آباء يدقون أبواب المسؤولين في التربية طلباً لاستثناء يعفي أبناءهم الدارسين في المدارس الأجنبية من شرط دراسة اللغة العربية وأب تفشل كل محاولاته في الحصول على ذلك الاستثناء فيهدد بتغيير جنسية ابنته ونسبها إلى جنسية والدتها الأجنبية حتى يتسنى لها الإفلات من «شر» اللغة العربية التي أصبحت دراستها بمثابة الكابوس الذي يؤرق الطلبة وأولياء أمورهم فيما هي.
عنوان شخصيتنا ورمز كياننا القومي، لابد أن تحظى بكل رعاية واهت ام من أبناء الأمة العربية، ولكن واقع الحال الذي آلت إليه والإهمال الذي تعرضت له يشيران إلى تدني مستواها في مجتمعاتنا وخاصة المدارس الأجنبية التي يصنفها البعض على أنها لغة ثانية بعد اللغة الأجنبية، مما يزيد تدهور حال طلابها في لغتهم الأم .
وتظهر واضحة الأخطاء الإملائية فيما يكتبون لان الضعاف منها يضطر للكتابة كيفما ينطق واختلف المختصون في تحديد الأسباب، وتبادل الجميع الاتهامات، ولم يتم التشخيص السليم لعلتها فدونوا في «الوصفة» العلاج غير الصحيح، فتدهورت صحتها، ومازالت ـتجري محاولات الإنقاذ دون فائدة.
وتعددت الندوات والمؤتمرات التي تخرج بتوصيات اجتهد المحاضرون في كتابتها وعلت أصواتهم مطالبة بوقف الاعتداء على اللغة العربية، في الوقت الذي قد تتسرب المصطلحات الأجنبية إلى أوراق العمل التي عرضت في نقاش ساخن تحت شعار الهوية العربية وكثرة الاتهامات إلى الغرب، الذي أصبحنا نركن إليه ونجد من يستمع إلينا.
ويرجع الغالبية السبب إلى «عقدة المؤامرة» ويتناسى طرق التدريس وعقم المناهج وقلة اهتمام أولياء الأمور باللغة العربية وسعيهم لتعليم أبنائهم في المدارس الأجنبية لاكتساب لغاتها على حساب لغته.
وعلى الرغم من الاهتمامات الإعلامية بالندوات والمؤتمرات وتخصيص مساحات وافرة لها على خريطة البرامج «التلفزيونية» المتخصصة أو نشرها في صدر الصفحات المتقدمة بالصحف والمجلات إلا أنه بمجرد النشر تتلاشى خلف ستار النسيان وتظل حبيسة الأدراج ليستند إليها الحاضرون في أحاديثهم،.
وتبقى لغتنا الجميلة في مأزق حقيقي. وقالت فاطمة خلفان المطوع معلمة لغة عربية في مدرسة جلفار للتعليم الثانوي في رأس الخيمة عن واقع اللغة العربية في مدارسنا إن المتابع لمدارسنا يشعر بالأسى والحزن على مستوى الطلاب في هذه المادة، وخاصة مع المناهج المطورة التي تركز في المقام الأول على الأنشطة ومهارات التفكير.
وتكاد تكون مهارات اللغة الأساسية مفقودة فيها، وخاصة المهارات الإملائية، التي تعتبر ركيزة أساسية ولبنة مهمة، يعول عليها قدرة الطالب على الكتابة وصياغة مفردات لغته صياغة صحيحة، بعيدة عن الأخطاء الإملائية، التي قد تخرج الكلمة عن معناها المفهوم والصحيح في بعض الأحيان، أو قد يخلط الطالب في بعض الأحيان بين اللفظ العامي واللفظ الفصيح فيكتب بالعامية ظنا منه بأنه يكتب بالفصحى.
واقترحت أن تنفذ وزارة التربية والتعليم دراسة ميدانية جادة حول مستوى الطلاب بمادة اللغة العربية وخاصة في مهارات (الإملاء، والقواعد النحوية، والقدرة على التعبير) على صعيد المدارس التأسيسية أو الثانوية للوقوف على حقيقة الأمر ومعرفة الأسباب من واقع حال الطلاب.
ضعف ملحوظ
وأوضحت فاطمة المطوع إن الضعف النحوي والإملائي والتعبيري ضعف ملحوظ في المدارس الثانوية من واقع معايشتها اليومية للطالبات، وهو ضعف تراكمي جاء نتيجة لضعف التأسيس والمتابعة في المرحلة التأسيسية.
