عاش سالم حياة البحر وهو في العاشرة من عمره وتوفي في الثمانين وهو يعيد الأسماك الصغيرة إلى المياه. «أم الحنايا يدفوها على السيف كلهم اصبيان تجر المجاديف يا رايحين الغوص باسير وياكم لاقعد على الفنة واسمع حكاياكم يا نوخذاهم لا تصلب عليهم ترى البحر بارد غصب عليهم ترى حبال الغوص قطع أيديهم».

بلغ الشيبة سالم الثمانين من العمر بالتمام والكمال، ومع ذلك نراه مصراً على أن يذهب يومياً إلى البحر، وحين يصل الشاطئ يمشي عليه بلا توقف، وإذا ما داهمه الإعياء جلس إلى جوار الماء ويداه تداعبان الرمال الناعمة المبتلة ورجلاه تكونان غاطستين فيها.. وهو ينظر إلى حركة الأمواج مستمتعاً بها تأتي وتختفي، ولا يستحب من أن يتكلم مع البحر أو يبستم له إن قذفه بالأمواج وابتلت ثيابه، فالأمر بالنسبة له ضرب من المداعبة اللطيفة البريئة بين اثنين تربطهما صداقة حميمة.

وذات مرة جلس الشيبة سالم على الشاطئ يردد:

ـ الحمد لله على نعمة البحر العظيمة.. لكن بصراحة الحق على الناس، هم وحدهم الذين ظلموا البحر وهجروه..وعكروا ماءه.. وطردوا أسماكه، وخربوا شاطئه بالأوساخ.. «مُب أحسن» لهم المحافظة عليه، والاستمتاع بجماله.. والمشي أو الجلوس عليه.. بالتأكيد هذا أفضل لهم من مقاهي الشيشة.. وصالات الألعاب والقمار، والتسكّع في الأسواق. لكن صدق من قال: «الشق لا يمكن أن يسعد».. أين نحن اليوم من أيام زمان..أين أنتم يا «الربع».. يا رياييل، زمانكم.. خميس، مطر، سعد، خلفان، سيفان..» والله ودي أذكركم كلكم لكن أهل الديرة خربوا العقل ولم أعد أتذكّر شيئاً»، «تعالوا شوفوا عيالكم شو مسوّين بالبحر.. الله الله يا خميس يا فارس زمانك لو كنت حياً..

صحيح أن النواخذه ما كانوا «يرومونك» مرة، تدري ليش.. لأنك تعصّب عليهم.. وإذا ما حدث أمر كهذا، فتلك هي الكارثة بعينها، لأنك حين تشتاط غضباً تهجم على أقرب مجداف وتكسره، أما الأخطر من ذلك يوم «تهاوشت» مع النوخذا «بن غلمان» ودفعته إلى أعلى رأسك تماماً، كما لو انك ترفع عقالك، وكنت تريد «تعقه» في الماء، لكن ربك ستر بأن ركض إليك السيب مطر و«جودك» وخلصه منك، وكان في حالة يرثى لها، لكن يا خميس مع ذلك كان المستضعفون على ظهر السفن كلها يحبونك «وايد»، لأنك كنت تنصرهم وتسترد لهم حقوقهم كاملة من ظالميهم بلا مقابل، آه يا خميس ليت شباب اليوم كان فيهم شيء من شجاعتك ومروتك، وعطفك على الآخرين».

بحر الذكريات

وجد الشيبه سالم نفسه غارقاً في بحر من الذكريات التي ساهم البحر بأمواجه وهوائه العليل في نبشها، نهض متثاقلاً من جلسته وراح يواصل المشي، فهو يكره الجلوس ويفضل أن يكون متحركاً كالأمواج، لأنه حين يمشي يسلي نفسه ويمتعها باجترار الذكريات، توقف فجأة عند كثبان رملية شكلتها الرياح على نحو متموج، نظر إلى الشمس وهي تغرب، تابع حركتها وهي تتوارى خجلة خلف السحب المصبوغة باحمرار الشفق، ومن تحتها قارب صيد عليه مجموعة من العمال، أجسامهم عارية إلا من «الوزار» يصارعون شباكاً مثقلة بالصيد، قفزت تلك الملوحة الرائعة بذاكرته إلى الوراء.

