسلامية بليبيا فقد أكد على أن العلاقة داخل الأسرة المسلمة تقوم على التوازن وعلى أساس القاعدة التي سوت في مجتمع الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة، حيث خاطب الله سبحانه وتعالى المجتمعات الإسلامية، بهذا الشأن في قوله تعالى: «ولهذا مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة» وهذه الدرجة هي القوامة، والتي عبرت عنها إحدى آيات القرآن الكريم في سورة النساء «الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم». والمساواة بين الرجل والمرأة فيه ليست حسابيه، فنحن نؤمن بأن النساء مثل الرجال في الحقوق وعليهن، مثل الذي عليهم من الواجبات، ولكن طبيعة كل جنس تجعله يجيد أموراً أكثر من الآخر، فلا شك أن تكوين أسرة سعيدة مستقرة بتربية جيدة للأبناء هي مهمة المرأة، وهي أقدر على أدائها من الرجل، ومما لاشك فيه أن قدرة الرجل على أداء الولايات العامة أكثر من المرأة، لذا لا يجب أن يبتعد كل نوع عما ميزه به الله سبحانه وتعالى على الآخر، ويتطلع إلى اتخاده غاية كبرى يجب أن يحققها، فالمرأة تصلح لأمور كثيرة لا يصلح لها الرجل، ولكن في بيتها أساساً، وليست التربية على التقوى وحسن الخلق من الأمور الهينة والمرأة أقدر عليها من الرجل في كل حال

القاهرة ـ فاطمة الزهراء كامل: