كعادتها على أبواب الانتخابات دفعت إسرائيل بالوضع الفلسطيني إلى حافة الانفجار، بعدوان مباغت اقرب للقرصنة على سجن أريحا بتأييد أميركي، مهد له انسحاب مفاجئ لحراس السجن الأميركيين والبريطانيين، أسفر عن ثلاثة شهداء و35 جريحا، وأسر المعتقل احمد سعدات أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وخمسة من رفاقه، اضافة إلى اللواء فؤاد الشوبكي المتهم بتهريب سفينة السلاح «كارين إيه»، وهو ما دفع فصائل المقاومة إلى التهديد برد قاس، وردود أفعال بدأت بخطف أجانب وحرق مبان لهيئات دولية في المناطق الفلسطينية، وإجلاء الأجانب من غزة.
واستمر العدوان الجديد نحو تسع ساعات، وشاركت فيه الدبابات والجرافات والمروحيات تخللته اشتباكات مع أفراد من قوى الأمن الفلسطينية في السجن وبعض المعتقلين، ما أسفر عن ثلاثة شهداء و35 جريحا بينهم حالات حرجة.
وأعلن رئيس القيادة الإسرائيلية الوسطى الجنرال يائير نافيه أن العدوان انتهى «بنجاح»، لكنه لم يشر إلى المكان الذي نقل إليه الأسرى، في وقت أفادت مصادر صحافية بأن سعدات نقل إلى معتقل غير الذي نقل إليه رفاقه الخمسة المتهمين باغتيال وزير السياحة الإسرائيلي رحبعام زيفي. وأعلن رعنان جيسين مستشار رئيس الحكومة الإسرائيلية أن اسرائيل ستحاكم سعدات ورفاقه بتهمة قتل زئيفي.
ووتنتهك اسرائيل بالعدوان الجديد اتفاقا كان ابرم بين الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل والسلطة الفلسطينية يقضي باحتجاز سعدات ورفاقه والشوبكي في سجن أريحا بإشراف سجانين أميركيين وبريطانيين. وتحدثت مصادر الجيش الإسرائيلي عن اسر ما بين 180 ونحو 300 من معتقلي سجن أريحا وأفراد الأمن المكلفين حراسته. وأكد مسؤول فلسطيني كبير ان الإدارة الأميركية أبلغت الجانب الفلسطيني انها لا تعارض الهجوم الإسرائيلي الذي نفذ على سجن أريحا وانتهى باعتقال سعدات.
وقال المسؤول الذي طلب عدم الكشف عن اسمه «جرى اتصال بين مسؤولين فلسطينيين وأميركيين بشأن الهجوم على سجن أريحا وابلغ الأميركيون الجانب الفلسطيني انهم لا يعارضون الهجوم الإسرائيلي ولكنهم يتحفظون على مسألة التعرض لحياة المعتقلين». وقال الناطق باسم وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس التي تزور اندونيسيا انه «تم سحب الحراس بسبب مخاوف على سلامتهم».
وأضاف «نحن على اتصال مع الإسرائيليين والفلسطينيين وغيرهم من الإطراف في المنطقة للحث على الهدوء وضبط النفس». وكانت مصادر قد أكدت أن واشنطن أبلغت إسرائيل قبل ثلاثة أيام انها ستسحب الحراس الأميركيين من سجن أريحا.
وكان سعدات، قبل اعتقاله، تعهد بمقاومة الهجمة التي تستهدف حياته ووعد شعبه بالصمود والمواجهة حتى الاستشهاد، ووصف معنوياته ورفاقه بأنها عالية جدا. وحمل في اتصال هاتفي مع «البيان»، قبيل أسره بساعات، الولايات المتحدة وبريطانيا المسؤولية عن كل ما تعرض له ورفاقه الخمسة بسبب انسحاب بعثة المراقبين الأميركيين والبريطانيين قبيل وصول قوات الاحتلال إلى السجن، وتجنب سعدات توجيه اللوم إلى السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس (أبومازن)، لكنه قال إنه كان على السلطة إطلاق سراحه «في الوقت المناسب».
