ربما لا يجافي المنطق الحديث عن وجود تناقض بين سياسة التوطين ومنهج الخصخصة باعتبار أن القطاع الخاص المتهم أصلاً بإغلاق الأبواب أمام المواطنين معني بتحقيق الأرباح، ومن ثم فإنه يريد إنجاز المهمة بأقل تكلفة ممكنة، وهذه وسيلة تنأى بذاتها عن استيعاب المواطنين.
غير أن الخلاصة التي انتهى إليها هذا التحقيق لم يفض فقط هذا الاشتباك بل أثبت أنها مجرد فكرة في الخيال لا علاقة لها بالواقع.
هذه النتيجة أجمع عليها عدد من المسؤولين في وزارتي الصحة والبيئة، ومسؤولين في دبي ودائرة الصحة والخدمات الطبية وهيئة «تنمية»، وحده الدكتور عبدالغفار عبد الغفور يرى ذلك التناقض.
خالد أحمد الشيخ مساعد المدير العام لدائرة الصحة والخدمات الطبية في دبي للشئون المالية والإدارية أكد بأن اتجاه الدائرة نحو إشراك القطاع في تأدية بعض خدماتها للجمهور لم يتسبب بالضرر لأي مواطن، ولم يلق بأي تأثيرات سلبية على عملية التوطين التي حققت الدائرة في إطارها الكثير.
مشيراً إلى أن الخدمات التي تم إحالة تنفيذها للقطاع الخاص لا يوجد فيها أي مواطن على صعيد العمالة التي تنفذ الخدمات، لأنها عبارة عن مهن خدمية تعتبر ضمن التوصيف الوظيفي مهناً ثانوية مثل الزراعة، والتغذية، والأمن والحراسات، والمراسلين..الخ.
وأوضح أن المواطن في هذه القطاعات يقوم بدور إشرافي وحفظت وظيفته في موقع آخر في إطار عمل الدائرة ولم يتم الاستغناء عن خدماته.
وأشار الشيخ إلى أنه وقبل الشروع في إسناد هذه الخدمة للقطاع الخاص يجري عرض ما هو موجود من وظائف على المواطنين، ويتم منحهم كامل الحرية في اختيار ما يناسبهم، فإذا ما قرروا العمل مع القطاع الخاص تقوم الدائرة بتسهيل إجراءات انتقالهم لتلك الجهة، كما تمنحهم كل الحرية في البقاء في وظيفتهم في الدائرة مع المحافظة على حقوقهم الكاملة دون نقصان.
وأضاف بأن العقد الذي تبرمه الدائرة مع الشركات الخاصة يتضمن عادة شروطاً بأن يكون 25 في المئة من الموظفين من المواطنين والعرب.
وأكد بأن نتائج التجربة التي مر على تطبيقها قرابة الأربعة أعوام أكدت نجاحها في تحقيق الأهداف المرجوة كضمان تحقيق جودة الخدمات، وتقليص التكاليف المالية.
لا تعارض
عبدالله العطر الوكيل المساعد للشئون المالية والإدارية في وزارة البيئة .. قال: لا يوجد تعارض مطلقاً بين التوطين والاتجاه نحو الخصخصة، انطلاقاً من وجود كفاءات فنية مواطنة قادرة على إثبات وجودها في القطاع الخاص أو لدى انتقالها للعمل معه من المؤسسات الحكومية في إطار عملية الخصخصة، وقال إن هذا الأمر أثبتته تجارب عدة سجلت فيها الكفاءات المواطنة حضوراً لافتاً.
وأكد اهتمام الوزارة بإنجاز التوطين في إداراتها وأقسامها كافة بتحقيقها نسبة 53 في المئة في الوظائف الزراعية والثروة السمكية، و26 في المئة في مجال الطب البيطري.
بالإضافة إلى 57 في المئة في الوظائف الهندسية والمساعدة، فيما حققت الوزارة ما نسبته 92 في المئة في الوظائف الإدارية و84 في المئة في الوظائف المالية والاقتصادية.
المهندس عبدالله بن عبد العزيز وكيل وزارة البيئة بالوكالة قال إن منهج إشراك القطاع الخاص في أداء بعض الخدمات التي تؤديها الوزارة يخدم عملية التوطين ولا يتناقض معها انطلاقاً من كونه يفتح باباً واسعاً لتشغيل المواطنين عبر فرص العمل الجديدة التي يخلقها، ولا يؤدي مطلقاً للاستغناء عنهم. وأوضح بأن الخصخصة لا تعني مطلقاً الاهتمام فقط بالربح قبل العميل.
مشيراً إلى أن تنفيذها يؤدي إلى تقليل التوسع في استقدام العمالة الوافدة من الخارج، كون إدخال شريك اختصاصي يؤدي إلى تحسين الخدمات والارتقاء بنوعيتها.
وتقليل الاعتماد على العمالة بالاعتماد على التقنيات الحديثة، لتطوير مهارات وكفاءات الموظفين المواطنين، عبر تدريب المواطنين الذي تضعه الوزارة على الدوام شرطاً أساسياً ضمن العقد المبرم مع القطاع الخاص الذي سينفذ الخدمة.
الربح أولاً
ومن جهة أخرى أكد الدكتور عبد الغفار عبد الغفور الوكيل المساعد للطب العلاجي ورئيس لجنة التوطين في وزارة الصحة بأن الاتجاه نحو الخصخصة لدى بعض المؤسسات يتناقض في أحد جوانبه مع الاتجاه العام للدولة نحو التوطين.
انطلاقاً من اعتماد الشركات الخاصة التي ستقوم بتنفيذ الخدمة على مبدأ الربح بصورة أساسية الأمر الذي يجعلها معنية فقط بهذا الأمر ما يدفعها للبحث عن موظفين وعمالة رخيصة ستجدها في صفوف العمالة الآسيوية الأمر الذي يستبعد بصورة أو بأخرى المواطن من هذه العملية.
أما عبدالله الشيباني مساعد المدير العام للخدمات الفنية ورئيس لجنة دراسة الخصخصة في بلدية دبي، فأكد أن الاتجاه نحو إشراك القطاع الخاص في أداء بعض الخدمات لا يشكل أي تهديد للتوطين، انطلاقاً من أن الخصخصة يجري تنفيذها في مواقع لا يعمل فيها مواطنون أصلاً وهي القطاعات الخدمية والتي يتواجد في بعضها المواطن كمشرف فقط.
وأكد الشيباني بأن البلدية لا تتسرع مطلقاً في إشراك القطاع الخاص في تأدية الخدمة حيث تقوم بعد كل تلك المراحل بتطبيق التجربة ولفترة محددة في إحدى المناطق لتقييم التجربة، فإذا نجحت يجري تعميمها، والعدول عنها إذا صاحبها الفشل.
تجربة ناجحة
وحول التجربة التي نفذتها البلدية.. يؤكد مساعد المدير العام للخدمات الفنية بأنها ناجحة بكل المقاييس وحققت أهدافها بدقة متناهية، مشيراً إلى أن إشراك القطاع الخاص في موضوع تدوير النفايات العامة يمثل نجاحاً كبيراً في هذا المضمار..
حيث أمكن للبلدية تحقيق دخل مالي كبير والتخلص في الوقت ذاته من عبء كبير كان يكلفها الكثير من المال والجهد ، مشيراً إلى أن حجم الاستثمار للقطاع الخاص المشارك في هذا المشروع بلغ 200 مليون درهم. وأوضح الشيباني بأن البلدية تشترط تدريب المواطنين في مثل هذه المشاريع وإكسابهم المهارات المختلفة.
التخفيض والجودة
وأكد عبيد سالم الشامسي مساعد المدير العام للشؤون الإدارية والخدمات العامة في البلدية أن إشراك القطاع الخاص في أداء الخدمة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يؤثر سلباً على التوطين، موضحاً بأن منهج الخصخصة يقتضي توفر جانبين..
الأول تخفيض التكاليف والثاني تحقيق الجودة في أداء الخدمة، فإذا ما انتفى أحد الجانبين فإن البلدية لا تطبق الخصخصة، وبالتالي فإن وجود أي احتمال لالحاق ضرر بالمواطن والتوطين جراء تطبيق هذه الخدمة سيجعل البلدية التي قطعت أشواطاً كبيرة في مجال التوطين تتوقف عن ذلك، مشيراً إلى أن البلدية وحتى اللحظة لم تصل إلى إعطاء القطاع الخاص مهمة أداء وظائف من الممكن أن يتواجد فيها مواطنون.
وأشار الشامسي إلى محافظة البلدية على دور المواطنين الذي يعملون كمشرفين في المشاريع المختلفة ولم يتم إلغاء دورهم بالتنسيق مع الشركات التي تؤدي الخدمة ما لا يترك أثراً سلبيا على دور المواطنين.
لا صحة للتناقض
فضة عبدالله لوتاه المدير العام لهيئة «تنمية» بالوكالة قالت إن افتراض وجود تناقض بين مفهومي «الخصخصة» و «التوطين». غير صحيح إذا فهمنا معنى الخصخصة وكذلك التوطين على الوجه الصحيح.
مشيرة الى أن الخصخصة كمفهوم اقتصادي تعني تغيرا في ملكية المشروعات من القطاع العام إلى القطاع الخاص.. والغرض الأساسي منها هو تحقيق الجودة في الأداء والخدمة المقدمة وفق معايير محددة للتكلفة.. كما أن الخصخصة قد تستدعي تغيرا في نظم العمل أو إجراءاته أو حجم أو نوع العاملين بالإضافة إلى متغيرات أخرى.
اما مفهوم التوطين كما تعّرفه «تنمية» وجهات الاختصاص بالدولة فهو عملية اشتراك المواطن المؤهل القادر في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وتتم هذه العملية بالسعي إلى زيادة إسهام المواطنين في إجمالي قوة العمل.
وأوضحت بأنه إذا كان الحديث يركز على «الإحلال» بمعنى إبدال عامل وافد بعامل مواطن فإن هذه العملية لها شروطها وأهمها أن يكون للبديل المواطن المواصفات الفنية والمهارية لشغل الوظيفة.
تحقيق: خالد اللوباني
