الجريمة فعل يقع على طريق الانحراف الذي يفضي في الأغلب إلى العقوبة بقوة القانون.. والإدانة القضائية تجرد المدان من بعض حقوقه المدنية والسياسية وتدرج اسمه على القائمة السوداء. عدد من الذين يواجهون هذا المأزق يرون في «صحيفة السوابق» شهادة وفاة على الصعيد الاجتماعي إذ يتعذر عليه تطبيع حياته واسترداد حقوقه المفقودة.
غير أن الأمر ليس كذلك. فهناك إجراءات يمكن اتباعها لرد الاعتبار الذي يمنح الذين انزلقوا إلى ذلك المأزق منفذاً للعودة إلى الحياة الطبيعية مرة ثانية، هذه الإجراءات قانونية يكفلها القانون الاتحادي رقم 36 لسنة 1992.
ويوضح العميد خميس مطر المزينة مدير الإدارة العامة للتحريات والمباحث الجنائية أن رد الاعتبار يشكل خطوة أساسية لإصدار شهادة «حسن السير والسلوك»، غير أن القانون لا يلزم جهة العمل بإعادة أصحاب تلك الحالات إلى وظائفهم. ويقول الملازم أحمد العلي من إدارة حقوق الإنسان: إنه ينبغي فتح حوار حول هذه المسألة يمكن أن يؤدي إلى صدور قانون ملزم بإعادة الموظف إذا ما ثبتت استقامته.
ويؤكد بدر حسين البحري رئيس قسم التأهيل الاجتماعي والنفسي التابع لشرطة دبي أن القطاعين يبديان تجاوباً لاستيعاب الذين يستكملون البرنامج التدريبي من المنتسبين للمركز وقال: تم توظيف 33% من هؤلاء العام الماضي.
بالإضافة إلى الجانب المعقد على صعيد العمل هناك النظرة السلبية التي تلاحق المنزلقين إلى عالم الجريمة على الصعيد الاجتماعي، فهل يتيح لهم رد الاعتبار وحده التخلص من تلك الثغرة، أم يقتضي الأمر فتح أبواب العمل والمجتمع مرة واحدة؟
ربما يرى بعض من هؤلاء في انسداد الأبواب خياراً وحيداً يتمثل في العودة إلى العالم التحتي من أبواب عدة.
أسئلة كثيرة وضعناها أمام المسؤولين ورجال القانون فماذا كان رأيهم؟
المحامي والقانوني د. جعفر طوق، يعرف الجريمة بأنها سلوك إنساني منحرف ويمثل اعتداء على حق أو مصلحة من الحقوق والمصالح التي يحميها القانون، وإذا ما ثبت إدانة شخص فإن القضاء يحكم عليه بالعقوبة، والحكم بالإدانة عادة ما يؤدي إلى الانتقاص من شخصية المحكوم عليه ويحول دون استعادة مكانته السابقة في المجتمع، كما أن الحكم في معظم الأحيان يتبعه الحرمان من بعض الحقوق المدنية والسياسية، حيث يوضع اسمه ضمن القائمة السوداء في صحيفة حالته الاجتماعية ما يتعذر عليه العودة إلى مكانته الاجتماعية والاندماج مرة ثانية في المجتمع.
قانون رد الاعتبار
ويأخذنا د. طوق إلى نقطة في غاية الأهمية قائلا: ليس عدلاً أن يحرم شخص اقترف جريمة لأسباب ما من أن يأخذ مكانه اللائق في المجتمع، خصوصاً إذا بذل جهداً حيوياً على طريق الاستقامة وأقام الدليل على هذا السلوك القويم، وفي الوقت ذاته ليس من مصلحة المجتمع ان يعود هذا الإنسان إلى الجريمة إذا ما سدت أمامه الأبواب، ولمعالجة هذه المسألة فقد صدر القانون الاتحادي رقم 36 لسنة 1992 بشأن «رد الاعتبار» وإلغاء الحكم القاضي بالإدانة وكل ما ترتب عليه من وجوه انعدام الأهلية أو الحرمان من الحقوق مع تمكينه من استعادة مكانته في المجتمع، وتجدر الإشارة إلى أن هناك نوعين من «رد الاعتبار» أولهما قانوني يحصل عليه المحكوم عليه بحكم القانون دون الحاجة إلى اتخاذ إجراءات قانونية من جانبه إذا توفرت شروطه، وهي مرور فترة زمنية على تاريخ تنفيذ العقوبة وهي خمس سنوات بالنسبة للجناية وثلاث سنوات بالنسبة للجنحة، وفي حالات أخرى إذا صدر عفو أو السقوط بالتقادم إذا لم يصدر أثناء تلك الفترة حكم جديد، أما النوع الثاني فهو قضائي يتم عن طريق محكمة الجنايات ويتقدم المحكوم عليه بطلب «رد اعتباره» اذا توفرت الشروط التالية:
1ـ إذا تم تنفيذ العقوبة بالفعل أو صدر عفو بشأنها أو سقطت بالتقادم.
2ـ انقضاء فترة زمنية بعد تنفيذ العقوبة «سنتان للجناية وسنة واحدة للجنحة».
3ـ استقامة المحكوم عليه وإثبات حسن سلوكه.
4ـ الوفاء بالالتزامات المالية المترتبة عليه بموجب الحكم.
ويختتم د. طوق قائلاً : «رد الاعتبار» القضائي يتم بطلب من المحكوم عليه إلى النيابة العامة التي تتولى التحقيق معه وتتأكد من حسن سيره وسلوكه والتأكد من توافر بقية الشروط ثم يرفع التحقيق مع الملف إلى محكمة الجنايات، وفي حالة رفض الطلب لأي سبب من الأسباب فيمكن إعادة تقديمه مرة أخرى بعد مرور ستة أشهر.
أبواب مغلقة
بنبرة يائسة يقول «م. ع ـ مواطن» في التاسعة والعشرين من عمره: إن المستقبل أمامه أصبح أكثر سواداً، ومع مرور الوقت تشتد الأزمات وتتفاقم في ظل انعدام الحلول، كما لو كان حكم علينا بالإعدام مع إيقاف التنفيذ، صحيح أنني أخطأت أكثر من مرة، لكنني لم أجد يد العون في المرة الأولى فانجرفت إلى الهاوية، كنت أعمل بشهادة الثانوية في دائرة حكومية، وحدث أن تورطت في قضية اغتصاب، كنت في حالة من عدم التركيز و«الوعي» وحكم علي بالسجن، خرجت بعد ذلك وكانت وظيفتي «طارت» حاولت العودة مرة أخرى لكنني لم افلح، كانت التزاماتي المادية قد تفاقمت، ومديونيتي لدى البنوك وصلت إلى رقم كبير بحكم الفوائد، فتورطت في قضية نصب واحتيال، كنت أريد الخروج من أزماتي المالية، لكنني وضعت نفسي في مأزق أشد، دخلت السجن مرة أخرى، وعند خروجي لم أجد أحداً، يستوعب همومي ومشاكلي سوى رفقة السوء، تعاطيت المخدرات، وحكم علي بالسجن، وها أنا انتظر تسوية مع البنوك لإنهاء الملاحقات القانونية، لقد تخلى الجميع عني، الأهل والأصدقاء، ولم يعد هناك أحد منهم يتقبلني، والحق أنني لم أعد قادراً على النظر في عيونهم.
عندما دخل (م.ع) السجن في المرة الأولى وفقد وظيفته على إثرها، رغم محاولة العودة ورفض الجهة التي كان يعمل فيها، هذه الجزئية أحلناها إلى المحامي مجدي صلاح، فسألناه عن «رد الاعتبار»، هل هو ملزم لجهة العمل بإعادة الموظف من عدمه، فقال: «رد الاعتبار» هو إجراء نص عليه القانون لإعادة الشخص إلى حياته الطبيعية لينخرط في المجتمع تجنباً لردة فعل سلبية سواء تجاه ذاته أو مجتمعه، لكن لا يوجد نص صريح في القانون يلزم جهات العمل بإعادة مستخدميها، وبالتالي فإن «رد الاعتبار» قد يؤخذ به في حالات معينة من قبل جهة العمل إذا رأت أن الشخص لديه قوة إرادة للعودة إلى الطريق الصحيح.
حق المواطن
الدولة حريصة على أن يكون كل مواطنيها يعملون، فلماذا نقف حجر عثرة في طريق المواطن؟ إن عدم إعطائه شهادة «حسن سير وسلوك» يجعله عاطلاً لا يمكن الإيفاء باحتياجاته والتزاماته المادية، فمن باب أولى أن نعطيه الشهادة، وهذا هو المبدأ الذي نعمل به.
بهذه الكلمات بدأ العميد خميس مطر المزينة مدير الإدارة العامة للتحريات والمباحث الجنائية في دبي حديثه موضحاً أن إعطاء الشهادة يكون بناء على حكم «برد الاعتبار» وأيضاً حسب نوع القضية، و«رد الاعتبار» من الأمور الضرورية لإعطاء شهادة «حسن السير والسلوك»، كما أننا قبل إعطاء الشهادة نوجد نوعاً من المقارنة بين نوع الجريمة والوظيفة المراد الالتحاق بها، وهذا شيء مهم للغاية، حيث توجد بعض التحفظات إذا ما رأت الإدارة أن هناك بعض الخطورة، وعلى سبيل المثال نحن لا نعطي شهادة لشخص حُكم عليه في قضية اختلاس ويريد الالتحاق بعمل مصرفي، وعلى هذا المثال يمكننا القياس، ونحن في هذا الإجراء نقوم بتقييم الموضوع حتى لا تؤخذ الشهادة كأداة في غير محلها، لكننا في الوقت ذاته نقوم بمساعدة الأشخاص حتى يعتمدوا على أنفسهم ويرتقوا بواقعهم المعيشي من خلال وظيفة محترمة.
وعمّا إذا كانت هناك حالات ترفع إليه شخصياً، يقول العميد المزينة: نعم بالتأكيد، توجد حالات تُحال إلينا للبت فيها. وتتعلق في ما إذا كان هذا الشخص قد تم منحه فرصاً وأخلّ بها من عدمه؟ وهل أخذت عليه تعهدات بعدم الرجوع إلى الانحراف؟ وأن يحافظ على وضعيته السوية في المجتمع، ونحن نقوم بهذه الإجراءات حتى يشعر الشخص بنتائج الخطأ وما يترتب عليه بالنسبة لمستقبله، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ننظر إلى الجانب الإنساني والظروف التي أحاطت بهذا الإنسان لارتكاب هذه السلوكيات، والهدف في حد ذاته يتعلق بتوجيه الشخص للانخراط في المجتمع وبناء مستقبله في بيئة اجتماعية سليمة.
ويختتم العميد خميس مطر حديثه بقوله: إن من حق كل شخص الحصول على شهادة «حسن سير وسلوك»، وبالنسبة للمواطنين لا توجد أي قيود تمثل صعوبة لحصولهم على الشهادة، متى ما كانت هذه الإجراءات التي تقوم بتطبيقها إدارة التحريات والمباحث الجنائية تضمن تقديم كل مساعدة يحتاجها المتقدم ضمن النظام المعمول به ومن دون تجاوز لتلك الأنظمة والقوانين، واستناداً إلى إحصائيات الإدارة العامة التي صدرت عام 2004 فقد بلغ عدد شهادات «حسن السير والسلوك» التي أعطيت إلى أصحابها 34952، أما في عام 2005 فقد بلغت 32724، ومنذ بداية العام الحالي 2006 وحتى تاريخه بلغت 4150 شهادة، وهذه الأرقام إجمالية تشمل المواطنين وغير المواطنين.
.. وحقوق الإنسان
في هذه القضية الشائكة لا بد وأن تكون هناك حالات مستعصية أو حلقة مفقودة بين الجهات المعنية والمتضرر، لذلك توجهنا إلى إدارة حقوق الإنسان في شرطة دبي لنقف على حقيقة الدور الذي تلعبه في هذه المشكلة.
يقول الملازم أول أحمد العلي: إن دور إدارة حقوق الإنسان هو الوساطة وتقريب وجهات النظر بين جميع الحالات التي ترد إلينا وبين الجهات المعنية، ويجهل البعض حقيقة هذا الدور ويرى فينا سوطاً عقابياً على خصومه دون ان يتحقق من مضمون شكواه وما إذا كان هناك ظلم واقع عليه بالفعل من عدمه، أما مشكلة صحيفة السوابق وإعادة الشخص إلى عمله فهذا أمر متروك لجهة العمل التي تقيم نوع الجرم المرتكب، وفي حالة تمكن الشخص من الحصول على «رد اعتباره» وبالتالي شهادة «حسن سير وسلوك» فإن عملية العودة إلى العمل تظل غامضة، فليس هناك إلزام يقضي بالعودة إلى الوظيفة، ونحن نقوم بدور الوسيط وأحياناً بالبحث عن فرص عمل ولكن في حدود إمكانياتنا، وهذه القضية من وجهة نظري يجب أن تناقش بجدية في وسائل الإعلام، وأن تخرج من الأدراج حتى تصل إلى مجلس الوزراء لمناقشتها، فهذه القضية تحتاج إلى تدخل المسؤولين لإصدار قانون يلزم جهات العمل بإعادة الموظف إذا ما ثبتت استقامته وحصل بالفعل على حكم يرد الاعتبار، إضافة إلى دور المجتمع الذي مازال ينظر إلى أبنائه المخطئين بنظرة دونية.