وإن كانت معلمات المرحلة التأسيسية قد أبدين انزعاجهن نظرا لكثرة الحصص التي يقمن بتدريسها وزيادة أنصبتهن مقارنة بمعلمات الرياضيات والعلوم.
متسائلة: كيف لطالب أن يبدع ويتميز في الرياضيات أو العلوم وان يجيد التعامل مع مهارات التفكير بمختلف مستوياتها وهو لا يتقن من لغته إلا أقل القليل؟
وأشارت إلى أهمية إيجاد حلول أخرى ترضي المعلمات للتخفيف عنهن الأعباء الملقاة عليهن من زيادة عدد الحصص، ليتمكنَّ من أداء واجبهن على خير وجه ودون وجود «منغصات»، حتى لا تغيب عنهن قضية ضعف الطالبات في مهارات اللغة الأساسية.
وهذا ما تلاحظه معلمات المجال (الرياضيات والعلوم) من ضعف الطالبات في فهم وقراءة الأسئلة وبالتالي عجزهن عن الإجابة عنها، أو تقديم إجابة مليئة بالأخطاء الإملائية لا تستطيع معها المعلمة فك الطلاسم الموجودة فيها، وهي مشكلة تلازم الطالب أو الطالبة حتى الثانوية العامة.
الحاجة لخطط مدروسة
إن المتمعن بحال اللغة العربية بمدارسنا والمدرك لحجم المأساة، كما تقول المعلمة فاطمة سيطالب بوضع حلول سريعة حتى لا نجد أنفسنا في النهاية أمام طالب لا يعرف عن لغته شيئا، سوى بأنها لغته الأم التي ينتمي إليها والتي من واجبه عليها أن يتحدث بها، ويجيد رسم حروفها ويكتبها بلا أخطاء، ولكن كيف وهو لا يدرك ذلك؟
وقالت: نحن بحاجة اليوم لوضع خطط وبرامج مدروسة تنهض بعطاء معلمي اللغة العربية وتوجههم نحو الطرق المنهجية الصحيحة، التي تمكنهم من غرس حب اللغة في قلوب أبنائها وجعلها لغة حياة بالنسبة لهم والإحساس بالانتماء إليها وحاجتهم لتعلمها.
النهوض باللغة العربية
وأشار فتوح محمود السطوحي معلم اللغة العربية في مدرسة شمل للتعليم الأساسي برأس الخيمة إلى أن اللغة العربية في مدارسنا تحتاج إلى كثير من الاهتمام،لأنها اللغة الأم التي تدرس بها جميع المواد الدراسية.
وهي تعاني الكثير من المشكلات التي تؤدي إلى ضعفها ضعفا بينا، يتضح في عدم إقبال التلاميذ على دراستها بشكل جيد وبخاصة قواعد النحو والصرف التي يعاني منها معظم طلاب المدارس.
وشدد على أن واقع اللغة العربية الأليم في مدارسنا يتطلب همة الجميع وتضافر جهودهم في النهوض بها داخل وخارج المدارس، ففي داخل المدرسة يجب الالتزام بالتحدث باللغة العربية الفصحى داخل الصفوف وخارجها لتكون بيئة صالحة لنمو وتطور مستوى اللغة.
وفي خارج المدرسة على حد قوله يجب على المجتمع أن يوفر السبل للنهوض باللغة في وسائل الإعلام المختلفة وفي الشارع وفي داخل البيوت، لنوفر بذلك المناخ الملائم لنمو وتطور مستوى لغتنا الجميلة لغة القرآن الكريم ولغة أهل الجنة في آتي الزمان.
الأسباب وبرامج العلاج
وتطرق محمد شحاته معلم اللغة العربية في مدرسة شمل للتعليم الأساسي برأس الخيمة إلى أسباب تدني مستوى التلاميذ في اللغة العربية واقترح وضع برامج للعلاج، وعزا الأسباب إلى ناحية اجتماعية تتلخص في الزواج من أجنبيات لا يتحدثن اللغة العربية،وجود الخادمات الأجنبيات في المنازل، وقيامهن بالتنشئة والتربية بدلا من الأم،وتعدد اللهجات المحلية وبعدها عن الفصحى.
وانتقد استخدام بعض المعلمين في المدارس لهجات بلادهم المحلية داخل الصفوف في التعامل مع التلاميذ ووصفه بأنه أحد أسباب تدهور اللغة، كذلك ارتفاع نسبة الأمية بين الكثير من الأمهات خاصة في البوادي، بجانب التأثير السلبي للعمالة الوافدة غير العربية إضافة إلى الأخطاء اللغوية المنتشرة بكثرة على الإعلانات ولافتات المحال في الشوارع.