وكان أبومازن، الذي قطع جولته الأوروبية، دان العملية الإسرائيلية وحمل «الجانبين الأميركي والبريطاني المسؤولية الكاملة عن اي مساس بحياة سعدات والشوبكي ورفاقهما».. فيما حذر رئيس الوزراء الفلسطيني المكلف إسماعيل هنية إسرائيل من «المس بحياة المناضلين». ووصف كبير المفاوضين الفسلطينيين صائب عريقات اعتقال إسرائيل سعدات ورفاقه في الهجوم على سجن أريحا بأنها عملية «اختطاف».
وقال عريقات في اتصال هاتفي من ستراسبورغ حيث يرافق الرئيس محمود عباس «تدين السلطة الفلسطينية بشدة عملية اختطاف (أحمد) سعدات و(فؤاد) الشوبكي ورفاقهما». وأضاف «هذا أمر خطير جدا ويحمل بمدلولاته مخاطر شديدية على مجمل القضية الفلسطينية». وكان مصدر أمني فلسطيني كبير أفاد بفشل لقاء امني عقد بالقرب من مقر المقاطعة في أريحا بين ضباط فلسطينيين وإسرائيليين لوقف العدوان.
وقبل انتهاء العدوان، حذر مسؤول الجبهة الشعبية في الخارج ماهر الطاهر الاحتلال من مغبة «اغتيال» زعيم الحركة مؤكدا على أن رد الجبهة قاسٍ، في حين هددت منظمة «النسر الأحمر» (الجناح العسكري للجبهة) بضرب السفارات وجميع المصالح الإسرائيلية في الخارج، كما هددت الأجنحة العسكرية للفصائل الأخرى إسرائيل بـ «رد مزلزل» و«بركان لا ينطفئ» بحجم الجريمة، داعية «كل المعنيين إلى التدخل السريع وإلا ستكون نتائج لا تحمد عقباها».
وأعلنت كتائب شهداء الأقصى (الجناح العسكري لحركة فتح) «حالة النفير العام في كل أنحاء فلسطين»، وقالت إن «الرد سيكون على كل إسرائيلي وأميركي وبريطاني» وسريعاً عم الغضب الشارع الفلسطيني الذي خرجت التظاهرات فيه في الضفة الغربية وقطاع غزة، وخرجت بعض حالات الغضب عن السيطرة وانعكست في صورة اقتحامات لمباني هيئات دولية، وحالات خطف لعدد كبير من العاملين الأجانب، الذين وصل عددهم إلى عشر من خمس جنسيات (أميركا وفرنسا واستراليا وسويسرا وكوريا الجنوبية) قبل أن يبدأ الخاطفون في إطلاق ثلاثة منهم (أستاذ أميركي واستراليان).
واقتحم مئات الفلسطينيين الغاضبين المركز الثقافي البريطاني في غزة وحرقوه، كما حرقوا علم الاتحاد الأوروبي بعدما اقتحموا مقر الاتحاد. وأعلن متحدث أمني فلسطيني في وقت لاحق إجلاء الأجانب من غزة وفي ضوء هذا الوضع المتأزم، أعلن مصدر فلسطيني مسؤول أن معبر رفح الحدودي بين قطاع غزة ومصر أغلق أمس حتى إشعار آخر بعدما انسحب المراقبون الدوليون منه بطلب من حكوماتهم. وقال المدير العام للمعبر سمير أبنحلة «إن المراقبين الدوليين غادروا المعبر بناء على طلب من حكومتهم بسبب الأوضاع الأمنية المتدهورة».
في وقت قررت سلطات الاحتلال إغلاق معبر المنطار المعبر الوحيد لنقل البضائع بين القطاع والضفة الغربية، مبررة ذلك بأسباب أمنية.
رام الله ـ محمد إبراهيم:
غزة ـ ماهر إبراهيم:

