قال الشيخ: ألم يؤثر فيكم صوت إمام الحرم المكي وقد خنقته الدموع تأثراً بما حدث من إساءة في حق الرسول الأعظم، ووالله ما أصابه ولن يصيبه أذى من اعتداء أحد أو تخاذل أحد، فالمصاب مصابنا والإساءة إساءة إلينا، ولن ينصر الله قوماً عزوا يوماً بالإسلام ثم راحوا يبحثون عن العز في مكانٍ آخر، رافضين تحكيم الله ورسوله في شؤون حياتهم.
هذا وكنت قد حذرت من عواقب الطيش الغربي في إشعال فتن يعلم الله وحده مداها، وقلت لكم أنه ما من احد يضمن أن يكون «جميع» المسلمين على قلب رجل واحد صبور وحليم ومعتصم بالتعقل والحكمة، وقد رأينا كيف بدأت هذه الفتن هنا وهناك مما قد لا نقبله ولا يقبله الحبيب الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أوذي في حياته كثيراً ولم يرض أن تمتد يد إلى عدو من أعدائه لتقتص منه، وقد أحاط به رجال كرام شديدو البأس والبطش، فهذا عبد الله بن أُبي بن سلول يصل حقده على الرسول الأعظم إلى أن يطعنه في عرضه في حادثة الإفك، فلما أنزل الحق سبحانه وتعالى قرآناً يبرئ السيدة الطاهرة عائشة رضي الله عنها أراد بعض الصحابة قتل رأس النفاق فمنعهم عليه الصلاة والسلام قائلاً: لا أريد أن يقال أن محمداً يقتل أصحابه.
الصلاة والسلام عليك يا سيدي يا رسول الله، كيف صليت على ابن أبي سلول، وكيف رضيت أن يكفن بثوبك الطاهر الشريف وهو من آذاك طيلة حياته، وكيف عفوت عندما قدرت على أعدائك في مكة بعد فتحها مما جعل الناس يدخلون في دين الله أفواجاً.
أما ما هو أسوأ فهو التوظيف السياسي لحادثة الإساءة إلى الرسول الكريم، فقد رأى البعض ممن لا يستحيون من الله ورسوله أن يتخذ من هذه الإساءة وسيلة لتحقيق مآرب سياسية ككسب الشارع الإسلامي، أو تصوير الصراع بين المتصارعين باعتباره واحداً من أسبابه الحمية لدين الله ولرسول الله، أو إيذاء أطراف في صراعات داخلية باعتبارهم يمثلون دين أو انتماء من اعتدى على الرسول الأعظم، ولا أعرف كيف يصل كيد الماكرين إلى توظيف جرح في شعور الأمة ووجدانها لتحقيق نقاط كسب على الخصم السياسي، وكأن المآرب السياسية ومنافع أصحاب الكراسي أغلى عند أصحابها من الرسول الكريم.
نعم يا إخوتي، فقد فتحت أبواب جهنم، وراحت الصحف الغربية تتوالى في نشرها للرسوم التافهة فنياً وفكرياً وإنسانياً، كما راح بعضها يعلن عن مسابقات لاستقبال مزيد من الرسوم المسيئة إلى نبي الإسلام، فقد اكتشف أعداؤنا موضعاً جديداً فينا لإيلامنا وقتلنا، ومع كل هذا الهرج والمرج، ومع كل التمادي في التحرش بالمسلمين، ترتفع أصوات هنا وهناك داعية المسلمين إلى حسن تقبل الإساءة وحسن الرد بما هو أحسن على العابثين بالمقدس.
يبدو أن العلمانية مع كل مكرها وخبثها لم تستطع أو ترد حتى اليوم أن تميز بين النخب والقواعد الجماهيرية، فما يطلب من النخب قد لا ينتظر إدراكه ووعيه وطلبه من قبل العامة، والصحيفة الدنماركية وشقيقاتها الأوروبيات هي نخب يجب أن تكون أكثر قدرة على التنبؤ بردود الأفعال، كما أن نخبويتها تحملها مسؤوليات أخلاقية قد لا تستطيع تحملها العامة من الناس، ولا يجوز عقلاً المقارنة أو الموازنة بين النخب والقواعد، ومطالبة الأخيرة بأن تكون على قدر من الوعي والإدراك وتحمل المسؤولية والالتزام بالحكمة كما يتوجب على الأولى.
إن قارئ التاريخ يعلم كيف تندفع العامة في كثير من مفاصل الحياة وراء إشارات أو إيحاءات تصدر عن زعيم أو صاحب حزب أو فكرة فترتكب من العظائم ما لا يمكن السيطرة عليه فيما بعد، وهاهم في الدنمارك وغيرها يتحرشون بالقاعدة الأوسع من المسلمين ويصرون على إيذائهم يوماً بعد يوم، فهل نستطيع إطفاء غضب المحبين لرسول الله والذين يعتبرونه ساكناً في قلوبهم وتحت جلودهم بفذلكات عن حرية التعبير والديمقراطية وغيرهما!
ومما يحزن أن ما حدث قد حدث في أوروبا العريقة بتاريخها وتراثها وحضارتها وفكرها، فمن غير الأوروبيين يستطيع إدراك قيمة الأنبياء والرموز الدينية وهم من حمل الإرث المسيحي عبر قرنين من الزمن إلى أن أصابتهم لوثة العلمانية المعادية لكل توجه ديني، فجعلتهم يديرون ظهورهم لتجارب وتراث إنساني وروحي غني وثري مولين وجوههم شطر الشهوات والهوى.
آه يا رسول الله يا أعظم خلق الله..... نشكو إليك ذلنا واستصغارنا ووالله ما استصغرنا العالم إلا بعد أن تجرأنا فرحنا نبحث عن الحق عند غيرك.
آه يا رسول الله.... كيف نملك أن نطلب الشفاعة منك وقد تطاولنا وتطاول الناس عليك بعدما ضيعناك.
آه يا رسول الله.... لقد أوذينا بك وأذانا بك مصاب جلل، فوالله لو كنا على عهدنا معك لما تجرأ أحد على طعننا فيك.... أم كان علينا أن تهتز الأرض تحت أقدامنا حتى نشعر بعظمتك وبقدرك الجليل الشريف.... آه يا رسول الله مع كل حيائنا بين يديك.
ماهر سقا أميني