كما اقترح المعلم محمد شحاته برامج علاجية منها التوجيه والإرشاد الدائم من خلال جميع وسائل الإعلام بمخاطر الزواج من الأجنبيات، خاصة التأثير السلبي على اللغة العربية، ودعا إلى التحدث باللغة العربية الفصحى في المصالح والدوائر الحكومية.
وتخصيص أسابيع كاملة لحديث الفصحى في المدارس، بجانب وضع برامج اثرائية في دروس النحو في المناهج، وعدم الاعتماد الكلي على الخادمات الأجنبيات في تربية وتنشئة الأطفال.
مناهج طويلة وحصص قليلة
وأبدى يوسف أحمد بداد معلم اللغة العربية ملاحظاته حول منهاج الصف الأول الأساسي، باعتبار أن مرحلة التعليم الأولى هي الأساس قائلاً انه من الظلم أن نعزو ضعف التلاميذ في اللغة العربية لسبب واحد، وإذا كنا منصفين فإن أسباب مجتمعة أدت إلى الضعف الذي يلمسه الجميع ويعاني منه.
وأرجع الأسباب الأساسية إلى قلة عدد الدروس المقررة لمادة اللغة العربية أسبوعيا، ونقص عدد دروس المنهاج وطولها في مرحلة التعليم الأساسي، وزيادة نصاب المدرس في هذه المرحلة، وقد يكون المعلم نفسه أو البيت أحد هذه الأسباب، أما الأسباب الثانوية فهي ناتجة عن التوجيه التربوي والإدارة المدرسية.
فروق فردية
وعن ملاحظاته حول منهاج الصف الأول قال أحمد بداد إن المنهاج قد بني ليناسب تلاميذ أجادوا حروف الهجاء قراءة وكتابة في الروضة، وهذا ما ينتفي وواقع الحال، فالمنهاج يناسب فئة واحدة من التلاميذ وهي فئة المتميزين،وبالتالي لم يأخذ بعين الاعتبار الفروق الفردية بين تلاميذ المدرسة الواحدة وكذلك بين المدارس في بيئات مختلفة.
وأشار إلى أن المنهاج لا يناسب بيئة التلاميذ ومفرداتهم لأنه أغفل موضوعات أساسية في حياة التلميذ، وافتقر إلى الصور الدالة على الجملة، والذي له دور كبير في حفظ جمل وكلمات الدروس من خلال الربط بين الصورة والجملة والكلمة والصورة.
حيث اكتفى المنهاج بلوحة وصورة معبرة عن النص، كما أن التدريبات الموجودة في كتاب التطبيقات اللغوية قليلة، ولا تمكن التلاميذ من معرفة الحروف قراءة وكتابة،وتمييزا وتوظيفها في كلمات جديدة.
وأشار إلى أن المنهاج لم يرتبط بموروث التلاميذ الوطني والتاريخي، ولم تتدرج النصوص القرائية من حيث القصر فالطول بحيث يناسب نموهم العقلي والعضلي والنفسي.
كما انه لا يوجد ارتباط وثيق بين دروس كل وحدة من وحدات المنهاج فقد بدا وكأن كل درس وحدة مستقلة بمفرداته ونصه، إضافة إلى أن الموضوعات طويلة ولا تتناسب والبعد الزمني، وكلها أسباب تؤدي إلى ضعف اللغة لدى أطفالنا.
وقال في حديثه انه كان من الأولى قبل تعميم المناهج المطورة على الميدان في مدارس الدولة كافة، أن يجرب في مدارس موجودة في بيئات مختلفة «المدينة، القرية، الجبل» ثم يصدر حكما على مدى ملائمته من خلال الاستبيانات والمخرجات.
تلاميذ لا يقرأون
وفيما يخص المشكلات الموجودة فعلا في مناهج الصف الثاني الأساسي والتي تؤدي إلى ضعف لغتنا العربية عزت المعلمة مريم الدود من مدرسة زهرة المدائن للتعليم الأساس الحلقة الأولى للبنات في رأس الخيمة السبب إلى ازدحام مناهج الصف الثاني واحتوائها على خمسة كتب في كل من الفصلين الأول والثاني، وعدم كفاية الوقت لتدريسها.
وقالت إن المناهج المطورة لم تراع سن التلاميذ أو الفروق الفردية بينهم، ولم تميز بين فئة التلميذ الضعيف والموهوب، وجاءت جميع الأنشطة لكل الفئات، دروس القراءة طويلة جداً، لم تتدرج من السهل إلى الصعب ولا يتمكن كل تلميذ من قراءتها،والتركيز على المهارات اقل.
وأضافت زميلتها المعلمة بدرية الصغير ان هذه المناهج المطورة من أسباب ضعف اللغة، لأنها تحتاج إلى من يساعد المعلم في العملية التعليمية ليقوم بالأعباء الروتينية المقررة ويترك للمعلم فرصة الإبداع في المنهج، والمشكلة أن أولياء الأمور غير قادرين على تفهم واقع العملية التعليمية في ضوء هذه المناهج.
كما أشارت إلى ان دليل المعلم جاء نسخة من الكتاب المدرسي، ولا يقدم أي مساعدة للمعلمين الجدد، فلابد أن يكون هناك دليل للإجابات النموذجية عن الأسئلة الموجودة لاستخدامها عند اللزوم، الوسائل والأساليب تحتاج إلى ميزانية خاصة من «جيب المعلم» لتوفير ما يلزم للأنشطة الموجودة في الكتب مما يزيد من الأعباء الملقاة على عاتقه.
مهارات اللغة مهملة
وطالبت المعلمة نوال سليمان معلمة الصف الثالث الأساسي في مدرسة زهرة المدائن في رأس الخيمة بضرورة مشاركة أطراف العملية التعليمية في وضع المنهاج، مشيرة إلى أن اللغة المستخدمة في منهاج الصف الثالث لغة ركيكة غير قوية تغزو فكر الطفل وتضعف من لغته العربية، لأنه أهمل المهارات الأساسية في اللغة.
وأوضحت زميلتها المعلمة آمنة كرم أن بعض أجزاء في المنهاج ظلمت التلميذ الذي يعتمد على نفسه دون مساعدة الآخرين خاصة تمرين ( ابحث ) فمن سيقدم له المساعدة إذا كان المعلم ليس لديه الوقت الكافي للمنهج المزدحم؟
واقترحت زميلتهما المعلمة نعمات على انه لابد من تخصيص حصة حاسوب للغة العربية في ضوء هذا المنهاج، حتى يتمكن التلميذ من تعلم كيفية البحث بنفسه لانجاز الواجبات والأنشطة المطلوبة منه، كما أن هناك كثرة في استخدام بعض الأساليب التي قد تشتت أذهان المتعلمين مثل درس اللام الشمسية والقمرية.
وأشارت عدد من طالبات المرحلة الثانوية إلى أسباب العزوف عن المادة وتدني مستواهن فيها والصعوبات التي تواجههن في المناهج، و تضمنت تلك الأسباب اعتماد أسلوب التلقين في التعليم وتركيز المناهج على الحفظ وليس إتقان اللغة، وكثرة دروس النحو وعدم التعمق فيها وصعوبتها، وعدم إدراك أهمية اللغة، والتأثر السلبي بوسائل الإعلام المختلفة.
والأخطاء الشائعة التي لا تعد ولا تحصى في لافتات الإعلانات المكتوبة الموجودة في الشوارع وعلى جانبي الطريق بدون رقابة أو تدقيق من المسؤولين، وأكدن ان ترفيع تلاميذ مرحلة التعليم الأساسي تلقائياً يعد سببا أساسيا في ضعف اللغة لديهن وكذلك لدى العديد من الطلاب والطالبات.
وقالت فاطمة زويد موجهة اللغة العربية برأس الخيمة إن العبء الأكبر يقع على مدرسي اللغة، لأنهم يتمكنون من خلال طرق تدريسهم الشيقة من تحبيب الناشئة في اللغة، فهم قدوة لتلاميذهم يستخدمون الأساليب والمعطيات الحديثة في التربية والتعليم.
موضحة أهمية إتقان اللغة العربية في المرحلة الأساسية، مما يساهم في إنشاء جيل محب للعلم والمعرفة والمطالعة والبحث، وتحقيق مستوى عال من التعلم الذاتي.
وتعرضت زويد لأساليب التربية اللغوية في المنزل والتي تعتمد على حفظ وتلاوة القرآن الكريم، وتشجيع الوالدين المستمر وإعداد بيئة مشوقة لمتابعة القراءة، وأوصت بإقامة دورات تدريبية لمعلمات المادة ووضع أسماء المتحدثين بالفصحى في لوحات الشرف للتحفيز.
وتنظيم دورات تدريبية لأولياء الأمور لتعويدهم الأبناء على القراءة وحب المطالعة وترغيبهم في شراء القصص، وعمل مسابقات تشجيعية بينهم.
وتشجيع رياض الأطفال والنشء على القراءة، وكذلك الطلاب في جميع مراحل دراستهم، وحثهم على جمع المعلومات من الكتب والانترنت لإثراء موضوعات معينة في المادة.
تحقيق: نجلاء سعد الدين