أكد عدد من الأكاديميين والباحثين في قضايا التربية وعلم النفس في جامعة الإمارات، أن قضية صرعات الجيل والتقليعات التي يقومون بها، ليست بالشيء الجديد، ولها ظروفها وأسبابها النفسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، حيث ان لكل جيل ظروفه وتقليعاته وصرعاته وهي تتطور وتتبدل بتعاقب الأجيال، فما كان سائداً في ستينات القرن الماضي لم يعد موجودا حاليا بسبب تطور آلة الزمن ومعطياته لا سيما في ظل العولمة والانفتاح الفضائي وتقنيات العصر وكذلك تبدل الاهتمامات والأولويات حتى في المفاهيم الاجتماعية والوطنية.
فشباب العقدين الأخيرين من القرن الماضي كانت لديهم همومهم الوطنية والقومية فسادت الثقافة الوطنية ورفض كل ما هو مستورد ومقلد، وكانت السينما ونجومها العالميون والعرب هي الشغل الشاغل، حتى تقليعات اللباس، وقراءة الكتب والندوات كانت طروحاتها مختلفة وكان دور الأسرة والمجتمع المحافظ يلعب دوراً كبيراً، إلى جانب المؤسسات التربوية والتعليمية.
تطور قضايا الجيل
ويقول الدكتور عبداللطيف حيدر عميد كلية التربية في جامعة الإمارات، ان قضايا الجيل تتطور بتطور الظروف الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، مشيراً إلى أنه مع بداية القرن الجديد نجد صرعات وتقليعات مختلفة عن السنوات والعقود السابقة نظراً للتطور الحضاري والاجتماعي المتسارع، حيث بات ايقاع الحياة سريعاً، وتراجع دور الأسرة والمؤسسات التربوية والتعليمية في ظل انتشار ثقافة الفضائيات المفتوحة على كل شيء ودون ضوابط قانونية وأخلاقية تحت حجج واهية، إلى جانب انتشار التقنيات الحديثة في «الانترنت» والاتصالات، حيث أصبح الشباب يقضون معظم أوقاتهم خلف الشاشات واجراء المكالمات بـ «الموبايلات» ومتابعة وملاحقة آخر الصيحات في قصة الشعر وتقليد المطربين والمطربات وحتى بعض المذيعات على بعض الفضائيات.
تراجع دور الأسرة
وأشار إلى أن دور الأسرة أيضاً تراجع وبات مقتصراً في ظل انشغال الاباء والأمهات على مواجهة تحديات أعباء الحياة وترك أمر تربية الأطفال للخدم والشغالات من ثقافات وجنسيات مختلفة عن عاداتنا وثقافتنا وبأن تأثيرهم كبير عليهم حتى في لغتهم ومأكلهم وملبسهم، حتى أن البعض تأثر بالمعتقدات، إضافة لذلك فإن عدم رعاية الأهل لأبنائهم ساهم في حدوث فراغ كبير في وقت الأسرة التي بالكاد تلتقي لفترات محدودة أو بالمناسبات العامة، فانتشرت ظاهرة التدخين بصورة كبيرة، بل تعدت ذلك إلى تعاطي البعض للممنوعات والمخدرات، وبات الوقت يستهلك من دون فائدة.
تراجع دور التربية
كما تناول الدكتور حيدر تراجع دور التربية والتعليم، فالقضايا التربوية في مؤسساتنا التعليمية وتحت حجة التركيز على مخرجات التعليم أهملت قضايا التربية والتوجيه في ظل تراجع دور الأنشطة اللاصفية، مشيراً إلى أن الشباب بحاجة دائماً إلى كسر الروتين والملل وملء وقت الفراغ الكبير وبالتالي صار يبحث عن ضالته في أماكن أخرى وأنشطة استهلاكية بديلة لا سيما في ظل وجود الضغط النفسي والطرح الإعلامي الهابط في بعض المؤسسات الإعلامية التي باتت تلعب دوراً سلبياً وهداماً للقيم والثوابت في حياتنا الاجتماعية، في وقت يجب أن تتضافر فيه جهود الأسرة والتربية والإعلام، حتى المؤسسات المدنية تراجع دورها الإرشادي في ظل التداعيات العالمية وبالتالي فإن الجيل وجد نفسه في بحر متلاطم من التداعيات والصرعات فباتت قصة الشعر وبعض أنواع اللباس ونوع السيارة والموبايل وقصة تلك الفنانة أو ذاك الفنان في «سوبر ستار» و«ستار أكاديمي» وما شابه ذلك من برامج.