مركز التأهيل
من إدارة حقوق الإنسان توجهنا إلى جهة أخرى لها دور فاعل في هذا الموضوع، في مركز التدريب والتأهيل التابع أيضاً لشرطة دبي استقبلنا رئيس قسم التطوير والمتابعة ملازم أول خالد محمد صالح قائلاً: مهمتنا في المركز هي مساعدة الحالات التي تحول إلينا من جهات عدة، ومع أننا جهة تتعامل مع الذين خرجوا من حالة الإدمان، سواء كانت لديهم سوابق من عدمه، إلا أننا لسنا مصحة نقوم بالعلاج، وإنما يقتصر دورنا على إعادة التأهيل بوضع برامج ودورات في مختلف الأعمال والمهن حسب رغبة الموجودين في المركز وطبقاً لميولهم وهواياتهم.
أما عن دورنا في خلق فرص عمل لهؤلاء فيجب أن نتوقف ملياً عند ثقافتهم، فهم في الغالب أصحاب مستويات تعليم متدنية، ولذلك يقعون فريسة للإدمان لقلة وعيهم وطموحاتهم الصغيرة، عكس مستويات التعليم العالية التي تخلق قدراً كبيراً من الوعي والثقافة عند الشباب، وإذا كانت فرص العمل للخريجين الجامعيين قليلة، فما بالنا بهؤلاء الذين لا يملكون شهادات، أو أنهم يحملون شهادات ابتدائية أو إعدادية، إن فرص العمل بالنسبة لهم ضعيفة جداً ومع ذلك نحن نحاول أن ندربهم على مهن مثل النجارة أو إعطاء برامج في الحاسوب الآلي، ونحن لدينا حالات فقدت وظائفها على خلفية الإدمان وهي كثيرة، لكن منهم من عاد إلى وظيفته، والمشكلة الكبرى التي تواجه هؤلاء هي نظرة المجتمع التي تظل تلاحق الشخص حتى وإن عاد إلى الطريق السوي، وأخيراً نحن لدينا مذكرات تفاهم مع الجهات الرسمية لإعادة أو توظيف المنتسبين للمركز، لكن هذه المذكرات ليست ملزمة.
ويقول بدر حسين البحري رئيس قسم التأهيل الاجتماعي والنفسي بالمركز: إن تجاوب القطاعين الخاص والحكومي مع الحالات التي تقدمها لهم هو تجاوب لا بأس به، وفي عام 2005 تم توظيف 33% من عدد المنتسبين في المركز، ولدينا الآن في المركز 36 حالة ضمن «الرعاية اللاحقة» أي الذين أنهوا البرنامج التدريبي وبانتظار فرص العمل، وحالة واحدة انتساب داخلي و16 حالة انتساب خارجي.
وبحكم اختصاصه يقول بدر حسين: إن انزلاق الشباب وراء الإدمان يعود إلى تدني المستوى التعليمي بصورة عامة، ولكن هناك حالة لشاب جامعي مثقف ورياضي انزلق إلى الإدمان بعد أن تعرض لإصابة منعته من مزاولة رياضته المحببة، لكن سرعان ما عاد إلى الصواب بعد أن قضى في المركز فترة كافية.
ويجلس سعيد راشد الهلي رئيس قسم الرعاية اللاحقة بالمركز وهو يقلب أوراق إحدى الحالات التي عادت إلى المخدرات ثلاث مرات وفقد ساقه في إحداها في حادث سير، كان في كل مرة يخرج فيها معافى يعود إلينا بأحكام تصدر بحقه، وهذه الحالة ليس لديها أقارب سوى شقيق يعمل في أبوظبي، وهذا الشخص نموذج صارخ بمدى أهمية دور المجتمع في تقبّل ومساعدة هؤلاء، لقد فعلنا ما بوسعنا لإعادته إلى الطريق السوي، وقمنا بمخاطبة أكثر من جهة لزرع ساق صناعية له، وقد حدث بالفعل بعد أن تبرعت إحدى الجهات الخيرية بتكاليف العملية، وهو الآن بانتظار فرصة عمل.
تحقيق: عزالدين الأسواني