حيث كان النهام «رشدوه» الذي كان يردد عند المغيب: «أم الحنايا يدفوها على السيف كلهم اصبياني تجر المجاديف، يا رايحين الغوص باسير وياكم لا قعد على الفنة وأسمع حكاياكم يا نوخذاهم لا تصلب عليهم ترى البحر بارد غصب عليهم ترى حبال الغوص قطع أياديهم». انهارت قواه ارتعشت أوصاله، وجلس على الرمال عاجزاً عن مواصلة النهمات، اغرورقت عيناه بالدموع، تناول طرف غترته البيضاء ومسح بها ما انهمر منها، سحب نفساً عميقاً ثم زفره إلى خارج جوفه مثقلاً بالحنين إلى ماضي الأيام، وقف وشعر بشيء من الإرهاق وبدت عيناه ضعيفتا الإبصار حاول مواصلة المشي على الشاطئ.. وجد مشقة في ذلك.. تعثرت قدمه اليسرى بكومة رمل صلبة يبدو أنها من صنع الأطفال الذين يرتادون الشاطئ بين الفينة والأخرى..

غسلها بماء البحر المالح متذكراً أنه الدواء الذي برئت به جراح الغوص.. لم ترحمه قدمه.. زادت أوجاعها.. ليس أمامه من خيار آخر سوى العودة إلى البيت.. مشى ببطء.. ويتوقف حيناً، ويواصل السير أحياناً إلى أن وصل المنزل دخل الغرفة المخصصة له خلسة كي لا يراه أحد من أفراد أسرته وهو على تلك الحالة يعرج فيحرمونه من الذهاب إلى البحر مرة أخرى.. قال مطمئناً نفسه: لا أحد في هذا الكون من خلق الله يمنعني عن البحر.

حوار الطرشان

كان في طريقه إلى المسجد عندما رآه ابنه ناصر وهو يمشي بصعوبة، تقدم إليه منزعجاً:

ـ«أبوي علومك شو فيك؟!

ـ ما في شيء أنا بخير أرجوك لا تقلق.

ـ لكنك عاجز عن المشي.

ـ أقولك ما في شيء.

لم يشأ الخوض مع والده في جدل وهو يعلم سلفاً أنه لن يؤدي إلى نتيجة ففضل أن يلحق بالصلاة مكث الشيبة سالم في المسجد وقتاً قضاه مع الإمام الذي ساعده في إعادة قدمه إلى وضعها الطبيعي وعندما خرج من المسجد كان يخطو بصورة أفضل، انتظره ابنه ناصر عند باب المنزل.

ألم أقل لك أنا بخير قالها الشيبه سالم وهو يهم بدخول غرفته لكن ابنه ناصر تبعه ثم جلس إلى جواره وقال:

ـ أبوي أطال الله عمرك أبغي اطلب منك شيء؟

ـ آمر يا ولدي أنت «العود» وتحمل اسم والدي الله يرحمه وما قصرت معي ومع إخوانك، ساعدت في تربيتهم وزواج من تزوج منهم ولذلك أنا راض وادعو ربي يوفقك ويحفظك ويحفظ عيالك من حوادث السيارات.

بدا ناصر أكثر ارتياحاً فكلام والده عن الحوادث فتح له الطريق ليعبر له هو كذلك عن حرصه على سلامته.

ـ أبوي، أنا واخواني خايفين عليك «وايد.. وايد.. وايد».

ـ ليه يا ولدي ـ هل سامعين شيء.

ـ بصراحة ذهابك كل يوم إلى البحر يقلقنا، ونريد منك أن تتم جالس في البيت وأنا واخواني على استعداد أن نوفر لك كل شيء في خاطرك؟

لم يقتنع الشيبه سالم بما يقوله ابنه ناصر وفي مرات عدة كان يتجاهل سماعه نهائياً.. بدا شارداً وعيناه تنظران إلى أعلى ثم إلى أسفل وشفتاه تتحركان دون أن تخرج منهما كلمات وسحب نفساً عميقاً ملأ جوفه ثم زفره بقوة وسكت.

راح ناصر يتابع بقلق الانفعالات التي بدت على والده انتابه ما يشبه الندم لكنه آثر مواصلة الحديث.

ـ أبوي خلاص وافقت.

ـ تقول اجلس في البيت وما أمشي البحر!

ـ أبوي يطول عمرك أنت تعلم في آخر مرة قابلنا الدكتور حذرك من الإرهاق لأن القلب عندك صار ضعيف.

اسمعني زين يا ولدي ناصر إذا حبستني في البيت ولم تتركني أسير حق البحر تدري شو يصير.

ـ ابوي «شو» يصير لا سمح الله

ـ أبوك يموت حزين.

ـ لا تقول الله يعطيك طول العمر.

ـ لا .. لا يا ناصر أرجوك لا تقل مثل هذا الكلام مرة أخرى، فأنا ولدت لأعيش مع البحر وأنت تعلم أكثر من غيرك بأنه كان يطلقون علي طفل البحر لأن والدي سمح لي بالسفر وعمري عشر سنوات ومنذ ذلك الحين لم أبتعد عنه وسأبقى فيه إلى أن يأذن الله في أمري.

ـ زين الوالد، عندي اقتراح «شو» رأيك تنتقل إلى البحر في سيارة الأسرة.

وسوف يقوم السائق بتوصيلك إلى البحر يومياً ثم يعيدك إلى البيت متى ترغب في ذلك.

ـلا.. لا.. يا ناصر أرجوك يا ولدي لا تتعب نفسك أنا «مب» محتاج لسيارة توصلني إلى البحر. أنا صاحي وأستطيع أمشي على رجلي إلى أبعد من البحر. من فضلك اتركني آخذ حريتي.

لاحظ ناصر أن والده بدا حزيناً ولم يعد يحتمل الحديث حول قطع علاقته بالبحر.. لذلك تقدم إليه وقبل رأسه ثم قال: الوالد ربنا يعطيك الصحة والعافية وطول العمر ويخليك لنا، نسعد بوجودك معنا.. سامحني إذا أنا «ضايقتك».

انصرف ناصر وهو أكثر قناعة بأن والده غارق حتى أذنيه في عشق البحر وليس من قوة تستطيع حرمانه منه.

حنين الماضي

مكث الشيبة سالم ثلاثة أيام غائباً عن البحر بسبب الأوجاع في قدمه كانت بالنسبة له كثلاثة أعوام، في اليوم الرابع عقد العزم على التخلص من الحبس والذهاب إلى البحر مهما يكن من أمر، غادر المنزل بعدما أدى صلاة العصر وسلك طريقاً وعراً لأنه الأقصر إلى البحر ونفسه مشحونة بالفرح.. وعلى الشاطئ فوجئ بكميات ضخمة من الأسماك الصغيرة «العومة» ملقاة خارج الماء لكنها في مرمى المياه التي ترسلها الأمواج إلى الشاطئ ما أعطاها فرصة لأن تبقى حية، خلع ملابسه عدا «الوزار» وراح يعيدها إلى البحر.. لكن أمواج البحر لم تمكنه من تحقيق ذلك فهي تعيد الأسماك إلى الشاطئ حتى بدا كمن يحرث ماء البحر.. انهمك في عمله مسابقا الزمن.. أرهقه المسعى كاد يسقط في الماء مرات ومرات.. مع ذلك رفض الاستسلام من أجل إنقاذ حياة الأسماك تحدث مع نفسه:

ـ لن استسلم أبدا.. ولن أجعل التعب يهزمني، فالأسماك الصغيرة هي كالأطفال تماما ينبغي علينا جميعا أن نساعدها على أن تعيش.. جلس على الرمال ليأخذ قسطا من الراحة وأثناء ذلك كان يدفع الماء بيديه نحو السمك لتمكينها من الحياة .. خشي ان يداهمه الليل ـ أسرع الخطى باتجاه شلة من الشباب يلعبون كرة القدم علهم يساعدونه على إعادة الأسماك إلى الماء.. عندها تذكر المثل القائل «فلان كالسمك يموت إذا خرج من الماء». سألهم فيما إذا كانوا يعرفون هذا المثل؟ فأجابوا: نعم، وأخبرنا عن ذلك مدرس العلوم، وهذا ما أخرجنا من المدرسة لأن المدرس صار يكرره كل يوم حتى كرهنا المدرسة، والسمك والبحر.

ـ شو تقولون تكرهون السمك والبحر الله «يغربلكم» والله أنكم ما تستحون على ويوهكم.

غادر الشيبة سالم الملعب مستاءً من تصرف الشباب واتجه مسرعا إلى البحر مهموما، لإنقاذ السمك الصغير لكنه فرح حين وجده حياً يتحرك كلما جاءته الأمواج بالمياه.. فقال: الأمواج أفضل ألف مرة من الصبيان ها هي تشاركني إنقاذ السمك.. ينبغي مضاعفة الجهد ـ راح يملأ صدره بسمك العومة ويحيطه بيديه كي لا يسقط منه ثم يقذفه بعيدا في الماء مرت لحظات أبلى فيها بلاء مضنيا.. شعر معه بحالة من الإرهاق فلم يعد قادرا على بذل المزيد لكنه مع ذلك أبى أن يتوقف عن إنقاذ العومة وقال لنفسه: لن أترك السمك الصغير يموت أمام عيوني بهذه الطريقة السيئة. الله ينتقم من الذين «عقوه» أكيد هم الذين لا يعرفون معنى قتل سمكة صغيرة.

تمكن الشيبة سالم من إنقاذ الكثير من السمك.. وفي المرة الأخيرة تأبط كمية كبيرة هي الأخيرة. لكنه شعر بطعنة حادة في الصدر سقط على أثرها في الماء فاقداً الوعي حين لم يجد من ينقذه مات وهو يمسك بسمك العومه.

سليمان الماحي