المناهج التربوية
وأكد الدكتور حيدر على أهمية إعادة النظر في مناهجنا التربوية ومناشطها الفنية والرياضية والثقافية والمهارات الحياتية في ظل استراتيجية عامة، فالجهود الفردية هنا وهناك ليست كافية مؤكداً أن التوعية القائمة على الكبت والضغط أيضاً لها مخاطرها على ذات الشباب ونفسياتهم.
مشيراً إلى أهمية توجيه الجيل وتوعيته في ظل انفتاح عالم العولمة ومخاطره حيث تغلل ذلك في أدق تفاصيل حياتنا اليومية وسلاحنا في ذلك العودة إلى الأسرة الواعية أولاً وأخيراً وإعادة الدور للمدرسة والمؤسسة التربوية ووضع خطط وبرامج وضوابط لبرامجنا الإعلامية وملء أوقات الفراغ بالأنشطة إشباعاً للرغبات والهوايات وتنمية القدرات واستهلاك الطاقات بما هو جديد ومفيد بعيداً عن الاستهلاك والتقليد.
الأسرة أساس التربية
من جانبها تؤكد الدكتورة شيخة الطنيجي أستاذة المهارات والعلاقات بين الأسرة والمدرسة في كلية التربية بجامعة الإمارات، أن الأسرة هي القاعدة الأساس في تربية الأبناء وتحقيق طموحاتهم ومن ثم تأتي المدرسة ومؤسسات التعليم المختلفة، حيث نجد كلمة التربية تسبق كلمة التعليم في المؤسسات المختلفة، إلا أن ذلك وللأسف تراجع كثيراً فأضعنا البداية وبالتالي خسرنا جيلنا في النهاية.
وأشارت إلى أن وجود الأسرة الواعية بالدرجة الأولى وليست بالشرط الأسرة المتعلمة تعليماً أكاديمياً غالباً، لاسيما وأننا عشنا ومازلنا نعيش في مجتمعاتنا العربية والإسلامية في ظل نتاج عادات وتقاليد وثقافات ومعتقدات غرسها في نفوسنا آباء وأمهات لم يكن تحصيلهم العلمي عالياً بل ان البعض لم يكن لديه تحصيل، فكان الارشاد والتوجيه الأبوي هو الأساس.
تداعيات العولمة
أما الآن وفي ظل تداعيات العولمة ومخرجات العصر وتقنياته وانشغال الأسرة في قضايا أخرى انعكس ذلك على مستوى تربية وتوعية الأبناء الذين باتوا مقلدين ومستهلكين في كل شيء.
وأضافت الدكتورة شيخة ان شباب الجيل باتوا غير مكترثين حتى في قضاياهم الوطنية والقومية تتقاذفهم تداعيات العولمة بشقيها السلبي والإيجابي.
وأضافت انه ما لم نكن محصنين من ذاتنا فإننا لا نستطيع أن نحجب الشباب عما يعرض عليهم عبر الأقنية الفضائية وشبكات «النت» حتى عندما يسافر الشاب خارج حدود وطنه فانه يتعرض لكثير من المغريات ويخضع لضغوط نفسية كبيرة.
الهوية الثقافية
وأشارت إلى أهمية الحفاظ على الهوية الثقافية والوطنية من خلال غرس القيم والمبادئ وإعادة النظر فيما يُطرح من مناهج تربوية ونشاط تستهدف الجيل.
مشيرة إلى ان التقليد في الملابس وبعض العادات يمكن ان تكون فورة أو طفرة محددة خلال فترة عمرية محددة إلا أن المهم هو القيم والمعتقدات المرتبطة بثقافتنا العربية والإسلامية، وأوضحت ان العادات التي غزت مجتمعنا من أبواب مختلفة تركت أثراً سلبياً كبيراً على الجيل وعلينا ان نتصدى لذلك ليس بالكبت أو الضغط بل بتوجيه أبنائنا والاستفادة من معطيات العصر الحديثة في جوانبها الايجابية والتحذير من جوانبها السلبية وذلك وفق رؤية مستقبلية واضحة لما نريده من أبنائنا.
دور الصداقات
كما تناولت أيضاً دور الصداقات وكيفية اختيار الأصدقاء لأبنائنا ممن تتشابه عاداتهم وثقافاتهم مع أفكارنا ومعتقداتنا دون أن يكون هناك إخلال بثقافة الآخر إنما باحترام ان لكل خصوصية ثقافية وفكرية لاسيما تلك في مجال المشاعر والمعتقدات والثوابت، وهنا نؤكد ان وعي الأسرة مسألة مهمة جداً وممارسة الدور الرقابي والتوجيه والإرشاد منذ الصغر لا أن نترك الأبناء في مراحل التنشئة الأولى ومن ثم نفيق على الأخطاء والتقصير متأخرين حيث لن تنفع حينذاك محاولات الإصلاح.
وطالبت الدكتورة شيخة بدور مهم للإعلام عبر مختلف مؤسساته المرئية منها والمقروءة والمسموعة حيث يلعب الإعلام دوراً كبيراً، وما يطرح اليوم في بعض وسائل الإعلام كان سبباً مباشراً في تعميق الهوة بين أبناء الجيل والانتماء لمجتمعاتهم والتمسك بمعتقداتهم تحت شعار وعنوان الحرية الشخصية أحياناً والانفتاح الثقافي أحياناً أخرى، ولكن دون ضوابط، كما لابد أيضاً من تكامل الأدوار المجتمعية والتعليمية، فالمدرسة والجامعة لا يجب ان يكون دورهما «تعليماً أكاديمياً» فقط بل لابد من أنشطة وبرامج وتوجيه وإرشاد وإعادة المكانة لكلمة التربية وتلازمها مع التعليم.
الشذوذ الجنسي
* الدكتورة نادية بوهناد، أستاذة علم النفس التربوي وتربية الموهوبين في جامعة الإمارات، أشارت إلى موضوع صراعات الجيل وتقليعاته ليس بالموضوع الجديد والطارئ على مجتمعاتنا، بل هو موضوع قديم متجدد بتجدد وتطور الزمن وما نراه من إفرازات سلبية هو بالأساس انعكاسات للبدايات المبنية على أسس واهية تفتقد إلى الكثير من الوعي باحتياجات ومتطلبات الجيل الذي هو انعكاس للواقع.
وأشارت الدكتورة بوهناد إلى مسألة غاية في الخطورة وهي الشذوذ الجنسي ومفرداته وممارسته التي باتت تطرح بين أبناء الجيل تحت عناوين ومفردات الحرية وكأن ذلك من عاداتنا ومعتقداتنا والسبب في ذلك هو انفتاح الجيل على ما يقرأ وما يشاهد وما يسمع وبالتالي يقوم بالتقليد ورغبة التجريب على حساب القيم والمثل.
وقالت: نحن لا نريد أن ندفن رؤوسنا في التراب فنحن جزء من المشكلة، والشريحة الاجتماعية الليبرالية كانت سبباً، فإذا كان الدين والقيم لا يشكلان رادعاً عن الخطأ، فلا فائدة لكل ما يجري من حديث ومحاولات، فالآباء عندما يمارسون الخطأ، فهو ينتقل بالتأكيد للأبناء.
وأكدت ان هناك العديد من الأسر التي تدعي التعليم والثقافة لكنها لا تعرف كيف تربي أبناءها من خلال الاندماج بروح العصر ومتطلباته الحضارية، الحقيقية وليست مظاهره الشكلية. وأكدت ايضاً ان دور المنزل والأسرة يسبق المدرسة، فالمدرسة يجب ان تعلم أكاديمياً والمنزل دوره تربوي.
أما عن دور الإعلام، فأكدت ان هناك نقاط استفهام كثيرة لدور الإعلام المفرغ من المضمون والذي يهتم بالغناء والرقص على حساب القيم والمعتقدات ومن النادر ما نجد برنامجاً تربوياً يستهدف الشباب على محطاتنا الفضائية إضافة إلى أن بعض العاملين في الإعلام وللأسف لا يقدرون خطورة ما يفعلون أو يجهلون، أما إذا كانوا قاصدين فتلك كارثة ومصيبة على هويتنا ومعتقداتنا وموروث حضارتنا.
العين ـ داوود محمد: